ألا تريد الحياة، أتمنيت يوما الموت دون عناء، اذن عليك فقط إغماض عيناك وإفساح المجال لجسدك الرخو أن يسقط في مياة متلاطمة في ليل حالك الظلمة، ماذا تشعر الآن، نعم تحارب من أجل البقاء، هو ذاك الشعر المتناقض، فما أن تشعر للوهلة الأولى بأنك مقبل على فراق الدنيا، تجد نفسك تتشبث بأخر امل من أجل البقاء على قيد الحياة.

هذا الشعور المتناقض ربما يكون مدخلا للابحار في عقل الأرجنتين هيكتور كوبر، هذا العجوز الذي كسى الشعر الأبيض رأسه، وخط الزمن على وجنتيه طلاسم اخفت خلافها ندبات خزي وانكسار اكثر منها فوز بانتصار، فلو أن أحد كان يعتقد أن وصول منتخب مصر لكأس العالم سيكون  على يد هذا الرجل لرماه البعض بالجنون، فالجميع كان يدرك أن الحظ عانده كثيرا طيلة حياته وارتبط اسمه بالمنحوس، وتأكد هذا الشعور بخسارة منتخب مصر لكأس الأمم الأفريقة الأخيرة على يديه.

وسط هذا الضجيج وصراخ المشجعين  تغيرت الأراء، والمعسكر المحارب لفكر كوبر العقيم واتهامه بالعقم الهجومي والميل للنزعة الدفاعية انتقل فصيل كبير منه للمعسكر الأخر واصبحوا يؤمنون بكل ما هو تحت مظلة الفكر الجديد، بعدما نجح العجوز في ايصال منتخب مصر لكأس العالم بروسيا، وتحقيق حلم ظل يراود الملايين من المصريين لـ 28 عاما.

لا أحد يختلف عن أن الجميع يبحث دائما على النجاح المغلف بالكمال، لكن ذلك ربما يكون غير جدوى في كثير من الأحيان، جمهور الكرة يبحث دائما عن المتعة ويأتي بعد ذلك الأداء والالتزام التكتيكي في الملعب، هناك تكتل لا بأس به من المتابعين لكرة القدم يعول على الأداء دون النظر للمتعة الكروية، يبرهن هذا الفصيل على أن التاريخ لا يعترف سوى بالانجازات ويغض الطرف عن دون ذلك من امتاع كروي.

نختلف أو نتفق فمع الوهلة الأولى لتولى الأرجنتيني هيكتور كوبر مقاليد الأمور الفنية لمنتخب مصر، تأكد لنا الآن الامتاع الكروي لن يكون رفيق ضرب المنتخب الوطني في مشواره، يوما بعد يوم يتغلغل هذا الشعور داخل متابعى الأرجنتيني العجوز، لكن في نهاية الامر تمكن كوبر بسفبنته الدفاعية من تحقيق ما عجز عنه سابقيه بالتأهل لكأس العالم بعد غياب دام لسنوات طوال.

سفينة كوبر الدفاعية بعد تأهل منتخب مصر اصبحت ملاذ لغالبية المتابعين للمنتخب مصر، لم يعد أحد ينتظر المتعة الكروية بقدر ما يؤمن بضرورة التأمين الدفاعي للوصول لما هو أبعد من التمثيل المشرف في بطولة بحجم كأس العالم، أيضا ركاب السفية لم يعد الوصول للسطح مع الصفوة بالأمر اليسير، الكل مرشح للصعود على متنها، لكن لن يمكث بها الا من هو اذهل كوبر بقدراته الدفاعية قبل مهاراته في مراوغة الخصوم.

رمى البعض هيكتور كوبر بتهمة نصب الكمائن لركاب سفينته، لكنهم لو يتحروا الدقة في تلفيق مثل هذه التهم، ولو فعلوا ذلك لوصوا لدلاله واضحة، بأن المدرب الأرجنتينى هو المستفيد الأول من زيادة عدد ركاب السفية الصالحين لمواصلة الرحلة معه حتى النهاية، وفكرة التضحية بهم غير موجودة في قاموسه.

فكرة أن هيكتور كوبر احرق عدد من الأوراق في مباراة اليونان الودية الأخيرة، لم تكن صحيحة، فلا يعقل أن يقذف كوبر بعدد كبير من أصحابه على متن سفينته في المياة، لكنه ربما اراد بهم ان يتعرف على أكثرهم صبرا وجلدا في مصارعة الأمواج، ليختار من بينهم الداعمين للبقية التي استقر عليها.

سفينة كوبر ستواجه الكثير من الصعاب في رحلة مونديال روسيا، ولابد أن تتزود بالوقود الكافي لاستكمال المشوار حتى النهاية، كوبر هو الربان واللاعبين الذين سيقع الاختيار عليهم سيكونوا صحبته على متن السفينة، ومن لم يلحق به لا يمكن وصفه بالأسوأ ، لكن ربما يكون الوقت لم يحن بعد ليكون مع كوبر، ودوره سيكون في رحلة اخرى .

للتواصل مع الكاتب عبر فيس بوك اضغط هنا

للتواصل مع الكاتب عبر تويتر اضغط هنا