كنت مدريديا قبل سنوات ، فالعشق للون الأبيض لم يكن اختيارا ، زملكاوى يجب أن تشجع الريال حتى تصادف نغمة الفوز مع " الميرينجى " التى تفتقدها محليا ، لسنوات ظللت على عهدى القديم ، ملكيا  ، حتى جاء " ليونيل ميسى " فدفعنى بلا ارادة الى قميص " البلوجرانا "، لم استطع مقاومة المتعة ، فاذا كنت تلعب بقدمك اليسرى قطعا سيكون ميسى خيارك الوحيد مثلما فعل مارادونا قبل سنوات ، صرنا مشجعين لـ " نابولى " الايطالى.

 اذن يبدو أن مزاجى ارجنتينيا بامتياز ، من ميسى الى مارادونا ، كنت مأخوذا – ومازلت - بمواطنى " بورخيس " الكاتب والشاعر الارجنيتينى وأحد ابرز كتاب القرن العشرين ، عشق لم أملك تجاهه سوى التسليم و أدركت ذلك بنضج السنوات والتجربة ، فحتى كل المهارات البرازيلية لم تمنعنى قط عن الهوى الارجنتينى ، رغم أننى لم اهتم يوما ما للربط بين موطن جيفارا و حبى لراقصى التانجو.



سأكتب ميسى عبر بورخيس رغم كراهية الأخير لكرة القدم  ، أو استدعى " بورخيس " لأحكى عن ميسى ، فما فعله " ليونيل " على جبال كاتا كان انقاذا لتلك الأمة التى حبست أنفاسها خوفا من الخروج ، فهنا منتخب لايعرف الاخفاق فى الطريق الى مباريات المونديال ، فما بالك لو كان منتخبا معه ميسى..!

سألوا بورخيس مرة عن خجله ، فقال : كل محاضرة القيها تكون بمثابة المحاضرة الأولى ، عندما اكون امام الجمهور ، الخوف الكبير مهنتى ، لكننى استوعبت أن هذا الأمر ليست له أهمية ، انا اعرف الآن اننى خجول ، أعرف أننى خائف لكن لايهم ، فى فجر يوم 11 اكتوبر على جبال كيتو ، لم يكن ميسى خائفا رغم أن الارجنتين نفسها كانت غارقة فى بحار الخوف ، الخوف من ذكرى الاقصاء عام 1970.

روح جيفارا تلبست فتى " روساريو " فى " آتاهوالبا الأولمبي " فلم يكن لاعبا كان ثائرا مثل " تشى " ، فارسا من العصور الوسطى ، منقذا لأمة كادت تفقد تاريخا فى الاكوادور.

لقد فاز ميسى على الاكوادور والطبيعة والطقس ، ولم تفز الارجنتين ،فقد لخص كل الأمور فى شخصه ، بصورة قالها بيب جوارديولا من قبل " " لقد أردت أن أجعل من ميسي أفضل لاعب ، لكنه جعلني أفضل مدرب " ففى الاكوادور جعل ميسى للارجنتين منتخبا..!



"لايمكن أن يكون هناك كأس عالم دون ميسي ، الكرات التي تخرج من قدمه تسعد الكل" يعبر بيكنباور عن الاسطورة " ليونيل " كما فعل العالم أجمع قبل يوم العاشر من اكتوبر ، ولن نعاند هرقليطس فى استشهاده الخالد "انسان الأمس ليس انسان اليوم ، وانسان اليوم لن يكون انسان الغد ، فهكذا " ليو " لن يكون فى قادم الأيام مثله ، فتلك الموهبة الفطرية لم تكن حتى لسابقيه.

ميسى يهزم كلاسيكية الحريف ، فتلك القوة والسرعة والخفة تخالف ماتصورناه عن ذلك الشخص الضعيف النحيف الذى يشغلنا بمهاراته ويدهشنا اذا لمسها ، فتلك الكرة التى يلعبها ميسى فى بيئة التكتيك وخطط اللعب و القسوة ، ليست تلك التى عاشها بيليه ومارادونا.

كل كتاب يحتاج الى كتاب آخر ليفسره ، وهنا ميسى يحتاج الى زمان آخر لندرك تلك المتعة التى لاتصفها كلمات أو تضاهيها أوصاف.

فى " المتاهات " يتحدث بورخيس عن "شخص يوكل لنفسه مهمة رسم العالم وخلال السنوات يؤثث الفضاء بصورة الاقاليم والممالك والجبال والبحار والسفن والجزر والاسماك والغرف والأدوات والنجوم والخيول والناس وقبل موته بقليل يكتشف أن ما ترسمه المتاهة الطويلة من خطوط هى صورة وجهه " كرة القدم هى وجه ميسى وقدميه وتلك الألحان التى يعزفها هى وسيلة التعرف الى كرة القدم الحلم.

