سأنتظر ساعة، الوقت يسمح لرشفات الشاي البارد على المقهي الشرقي، سأنتقل مشياً إلى جادة إيما لأجلس هناك وأكتب شيئاً قبل موعد المقابلة، ربما يساعدني ذلك على الخروج من المأزق الذي وضعتني فيه لويزا في ليبرافيل بسبب كوبر.

لا أعرف لماذا أُفضِّل هذا المقهى المتواضع بمقاعده الأرضية ومناضده التي تشعرك بالجلوس في خيمة صحراوية، لماذا أترك كل الأماكن التي تصدم الروح بجمالها في فرنسا وأختاره دائماً، ربما لأن هذا المقهى يطل على معهد العالم العربي في باريس،على الأقل هنا شيئاً يشبهني، على أي حال هذه حيلة ذكية من مالكه المغربي الذي يجذب المجانين أمثالي إلى هنا بأقل التكاليف.

لا أنسى ما قالته لي لويزا ونحن نشاهد نهائي أمم أفريقيا في ليبرافيل، ليس بسبب قوة كلماتها.. إطلاقاً، هناك شيئاً أخر لكزني في صدري وقتها فتجمدتُ وصرت غير قادراً على الرد، هذا يؤلمني جداً ليس لأنها كلمات يمكن الرد عليها بكثير وأنا لم أفعل، ولكن لأنها قيلت بتعالي شديد، هذه نبرتها دائماً كونها تحمل جواز السفر الفرنسي وتعمل في قناة "تي في سانك" التي أوفدتها إلى غرب أفريقيا لتكتشف العالم الأخير، هي حتى لا ترانا عالماً ثالث.

لِحَظي العاثر لم تجد لويزا غيري هنا من بين الصحافيين المصريين يتحدث الفرنسية، فالتصقت إلى جواري مالئةً رأسى بانتقاداتها لمصر والمصريين في رسائل خبيثة خلال تعليقاتها على منتخب مصر الطيب المُسالم في الجابون، أحياناً كنت أرد بشيء فتصمت، وأخرى كنت أكتفي بالإيماءات والابتسامات الجامدة التي توحي لها بأن تتوقف فتصمت.

لم أكن أريد أن أحمّل مزيداً من الصداع في رأسي، كان يكفيني رطوبة الجو والطعام السيء، واحتراق الأعصاب والدم أثناء مشاهدة كوبر الذي لا يكلف فريقه برحلة قصيرة لمرمى المنافس إلا مرة أو مرتين أو ثلاثة على الأكثر لمدة ساعة ونصف، أما غير ذلك فهو مثل صدادة الملاكم، يتلقى الضربات ثم يعود لوضعه الطبيعي من أجل تلقي المزيد.

ملامحها في المباراة النهائية كانت توحي بوضوح إلى سوء الطوية تجاهي، ربما تعاطفت مع الكاميرون لعامل اللغة؟ لا أعرف، لا أتذكر سوى أنها قالت لي بعدف هدف نيكولاس نكولو في الحضري:

-    ديجافو .. إنه فيلم مكرر، مشاهد سخيفة ومملة لا يمكن أن تحقق الجوائز أبداً، هذا أخر ما يمكن أن تحققه هذه الرتابة، انتهى الأمر.

كانت تقصد بكلمتها الفرنسية "ديجافو" أنه أمر "شوهد من قبل"، سخرَت من كوبر وطريقته الدفاعية، ثم قالت شيئاً عن الخوف وعدم المبادرة والكسل الذي تعرفه عن المصريين ويظهر على فريقهم في البطولة،لم أرد.. لكنها كررت نفس الكلام مع هدف أبو بكر الثاني فرددت بأن الفرنسيين يُعرف أيضاً عنهم السخافة وثِقل الظل الذي يكتم الأنفاس خاصة مع الرطوبة العالية في غرب أفريقيا.. فصمتت.

بعد المباراة شًعُرَت بأن كرات الدم في عروقي تتجمع وتستعد لأن تكون وقود متدفق لغضب حارق، قررت أن ترحل دون أن تواسيني على الخسارة، وقالت لي سأراك في باريس، أومأتُ بدهشة ثم نظرتُ إلى الأرض في حسرة على الهزيمة ولما رفعت عيني مرة أخرى لم أراها.

