قفز منتخب مصر مركزًا واحدًا في تصنيف الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) الصادر عن شهر يناير الجاري ليحتل المرتبة الـ30 عالميًا، والثالث أفريقيًا، والثاني عربيًا، متخليًا عن أي صدارة، وهو المتوج في الرابع من نفس الشهر بجائزة أفضل منتخب داخل القارة السمراء عن عام 2017 في حفل (كاف) بالعاصمة الغانية أكرا، تقدم لا يسمن ولا يغني من جوع، ولا يتناسب مع حجم الأحلام التي بدأ كل مصري في رسمها قبل أشهر بسيطة من انطلاق كأس العالم بروسيا في 14 يونيو المقبل.

لن نقارن التراجع بين ما هو قائم وما كان وقت أن قفز «الفراعنة» إلى أعلى مستوى في عهد المدير الفني الأسبق حسن شحاتة، والذي وصل إلى المركز التاسع عالميًا في ديسمبر 2010، لكن ليس من المنطقي أيضًا أن يكون أفضل منتخب أفريقي خلف تونس والسنغال، فالأفضلية لمصر التي تأهلت معهما إلى المونديال وزادت بوصولها إلى نهائي الأمم الأفريقية الأخيرة في الجابون، قبل أن تخسر بهدفين مقابل هدف أمام الكاميرون الغائب عن محفل روسيا، لتحصل على لقب الوصيف.

ظني أن ليس للأرجنتيني هيكتور كوبر المدير الفني للمنتخب أي ذنب فيما وصل إليه التصنيف من مراكز لا ترقى إلى طموحات المصريين؛ ربما بسبب غياب المباريات الودية الدولية التي ترفع من أسهم الفرق الوطنية في هذا الشأن، وعمومًا التصنيف هذه الأيام معنوي فقط، ولا يترتب عليه تحديد مجموعات أو أي شيء من هذا القبيل، فقد أعلنت مجموعة مصر في كأس العالم بعد وضعها في التصنيف الثالث لتكون في المجموعة الأولى بجانب روسيا البلد المضيف التي رغم تقدمها، إلا أنها حصلت على المركز الـ62، وكذلك الأمر بالنسبة للجار العربي السعودية صاحبة المركز الـ65، بينما الأوروجواي ما زالت متقدمة عن مصر باحتلال المركز 22 عالميًا رغم تراجعها مركزًا واحدًا.

التراجع أتاح الفرصة بقوة لتونس لاحتلال الصدارة الأفريقية، والحصول على المركز الـ23 عالميًا بفارق سبعة مراكز دفعة واحدة عن مصر والتي تقع معها في التصفيات الأفريقية المؤهلة إلى نهائيات الأمم الأفريقية المقبلة بالكاميرون 2019 ضمن المجموعة العاشرة بجانب النيجر وسوازيلاند، لكن تونس فازت على مصر في الجولة الوحيدة الافتتاحية التي أقيمت بين جميع المنتخبات في التصفيات المقرر استكمالها في مارس المقبل بهدف نظيف مما عكس غلبة «نسور قرطاج» وسيطرتهم على المشهد أمام «الفراعنة».

ليس مهمًا الآن ما حدث، لكن الأهم ما سيحدث في المستقبل القريب، فأخشى أن تستمر حالة اللامبالاة نحو طبيعة وشكل المباريات الودية الدولية المنتظر إعلانها والتي تأخرت كثيرًا، فالترقب يزداد حول كوبر بعد تتويجه هو الآخر بجائزة أفضل مدرب في القارة السمراء بهدف إعلان أجندة واضحة ومحددة المعالم للمباريات الودية خلال شهري مارس ومايو المقبلين وفقًا للأجندة الدولية، بهدف رفع المستويات الفنية والبدنية للاعبين، بدلاً عن الوضع القائم حاليًا والذي ينحصر في مجرد ترشيحات لمنتخبات من قبل شركات ووكلاء بعيدًا عن رغبة كوبر الذي حذر اتحاد الكرة من تجاهله في الأمر، لأنه المعني بتحديد الفرق وفقًا لرؤيته الفنية.

معظم المنتخبات الكبرى في المونديال حددت بشكل كبير أهدافها من الوديات المقبلة وأتمت اتفاقاتها، بينما اتحاد الكرة ما زال يدرس ويناقش وينتظر اتصالات من هنا وهناك، فبخلاف مباراة البرتغال واليونان في معسكر سويسرا، لا أحد يعلم الموقف الحقيقي والنهائي من مواجهة منتخبي إسبانيا أو الأرجنتين مثلاً اللذين تردد عنهما طلب مقابلة مصر، الماتادور لوقوعه في المجموعة الثانية مع المغرب ومواجهة مصر كونه قطبًا عربيًا مماثلاً، بينما راقصو التانجو لتواجد نيجيريا في المجموعة الرابعة ومصر أيضأ من كبار القارة، فوجود «الفراعنة» بالمونديال بعد غياب 28 عامًا سهل الأمر لمقابلة أعتى المنتخبات العالمية إن لم تكن هي السباقة بالطلب ذاته لتبادل المصالح المشتركة.

قبل كل هذا تقف تحديات جبارة في وجه كوبر، بعد أن بات مطالبًا بحسم قائمته قبل الوديات، رغم ضيق الوقت وضغط المسابقات، فلم تنجح المسابقة الكبرى الخاصة بالدوري العام الممتاز في تقديم وجوه جديدة يمكن الرهان عليها، لإقحامها بقوة في القائمة الدولية، حيث بات المنتخب الوطني في أمس الحاجة إلى تدعيم صفوفه بقوة في جميع المراكز دون استثناء.

لم يعد مقنعًا الاعتماد على كرة النجم محمد صلاح المرتدة خلف المساحات، فضلاً عن انكشاف عورة حراس المرمى في ظل تردي مستوى حارسي الأهلي والزمالك شريف إكرامي وأحمد الشناوي وكبر سن عصام الحضري المحترف في التعاون السعودي، لكن في هذا المركز يولد أمل جديد متمثل في حارس الأهلي محمد الشناوي ونظيره في الإسماعيلي محمد عواد، فضلاً عن عدم وجود بديل جيد للعجوز محمد عبدالشافي الظهير الأيسر، والذي لا يرحب كوبر بإمكاناته، إلا أنه الخيار الوحيد لعدم قدرة الدوري على إفراز وجه قوي مشجع للانفراد بالجبهة اليسرى.

من بين التحديات التي تحاصر كوبر، غياب الطموح عند كثير من اللاعبين، صحيح أن كوبر تقليدي جدًا ولا يرحب بالمغامرة أو المجازفة، لكن في الوقت نفسه يشاهد يوميًا في مسابقة الدوري لاعبين بلا طموح أو إصرار لفرض أنفسهم بقوة رغمًا عن أنفه كما يحب أن يعامل أي مدرب ناجح وطموح، فالجميع توقع أن تتحول مسابقة الدوري العام بعد التأهل إلى كتلة من اللهب، الكل يتنافس بقوة لتقديم اسمه على مائدة الجهاز الفني لنيل شرف تمثيل البلاد في محفل دولي لا يتكرر كثيرًا بحجم كأس العالم، إلا أن الظاهر عكس ذلك تمر المباريات بنفس الرتم والأداء الهادئ، وكأن معظم اللاعبين قرروا الاستسلام للأمر الواقع