شاهد كل المباريات

إعلان

عبد القادر سعيد

الرجل الذي قال نعم

جميع الاراء المنشورة تعبر فقط عن رأي كاتبها وليست بالضرورة تعبر عن رأي الموقع

لم تمر دقائق على المكالمة التي لم تكن في الحُسبان، حملق دون رمش في مرآته ينظر بحِدة إلى وجهٍ عاش به عُمراً لكنه بات مُضطراً لتغييره، لن تصلح هذه النظرات الهادئة التي تليق بواعظ أو كاهن بعد الآن، العيون السوداء ستتحول للون الأخضر وستغطيها نظارة سوداء لم يكن يجرؤ على الاستفسار عن ثمنها من قبل.

تلاطمت الأفكار في رأسه أمواجًا هادرةً، فكر أن يخرج للشارع لاستئناف النظر إلى نفسه ولكن في عيون الآخرين، يحصل لنفسه على لقطة أخيرة، أو صورة ربما لن تكرر بعد أن يتم الإعلان عن فحوى المكالمة ونتيجتها.

تلفع بملابسه وانتعل حذاءه في عجل وسار يبحث في أعين المارة في شارعه عن نظرات التبجيل والاحترام، سمع سلامات تشع حُباً، وفي خلفيتها قرقرة حمام من فوق سطح البناية العتيقة التي يقطن بها في وسط المدينة، نظر فوق رأسه فتيبس فجأة مُحدقاً في حمامة أضاءت شرفة بيته من شدة بياضها الذي يعكس الشمس، وكأنها شمس أخرى قد أشرقت، لكنها غربت فجأة، رحلت سريعاً طيفًا، أو حلمًا انتهى، أو ربما زمناً كُتب له أن ينقضي.

أكمل المسير، لَأى قليلاً عندما استقبل رأسه فكرة أن هؤلاء الذين يكنون له التقدير والاحترام والحب سيتحولون إلى النقيض بعد سويعات، انتقع وجهه وخفق قلبه وتيبس مرة أخرى في مكانه، نظر إلى أعينهم فهُيأ له أنها تبدلت، لفحة الهواء فتحرك قليلاً وسار ليلقي عليه آخرون سلامات قبل أن يغادر شارعه لكنه سمعها كلماتٍ دارت في رأسه وكأنه يعرف أنه سيسمعها مثل (الخائن، الرخيص، الرجل الذي باع نفسه، الذي باع ناديه، المتلون...).

هرع إلى منزله يثب وجلاً من المصير المحتوم، عاد سريعاً وأمسك بهاتفه وفكر أن يُجري مكالمة عكسية هجمةً مرتدةً ينقذ بها نفسه من ذلك المصير الذي رآه قبل أن يحدث ويُطهر روحه التي كادت تخنقه، لكنه تراجع عندما لمح مرآته فاتجه إليها ليشاهد وجهه، يحدق في عينيه من جديد، ينظر لنفسه، وبعد لحظات سقط الهاتف من يده فلم يلتفت، هندم قميصه أثناء النظر في المرآة، واتجه إلى باب الخروج من الغرفة ليدهس الهاتف دون اهتمام، اتجه إلى مكتبه وبدأ يكتب شيئاً.
 
تأود القلم في يده راقصةً تُنعشها الأموال المُتناثرة على رأسها، مثل زهرة يرويها المطر فتتفتح، جاءته الأفكار سريعاً وقرر أن يباغت، أن يهاجم قبل أن يأتيه الهجوم من كل الجبهات، قبل أن يسمع الكلمات التي يخشاها عندما يعود للشارع.

كتب قصة رمزية عن رجل يعيش حياته في تقتير ويقطُر خلفه أسرته في رحلة وئيدة نحو بر الأمان المنشود، يكاد ظهره ينحني قبل الوصول للنهاية، لكنه فجأة وبدون سابق إنذار يتلقى عرضاً يتقاضى بموجبه في عامه المقبل ما يزيد على الأموال التي لملمها منذ أن أصبح رجلاً يكسب عيشه.

وتساءل في مقاله الذي رصد له أوراقاً خضراء لتسويقه على الإنترنت، كيف يمكن لهذا الشخص أن يرفض؟ من هو ذلك الرجل الذي يقول لا لعرضٍ مثل هذا؟، لكن صوتاً رن في أذنه مجيباً بسؤال، إذاً لماذا أوهمتهم بأنك صاحب مبدأ؟ لماذا ارتديت عباءة القدوة ولونت أفعالك فصار الجميع ينتظر منك التصرف بمثالية ثم صدمتهم بأنك مثل الأخرين، وتريد أن تخرج لتبرر؟.

توقف عن الكتابة وباخت حماسته في الاستمرار، عاوده الصوت من جديد، كيف تفعل عكس ما تقول؟ صحيح أنك تعرضت لاختبار صعب لا ينكرنه أحد، ولكنك فشلت فيه!.. أطاح بالقلم ليرتطم بالحائط تاركاً علامات بحبره الأحمر تدلت في خطوط مستقيمة في طريقها للأرض، كوَم ورقته ثم مزّقها بعنف، هدأ قليلاً ثم قرر أن يكشف عن وجهه الحقيقي، بلا قصة رمزية، بلا مبررات، قرر أن يكتب اعترافاً أنه غير مبادئه، وأنه هو ذلك الرجل الذي قال نعم وقت أن ظن الناس أنه سيقول لا.

0

إعلان

أخبار تهمك

إعلان

إعلان

التعليقات