لم تكن تلك السطور دفاعًا عن الأرجنتيني هيكتور كوبر المدير الفني لمنتخب مصر، بعد أن أثار ضده حالة من الجدل على خلفية الخسارة مرتين أمام البرتغال (1/2) واليونان (صفر/1) وديًّا في معسكر سويسرا الأخير، فمن حق الرجل أن يمارس عمله بحرية كاملة، ويختار لاعبيه كيفما يشاء، بل ويضع التشكيل والطريقة الرقمية التي يراها مناسبة دون حساب بالقطعة كما نفعل مع كل مباراة.

كوبر لم يمارس حقه الدستوري في العمل بحرية كاملة منذ أن حضر إلى مصر، وحتى قرب نهاية عقده الذي يفكر هذه الأيام في تمديده وسط مخاوف طبيعية، فجمهور كرة القدم في العالم لا يرحم ويتعصب لفريقه ويغضب لأي خسارة، لكن أليس هذا الرجل الذي وصل بنا إلى نهائي كأس الأمم الأفريقية الأخيرة بالجابون؟ أليس هو مَن حقق حلم الصعود إلى كأس العالم بعد غياب 28 عامًا؟ كلها حقائق لا تقبل النقاش.

المدرب العجوز كان مجبرًا على اللعب بطاقمين مختلفين، بسبب قلة عدد المباريات التي دفعته للمجازفة باللعب بتشكيل هو أقرب للأساسي أمام البرتغال، وآخر بوجوه شبه جديدة أو بدلاء أمام اليونان، ولو أُتيحت فترة زمنية أطول وعدد أكبر من المباريات لعمل مزجًا متدرجًا بين الطاقمين بشكل أوضح وأكثر دقة بدلاً من الدفع بمجموعة جديدة تمامًا في المباراة الثانية.

نعترف بوجود أخطاء لكوبر كأي مدرب في العالم، لكن لم تعد هناك مساحة من الوقت للحساب، بعد أن فرَّط مسؤولو اتحاد الكرة في الفرصة الذهبية بالجلوس معه عقب نهاية الأمم الأخيرة لاستعراض خريطة المستقبل وكيفية عمل الإحلال والتجديد بهدوء، فما حدث منهم كان عكس ذلك تمامَا، تركوه في رحلة طويلة بالخارج دون سؤال ليقفز مسرعًا قبل المرحلة الأخيرة من الاستعداد للمونديال، ومن الطبيعي أن يلجأ لاختياراته التقليدية، ومن الآن سيتكرر الخطأ بعد كأس العالم- حال استمراره- لن يجلسوا معه لترتيب البيت قبل أمم 2019 بالكاميرون.

ما بين الاستعداد لكأس العالم المقبلة في روسيا بالمباريات الودية والبطولة ذاتها، تتعلق أحلام وتقف عثرات في وجه الفراعنة، وهنا يأتي دوره لتقديم الحلول الجذرية قبل التوجه إلى جروزني لبدء الفعاليات، فمنتخب مصر ليس بالقليل، ومن حقنا أن نحلم معه بالوصول إلى الأدوار الإقصائية إذانًا بإعلان الحرب على نغمة «التمثيل المشرِّف» التي أرهقتنا واستنفدت قدرتنا ودمَّرت مواهبنا لسنوات طوال ربما بسبب غياب العزيمة لدى هؤلاء في مراحل زمنية مختلفة، لكن الأمر بات مختلفا الآن، فلأول مرة يتواجد في صفوف المنتخب المصري سبعة محترفين في إنجلترا منهم كبير هدافي البريميرليج، جناح «ليفربول»، البطل محمد صلاح.

كم المحترفين لا بأس به، ولدينا جيوش جرارة من المحليين ينتظرون فقط مَن يفرزهم ويختار من بينهم بعناية شديدة حتى يكونوا خير سند لزملائهم المحترفين، وإلا ما نجح المدرب الأسبق حسن شحاتة في صناعة إنجاز تاريخي بالحصول على ثلاثية متتالية من كأس أفريقيا بكوكبة من المحليين تألقوا أمام إيطاليا والبرازيل في كأس القارات مع جيل لن ينسى.