الآن أنا هنا فعلاً في باريس بعد 48 ساعة فقط بدعوة من قناتها لتحليل الحدث، سأكون في ضيافتها على الهواء، هذه فرصتي للانتقام.. لكن لا بد أنها تعرف كم ضايقتني في بور جونتي وليبرافيل بتعليقاتها المُترعة بالكراهية، امرأة بذكائها وثقافتها لا يمكن ألا تكون قد فكرّت في رد فعلي عندما آتي إلى هذا اللقاء المباشر، سيكون انتصار رائع في عُقر دارها أمام الفرنسيين، هذا ما جال بخاطري عند تلقي الدعوة.. لكن يبدو أنني مازلت على سجيتي، والآن بدأ تأثير الجلوس على الأرض في هذا المقهى الحقير يقربني إلى الواقع، لا بد أنها تحضر لي جلسة محاكمة على الهواء بسبب فريقي الكسلان، فرصة رائعة لاصطياد فريسة من إحدى بلاد العالم السفلي.

صحيح أن "ديجافو" مُناسبة تماماً لكوبر الذي اعتاد خسارة النهائيات والبطولات بنفس الطريقة في كل مرة وفي كل بلد يذهب إليها، لكنها ليست مناسبة لمصر التي فازت بكأس الأمم الأفريقية 7 مرات قبل كوبر، ربما تستحق الأرجنتين هذه اللعنات، فهي التي خسٍر كل من يحمل جنسيتها البطولات بنفس الطريقة، دييجو سيميوني مع أتلتيكو مدريد في نهائي دوري الأبطال مرتين، الأرجنتين في نهائي كوبا أميركا مرتين وفي نهائي المونديال أيضاً.

هذه فكرة جيدة لأن تصمت لويزا في قناتها مثلما كانت تصمت في الجابون، لكني أيضاً سأقول لها شيئاً عن فرنسا التي خسرت نهائي كأس العالم أمام إيطاليا في 2006 التي تلعب بشيء من الرتابة إذا كانت تسمي الدفاع ملل، وعن فرنسا التي خسرت اليورو على أرضها في 2016، وأكيد كانت لويزا حاضرة تشاهد فريقها يخسر اللقب في الملعب مثلما شاهدتني في الجابون أتحسر على أن الكأس لن يكون في طائرة العودة لمصر، الآن بدأت أشك في أن النحس في لويزا وليس في كوبر.

عرفت ماذا أقول لهذه الفرنسية في "التي في سانك" سأجعل صديقاتها يضحكون عليها هيّ وسأبادر بالهجوم، لن أكتفي بالإيماءات والابتسامات هذه المرة، إنها لازالت تظن أن الدفاع والكسل تيمة المصريين، حسناً.. إذا كان رفض كوبر الهجوم تسبب لي في كل هذا الضجر، سأهاجم أنا لويزا هنا في باريس، سيكون الهدف باثنين.. سأنكأ الجرح بنُصلِي الخاص.. لن أنظر للأرض في حسرة إذا تذكرنا ليلة ليبرافيل، عندما تذكرني بأهداف الكاميرون سأذكرها بقذيفة البرتغالي إيدر وبإيطاليا.

الهاتف رن وظهرت صورة "لويزا" بضحكتها التي تخبئ ورائها السَريرة السوداء، رددت بصوتٍ جهور بأني جاهز للقاء وأتوق لهذه الاستضافة، سمعتُ ضحكات أعماقها بأن الفريسة جاهزة للالتهام، يا لها من ساذجة.. لم تعرف أنني وجدت حلاً لهذه المُعضلة..، تأبطتُ حقيبتي ورفعت رأسي راكضاً في شارع إيما متجهاً إلى ضفة نهر السين واستقليت سيارتي وأنا أرى لويزا تتجول بعيونها الزرقاء في السقف وتلملمها من على الأرض في محاولة للتركيز لكنها لا ترى سوى أشياء هائمة وأضواء الاستوديو أصبحت متباينة، ثم تغيم بها الدنيا وتسقط.

للتواصل مع الكاتب عبر تويتر اضغط هنا

للتواصل مع الكاتب عبر فيس بوك اضغط هنا