الحلم الذى يحركه الشغف الأبدى بأن تسكن المرمى الشباك ، وهنا يختلف الأمر مع ميسى ، فليس السبيل أن تسكن الكرة الشباك ، بل كيف تدخل الكرة الشباك ؟ انها قصة ارادها فتى " روساريو " لنفسه ، يعبر عنها زلاتان ابراهيموفيتش " الأمر رائع مع ميسي فهو كلاعب البلايستيشن ، وأعتقد بأن اللعبة صنعت لأجله ، أعلم كيف يقوم بما يقوم به ، و لكنه فريد من نوعه."

هو اعطى معنى آخر لتلك القطعة الجلدية التى يركض ورائها الناس وتلهث وراء لحظاتها المجنونة الملايين ، انها كرة ميسى ، كرة لم تكن تقليدية يوما بل تحمل يوما بعد يوم ابداعا أعتقد انه سماوى.

يشعر بالملعب دون أن يراه ، فهو " أعمى رائى "  كما وصفوا  بورخيس ،  الذى كان يشعر بالعالم من حوله رغم حرمانه من البصر، فينثر شعره فيزلزل السامعين ببصيرته وصوره وموسيقاه.

عرفوا " بورخيس " بأنه فيسلوف القلق والريبة ، فى حين أن للبرغوث فلسفة أخرى ، فقد جعل للكرة حكمة وخلق لها منطق ، وصنع للسجالات على البساط الأخضر نفحات للجمال ، يرتدى لباس سقراط ويقتبس سمات اساطير الآلهة الاغريقية ، أظنه " ديونيسيوس Dionysus آله الخمر ، فتلك المتعة تسكر القلوب قبل العقول.

لم يكذب  كرويف عندما قال  " لحسن حظي أن ميسي لم يكن موجودا في الزمن الذي كنت ألعب فيه ، و إلا حينها لن يعرفني أحد."

كان " بورخيس " مواطنا عالميا ، هكذا رأى نفسه ، اصبح ميسى كذلك ، أعتقد أنه لو كان على قيد الحياة لغير رأيه ، وكتب عن " تشى " و" ميسى " فى رواية واحدة.

يذكر " بورخيس " : يفرحنى ان يكون لى جمهور عالمى ولا اريد من هذا الأ أكون ارجنتينيا ، فهل فى استطاعتى لو أردت ، لو لم أخرج من بوينس ايرس كيف كنت سأراها يا ترى ، كنت سأقبلها كما هى فى جميع الاحوال ، ولايمكن أن تكون ارجنتينيا ما لم تكن عالميا ، فالارجنيتين مزيج من جميع الأجناس والشعوب.

لقد فعلها " ليو " يا  بورخيس ، صار كونيا ، ملكا للبشرية ، تجاوز الحدود والالوان والأجناس والأعراق والديانات ، " ميسى " رئيسا لذلك العالم ، بلا قرار منه أو صناديق انتخاب ، لقد سلب منا الاختيار..!

يسافر عبر الزمان ، أعتقد ذلك ، يجتاح الواقع بحلمه ، أحسبه كذلك ، " بورخيس " ..ميسى  فانتازى مثلك تماما ، حط فى " الباسك " وساندته السماء، ليشيع البهجة فى نفوسنا ، ويذهب بنا الى جنات الانتشاء.

 كما انغمس بورخيس فى الف ليلة وليلة التى شكلت وجدانه وآفاقه وخياله ، يكتبها " ليونيل " فى كل لمحة يلمس فيها الكرة ، بامكانك السفر على بساط سحرى أو الجلوس الى ملك الجان أو التسامر مع على بابا أو تسافر عبر البحار مع سندباد ، " ميسى " ينبغى لشهر زاد أن تمنحك ليال فى حكاياتها مع شهريار، وهنا لن يظهر مسرور مطلقا ، فسيكون مشغولا بمايفعله البرغوث فى منافسيه.



عوض " ميسى " بورخيس عن جائزة نوبل ، فالكرة الذهبية " نوبل فى الكرة " حصل عليها الارجنتينى ، وأراح ذلك الشعب الذى قال عنه " بورخيس " وطنيون الى حد الاسراف.

مثل قراء الروايات ينبغى أن يكون البطل محبوبا فالناس يحبون ان يكونوا كذلك ، يتخيلون انفسهم بطل الرواية ويتماهوا مع تفاصيله وقراراته ورحلته ، مع ميسى تشعر بذلك ، تحسبه بطلا لايمسك بكرة بل بسيف ليرسم مجدا لفريق أو وطن ، يسجل تاريخا عالميا عن لعبة كسرت الحدود ، لغة عالمية ، ميسى ترجمان تلك اللغة ، وان كان هناك آخرين فهو صاحب الفضل والفضيلة.

رغم أن " بورخيس " لم يحب الكرة مطلقا ، واعتبرها وسيلة يستفيد به الحكام ، الا ان مواطنيه لم يتذكروا مطلقا ما قاله ، والتفتوا فقط لسعادة كان مصدرها ميسى ، لم تكن سعادتهم فحسب بل سعادة كونية ، فتى " روساريو " سيذهب الى بلاد الفودكا..!