قابلته لأول مرة منذ بضعة أعوام، كان ثريا جدا يعطي بسخاء، الجميع ينظر إليه وينتظر ما سيقدمه من نفحات، تأخذها وتجري تلهو فرحا وسط أصدقائك، وتتباهي بما أعطاك اياه محمود الخطيب !

لم أقابله وجها لوجه، أرسل لي هديته عندما كنت صغيرا، لم يرسلها يدا بيد، يوم اعتزاله كان الجميع يبكي لم أفهم وقتها لماذا يبكون؟ عموما لم أبكي مثلهم كنت سعيدا بالهدية التي اقتنصتها من درج والدي.

هذا الدرج الذي كان يحتوي على أشرطة لأغاني أم كلثوم وعبدالوهاب، كان سماعها بالنسبة لطفل وقتها هو منتهى الملل، لم يحتو الدرج حتى على أشرطة لأغاني محمد منير وعمر دياب الشبابية في الثمانينات، ربما كان سماعها سيكون أقل مللاً.

في هذا الدرج كان شريط رمادي اللون ملصق عليه ورقة حمراء على الجانبين، مختلف شكلا عن الأشرطة الأخرى، أخذته ووضعته في هذا الكاسيت السوني الشهير ببابين والذي سكن كل منزل وقتها.

"بيبو بيبو .. بيبو بيبو بيبو .. الله يا خطيب"، لم يشغلني من يغني، لم أفكر اذا كان حليم او عبدالمطلب، الجملة دخلت القلب والعقل، جلست أمام الكاسيت أكرر الأغنية، وأنا أحفظها وأهتف معها "بيبو بيبو .. بيبو بيبو بيبو .. الله يا خطيب". 

توالت الأيام، وكانت صور الخطيب المطبوعة أمام مدرستي، هي حصيلة صرف 50% من مصروفي اسبوعيا، ارتبطت به كأي طفل وقتها، لم أراه يلعب الكرة، ولم أنفعل مع مهاراته العظيمة، لكني وجدته نموذجا مثاليا لأحلامي الصغيرة، هل سيحبني والدي مثلما يحبه؟ هل سيهتف كل الناس بأسمي وسيبكون اذا رحلت عنهم؟ ماذا احتاج حتى أكون "بيبو"؟ 

يقول الكاتب الأمريكي آدم براون "Make your life a story worth telling" أو أجعل حياتك حكاية تستحق ان تروى.. هذه المقولة هي تلخيص لحكاية الخطيب منذ ان لعب الكرة الشراب في الشارع تحت طوبتين إلى ان تسلق أتوبيس النقل العام في طريقه للجزيرة أملا في ارتداء القميص الأحمر، حتى قال "شكرا شكرا" لـ 10 مليون أهلاوي كانوا يهتفون له خارج وداخل الاستاد يوم اعتزاله.. وتستمر الحكاية. 

حكاية كتبت سطر جديد حين اختار العمل في السلك الإداري، كان مثالا لوجه الأهلي كما يتمناه جماهيره "مثاليا" أو أقرب لذلك، سواء عضوا لمجلس الإدارة أو نائب للرئيس، لم يخرج كثيرا في الإعلام، كان خروجا حذرا دائما بحدود رسمها لنفسه، اتذكر حين اعتذر عن العمل في قناة مودرن سبورت لأنها تهاجم الأهلي، بالتأكيد كان يحصل على راتب خيالي، وراتب اخر اعاده لاتحاد الكرة حين اعتذر عن استكمال عمله في منتخب مصر. 

شعبيته ظلت تزيد يوما بعد يوم، ليس مثل معظم اللاعبين الذين تنتهي سطوتهم في قلوب الناس بعد الاعتزال، بل زادت، شعبية كبيرة أثرت حتى بشكل مباشر في شعبية النادي الأهلي، الشعبية التي شارك فيها الكثير من أبناء النادي على مر التاريخ، كان له فيها ربما الجزء الأكبر. 

لم يلمح يوما بالهجوم على المنافس التقليدي الزمالك، ولم يقلل منه، لم يهاجم حكما او اي شخص في المنظومة، كان قويا في الخفاء وهادئ جدا وموزن حين يظهر. 

بالتأكيد هو ليس أفضل إداري في مصر، ولكن هو الصورة التي تتمناها في أي مؤسسة بمصر، صالح سليم أعظم من ترأس الأهلي لم يولد أيضا إداريا رائعا ولم يكن يوما رجل أعمال. 

صورة الأهلي الأقرب للمثالية، التي قرر بسببها شخصا ما ان يحمل في حافظة نقوده كارنيه عليه هذه الصورة، الصورة التي بُنيت بالأساس في ملعب كرة قدم، صورة الأهلي التي بناها محمود الخطيب وشركاءه على النجيل الأخضر وليس في حمام السباحة. 

الأهلي لم يكن يوما مجرد نادي اجتماعي، ليس مركزاً للشباب، هو النموذج المصري الذي تتباهى به مصر في كل أنحاء العالم، مؤسسة ظلت صامدة قوية ناجحة بأقدام وعرق لابسي "الشنكار" بداية وختاما.

حالة الخطيب النموذج في كل شئ، المثل والقيمة والأخلاق الرفيعة، أكثر ما تحتاجه مصر حاليا من خلال الأهلي، في مجتمع اصبح مشوش جدا أخلاقيا، باتت القيم فيه "ألشة" و"دقة قديمة"، والأهلي كان ولا يزال البوابة الأسرع والأكثر تأثيرا في كل الأجيال.

صحيح ان الاستثمار والفكر الحديث في الرياضة وغير الرياضة أصبح أمرا ضروريا لا غنى عنه، والخطيب لديه من الخبرات الإدارية التي تستطيع ان تترجم ذلك، لكن الأهلي عاش استثنائيا لأن قانونه كان استثنائيا، قانون كان قاطع وناجع حين رفع القيم والمبادئ والصورة الحسنة فوق الجميع.

تلك كانت رشوتي من الخطيب، وهذا اعترافا مني بذلك..

للتوصل مع الكاتب عبر تويتر من هنا وعبر فيسبوك من هنا