كوبر فرض رأيه وشخصيته بإقناع الجميع بثبات اختياراته ربما بسبب ضيق الوقت أو لتحول طريقته في اللعب أمام البرتغال التي جاءت مقنعة حتى قبل خروج صلاح في الدقيقة 78، حيث ظهر نفس اللاعبين المنكمشين أمام الكونغو وغانا ومن قبل الكاميرون، في مناسبات مختلفة من قبل هم أنفسهم الذين قدموا أداءً هجوميًّا بارزًا أمام برازيل أوروبا، وظلوا متقدمين بهدف حتى قبل الخسارة بهدفين في الوقت بدلاً من الضائع، وبالتأكيد لو تحقق الفوز لتغير المسار تمامًا.

ممتاز أن نخسر في «الودي» بهذا الشكل والأسلوب حتى يستشعر اللاعبون حرج ضياع الجهد في اللحظات الأخيرة، أفضل من الخسارة الرسمية التي قد تكلفنا حجزًا مبكرًا لتذكرة العودة، فالأمل مازال يراود الجميع بقوة، والتفاؤل موجود بل يتعاظم دوره ويزداد مع بدء العد التنازلي لانطلاق المونديال فالفراعنة يمتلكون مواهب حقيقة ربما لا تقدَّر من أبنائها حق التقدير بعكس ما يقوم به آخرون من تقييم يذهلنا أحيانًا عند سماعه وليس نبأ تجديد «آرسنال» الإنجليزي لنجمنا محمد النني بعقد طويل الأمد ببعيد.

لمن يغضب من النني وتوقع خروجه من عائلة «الجانرز» هذا الموسم لا يعلم أنه صاحب رقم قياسي منذ انضمامه لـ«آرسنال» بأفضل دقة تمرير بنسبة (93.1%) منذ موسم 2015- 2016، أيضًا أعدَّ موقع «بليتشر ريبورت» العالمي قائمة بعشرة لاعبين من المتوقع توهجهم في كأس العالم واختارت محمود حسن «تريزيجيه» المحترف في «قاسم باشا» التركي، كما يفرض عمرو وردة المحترف بصفوف نادي «أتروميتوس» اليوناني إيقاعًا مختلفًا ورائعًا في أدائه، في المقابل يحارِب آخرون خارج المنتخب أملاً في اللحاق باللحظات الأخيرة قبل إرسال القائمة.. وظهر مهاجم الأهلي إسلام محارب بشكل مغاير في ودية ناديه أمام الفجيرة الإماراتي وسجل (هاترك) كما لم ييأس عمرو جمال وذهب للاحتراف في «هلسنكي» الفنلندي ويحاول عمرو مرعي مع فريقه «لنجم الساحلي» التونسي.. الكل تحوَّل إلى خليه نحل لنيل شرف الذهاب إلى المونديال.

تبقى المشاكل الفنية واضحة للجميع من أزمة في التعامل مع العرضيات، التي كانت وراء خسارتنا أمام البرتغال ومن قبل أمام الكونغو وفي نهائي أفريقيا أمام الكاميرون مع وجود قصور في قلبي الدفاع وخلل وقت غياب العقل المفكر، عبد الله السعيد، اختلفنا وسنختلف لماذا تحوَّل كوبر إلى طريقة (4-2-3-1) وتصبح معظم أوقات المباراة (4-5-1) لتعكس انكماشًا غير مقبول بدلاً من (4-4-2) و(4-4-1-1) اللتين بدأ بهما مشواره مع الفريق، وسيتواصل الجدل حول طريقة لعب.. النني وعدم قدرته على استخلاص الكرات ودوره في تغطية جبهة صلاح، وتراجع السعيد لمعاونة طارق حامد في عمق الملعب، ودور فتحي المتوقع في الجبهة اليمنى وعدم لياقة عبد الشافي الكافية في اليسرى.. كلها ستظل مناقشات، لكن الكلمة الأولى والأخيرة تبقى لهيكتور كوبر، وعلينا القبول برأيه واختياراته.. لا مفر.