ينتهى مُحمد من ارتداء بذلته الأنيقة، يُحدق في المرآة لضبط رابطة عُنقه، ينظر في تؤدة إلى لونها القاتم فتتجمد عيناه ويهيم عقله في عالم قديم اتشح في بدايته بذات اللون الأسود الذي طوعه في النهاية ليكون مؤازراً له في ليلة العُرس التي طالما حلم بها.

يتراءى له يوم أن خرج في صبيحة يوم ما مُهرولاً من قريته في نجريج لا يأبه بما يرتدي، لا يجول بخاطره سوى أمنية واحدة فقط، هي اللحاق بالحافلة الصغيرة التي تقل أبناء بلدته إلى القاهرة، يستخدم سرعته في الوصول إلى المقعد الوحيد الفارغ لينطلق قاصداً العاصمة.

يرن هاتفه فيسقط نظره من أعلى رابطة العُنق إلى الشاشة التي أضاءت باسم أحد أفضل مدربي العالم يُرسل له رسالة دعم مع تمنيات بأن تتم ليلة عُرسه في أكرا كما حلِم، شكراً كلوب على مشاعرك الطيبة، رغم أنك أيقظتني قبل أن أصل إلى القاهرة.

يخرج بعد عناء من زُقاق مزدحم في موقف سيارات الأقاليم في عبود بمدخل القاهرة، يستقل حافلة نقل عام متجهاً إلى مدينة نصر، يرمُق أخيراً نادي المقاولون العرب من بعيد مثل نار مُتقدة في ليلة صحراوية بلا قمر، يتمنى أن يكون ما يراه الآن بعد رحلة الساعات الأربع حقيقاً وليس سراباً.

يطرق أحدهم باب جناحه الملكي في فندق إقامته بغانا، يرنو إليه في تأدب ورهبة طالباً منه الاتجاه إلى قاعة المؤتمرات استعداداً لحضور الحفل الُمنتظر، يومِأ مُرَحِباً ويسير معه بلا تفكير، يتجه إلى المصعد الكهربائي تاركاً لصاحبه مهمة الضغط على الزر، فيهبط بهما لأكثر من 30 طابق، يغمض مُحمد عينيه.

يرى البوابة العتيقة لنادي المقاولون في مراية صالون سيارته الكورية مُتوسطة التجهيزات، لن يحتاج اليوم لحافلة النقل العام للوصول إلى موقف سيارات الأقاليم حتى يصل إلى قريته، الآن يتجه في تأني إلى نجريج لوداع أهله وأصحابه وأحبته قبل أن تبدأ رحلته الأوروبية من محطة بازل السويسرية.

يغفو أكثر فيرى بعمق وضوح، هو الآن على مسرح فخم يتسلم جائزة أفضل لاعب في سويسرا، يهتز المصعد قليلاً في رحلته البطيئة نحو قاعة الحفل فتتفح عيناه في سعادة كورد الربيع ظناً أنه قد وصل، ينظر إلى الشاشة الإلكترونية خلفه فيدرك أنه ما زال في نصف الطريق، فيقرر العودة إلى غفوته القصيرة.

وصل ابن بسيون إلى لندن، هو الآن مع أحد أفضل المدربين في تاريخ كُرة القدم، في نادي مُتوج بدوري الأبطال والدوري الإنجليزي، تشيلسي دائماً وجهة للعظماء، لكنه انتقل سريعاً بمُخيلته إلى إيطاليا مُفضلاً ألا يتذكر مُعاناة التجميد في مقاعد ستامفورد بريدج، في فيورنتينا لملم نفسه، وفي روما عومل كملك يحكم العاصمة الإيطالية رغم وجود الإمبراطور القديم فرانشيسكو توتي.

يتوقف المصعد ويفتح أبوابه فتفسد فلاشات الكاميرات الحلم الاختياري الجميل، يستفيق مُحمد سريعاً ويسير في حراسة مُشددة صوب قاعة الحفل، يدخل وسط ترحيب كبير من الحاضرين حتى يصل إلى مقعده، ينظر حوله في سعادة غامرة، لكن الإضاءة الخافتة سمحت له بغفوة أخيرة.

عاد صلاح إلى بريطانيا، بدا كملك يقاتل لاسترداد أرضه المفقودة، يُجبر من انتقدوه في السابق على الانحناء له، هذه المرة لا يسير وحيداً، يُحركه زئير الآلاف في أنفيلد، وفي برج العرب كانت قلوب المصريين تدق كطبول حرب تُحمسه لينطلق ببلاده إلى كأس العالم داهساً كل من يعترض طريقه، الآن أنت تستحق لقب ملك مصر الذي نعتتك به الصحف الإنجليزية.

يبدأ الحفل وتتطفل الكاميرات نحوه، لا يشعر بالضجر لإفساد غفوته هذه المرة، لقد تشبع من حلمه، لا ينقصه سوى نهاية سعيدة لا يريدها حلماً، بل يبغاها حقيقة ملموسة، يسمع صمت يثير التوتر والقلق في القاعة يسبق الإعلان عن أفضل لاعب في إفريقيا، يخفق قلبه بصوته يكاد يهز القاعة، بعدها ينتفض من على مقعده واقفاً من تأثير ما قاله مُقدم الحفل.. صلااااااح.

على المسرح يعانق جائزة استعصت على أبناء بلاده الخالدة، تجول بخاطره الرحلة التي بدأت من نجريج والجبل الأخضر مروراً ببازل ولندن وفلورنسا وروما وليفربول، اليوم أدرك أنه أتم مشواره، رحلة صلاح العمل والقلب والنية، لكن ثمة رحلة أخرى قد بدأت للتو، أعلن انطلاقتها قبل الحفل، رحلة أفضل لاعب في العالم!

لمتابعة الكاتب عبر تويتر اضغط هنا، وعبر فيس بوك اضغط هنا