يُحكى في الأثر أن قوما قد اجتمعوا للصلح بين أبناء قبيلتين بعدما قتل أحدهما الآخر، وجلس الحكماء في محاولة لإقناع أهل القتيل بقبول الدية وعدم الأخذ بالثأر، وفي وسط كل هذا أتت أمة تدعى "جهيزة" لتبلغ الجمع أن أهل القتيل عثروا على القاتل وقتلوه لتصبح مقولة خالدة "قطعت جهيزة قول كل خطيب".

بكاء ونحيب وترجي وأمل وندم وقتال، أسلحة كثيرة استخدمها عصام الحضري حارس مرمى المنتخب المصري لاستجداء العودة للأهلي وانهاء مسيرته الكروية بقميص الفريق بعدما قطع بيده حبل الود مع جماهير النادي بهروبه عام 2008 من أجل تجربة احتراف متواضعة في سويسرا مع أحد أندية الوسط.

لم يقترب الحضري من العودة للأهلي - في نظر البعض - كما كان قريبا خلال الفترة الأخيرة عقب مشاركة صاحب الـ44 عاما في بطولة أمم أفريقيا وقيادته الفريق إلى النهائي عقب إصابة الثنائي أحمد الشناوي وشريف إكرامي في بداية المنافسات، ليطالب الكثير من رجال الإعلام وبعض من الجماهير بعودته.

حالة الهبوط التي يعيشها الأهلي حاليا على مستوى المبادئ والقيم التي اشتهرت بها إداراته على مدار أكثر من 100 عاما ربما كانت وسيلة لتمهيد طريق أحد أعظم الحراس في أفريقيا للعودة مجددا إلى القلعة الحمراء، مستغلا التراخي الذي يعاني منه مجلس إدارة يرى أنه لا يجب أن يفوز بكل البطولات "لأننا لا نعيش في غابة".

لكن الحضري الذي بنى بيده تمثالا من الماس يجسد عظمته اختار أن يهدمه في لحظة تهور عام 2008، وهشم البقية الباقية منه بسلوك غير رياضي وغير احترافي أثناء التواجد في معسكر فريقه وادي دجلة بعد مشاجرة مع حارس زميل له، وارتكب حماقة رفض الاعتذار عنها فتم استبعاده من المشاركة في المباراة.

أتُرى حين تفقد هيبتك التي رسمتها بقفازك الحديدي على مدار سنوات من الاجتهاد فيقرر مالك النادي الذي تلعب له أن يعلن عن عرضك للبيع في رسالة عبر حسابه على أحد المواقع التواصل الاجتماعي؟ هل ترى تلك أشياء لا تشترى أيها الحارس الأسطوري صاحب الانجازات التاريخية.

لاعبون مروا على الأهلي عبر عقود عديدة، مئات ارتدوا القميص الأحمر، ومئات لعبوا لكن قلة قليلة أصبحوا نجوم في أذهان جماهير النادي، وقلة من هؤلاء النجوم أصبحوا أساطير ليس لأنهم حققوا بطولات لكن لأنهم خلدوا المبادئ، وساهموا في ترسيخها وكتابتها بحروف من نور في عقول الجماهير.

الجمهور الذي لم يرى مختار التتش أو صالح سليم لا يعلم كيف أبدع الثنائي في الملاعب، وكم عدد البطولات التي حققها كل منهما، لكنهم يعلمون أن هذا الثنائي رسخ مبادئ وصنع مواقف ستظل تحكى لسنوات طويلة وأول هذه المبادئ أن "الهارب لا يعود".

على الجمهور الناشئ الذي يتحسس خطواته الأولى في التشجيع أن يدرك تماما أن الإبداع في كرة القدم لم ولن يكن كافيا في يوم من الأيام ليصبح هذا أو ذاك لاعبا أسطوريا لدى النادي الأهلي، فالمهارة تصنع النجوم والمبادئ تصنع الأساطير.

تذكروا حين قال الحضري "الأهلي خطوة في حياتي وانا لا انظر للخلف" حين رحل عن الفريق هاربا في شتاء 2008 تاركا زملائه في منتصف الموسم، ثم عاد بعد عدة أعوام باكيا نادما متوسلا العودة بعد تجربة في الإسماعيلي، فرفضت إدارة الأهلي فانتقل إلى الزمالك.

الحضري الذي اعتاد الرقص فرحا بالانتصار، في أول تدريباته بمران الزمالك رقص بحثا عن ثغرة يصل بها لجماهير الزمالك، فلم يكن الرد ايجابيا من أبناء ميت عقبة العاشقين لحارسهم الأول عبدالواحد السيد، والذي لم يتمكن السد العالي من حجز مكانا أساسيا مع الفريق على حسابه.

أشهر قليلة في صفوف الزمالك لم تتوج بالنجاح، فانتقل إلى المريخ السوداني وقضى هناك عدة سنوات بدأها بمدح أسطورة منتخب هيثم مصطفى الذي كان قد دخل في خلاف معه أثناء اللعب بقميص الأهلي لدرجة أن جمهور السودان "أهدر دم" الحضري الذي قال له "سنهزمكم في أم درمان وسأرقص 10 بلدي في استاد الهلال".

عصام الحضري الذي صرح سابقا بأن "اللاعب الذي يقبل العمل تحت قيادة ميدو جنون" أثناء توليه قيادة الجهاز الفني للزمالك، وصف الشخص ذاته بأنه "عالمي بالرغم من صغر سنه" بعدما تولى تدريب وادي دجلة في أواخر العام الماضي.

لا شك أن عصام الحضري داخل البساط الأخضر أسطورة يصعب تكرارها في كرة القدم داخل مصر على واجه التحديد وفي القارة الأفريقية بشكل عام، لكن الذي رفض التعامل بإلتزام واحتراف وهو في أعلى مستوياته لا يستحق التكريم في اخر أيامه مع كرة القدم.

وبعيدا عن كل الجدال بشأن عودة عصام الحضري من جديد للأهلي خرج علينا أسطورة حراسة المرمى في مصر بسلوكه في معسكر وادي دجلة والتعدي الجسدى على أحد الزملاء واللفظي على مديره الفني "قطع الحضري قول كل خطيب" وأغلق بيده أبواب الجزيرة.

للتواصل مع الكاتب عبر تويتر من هنا