كتب – عبد القادر سعيد : 

تفتقد بطولة الأمم الأفريقية التاسعة والعشرون المقامة حالياً في جنوب أفريقيا لفارسها الأول الذي صال وجال في الأدغال وسطّر تاريخاً عريضاً جعله ملكاً متوجاً على عرش القارة السمراء بعد نجاحه في الوصول للأميرة الأفريقية 7 مرات.

المنتخب المصري صاحب الرقم القياسي في عدد مرات الفوز بكأس الأمم الأفريقية يغيب للمرة الثانية على التوالي عن المشاركة في بطولته المفضلة، ولكنه يترك تاريخاً يستحيل نسيانه في هذه البطولة العريقة، وفي "كان زمان" سنستعيد الذكريات المضيئة في بطولات الكان والتي يسيطر على أغلبها العملاق المصري.

وإذا تحدثنا عن إنجازات الفرعون المصري في القارة السمراء فلايصح أن نبدأ قبل أن نذكر أسطورة أفريقيا المدرب الراحل محمود الجوهري الذي أعاد إكتشاف البطل المصري في نهاية القرن الماضي ومنحه تاج أفريقي رابع.

الجنرال يجهز أدوات الإكتشاف

بعد أن غابت مصر عن منصات التتويج لمدة 12 عاماً منذ أخر لقب أفريقي حققته بالقاهرة عام 1986 قرر الجوهري أن يقود المغامرة المصرية المحسوبة جيداً وأعد أدواته وطريقته التي لاتُخيِّب وأعد جنوده للسفر إلى سراديب القارة السمراء في أقصى الغرب ببوركينا فاسو لخوص التحدي.

تجاهل الجنرال نجومية لاعبيه ومراكزهم الإجتماعية المرموقة في بلاد النيل وطغت عليه طبيعته العسكرية وأقنعهم أنهم جنود في مهمة وطنية عليهم أن يكونوا رجالاً على قدر المسئولية جيداً وأن ينعزلوا تماماً عن أي شيء في حياتهم إلا هدف الوصول للتاج الإفريقي الرابع.

الجوهري أكد للإعلام أنه لن ينافس على البطولة الإفريقية وأن فريقه غير مؤهل لذلك وكانت هذه أولى خطوات إعداد الجنرال لإكتشافه التاريخي بإبعاد الضغوطات عن جنوده، وبعد ذلك زرع كبرياء وروح البطل في قلوب لاعبيه، ونزع منها النجومية والشعور بتضخم الذات والكبِر وجعلهم يخدمون أنفسهم بأنفسهم ويغسلون ملابسهم دون مساعدة أحد بفندقهم المتواضع في جو أشبه بالمعسكرات الحربية.

ولم يغفل الجنرال الأداء التكتيكي الذي حفظّه للاعبيه أثناء المران في حديقة الفندق قبل توجههم للاستادات السمراء لأداء البروفات النهائية ثم المباريات الرسمية، فقد أعد الجوهري طريقته التي جعلت للدفاع متعة خاصة وللهجوم شكل جمالي منسق بعيداً عن الارتجال.

الجوهري ينجح في إكتشاف المقبرة الفرعونية

وبعد الإعداد الجيد لأدوات النجاح التي يحفظها الجوهري عن ظهر قلب قام المدرب المخضرم باستخدامها في أرض الواقع وبدأ مهمته في كأس الأمم الأفريقية بانتصار على موزمبيق بهدفين وتعالت وتيرة النجاح في المباراة الثانية بانتصار على زامبيا بنتيجة 4-0 وقبل أن يتسلل الغرور إلى جنود الجوهري جاءتهم صدمة من المغرب بهدف أكروباتي لمصطفى حاجي سجل الإنكسار الأول للفراعنة في مهمتهم الإفريقية.

بعد الهزيمة طلب الجوهري من لاعبيه التحدث مع الجماهير والإعتذار لهم لكن بأداءهم في الملعب وهنا نجح الجوهري في إكتشاف واحدة من المقابر الفرعونية الشهيرة التي تقضي على من يفكر في مجرد العبث بها، وقد كانت كوت ديفوار أول ضحايا الفراعنة عندما وقف الحظ العاثر أمامهم وفي مساندة مصر ليعبر بها إلى نصف النهائي بعد معركة ركلات الترجيح التي انتهت في مصلحة جنود الجوهري.

الجنرال يحمل لواء العرب

وكعادة الفارس المصري وضعه القدر في مهمة إضافية بحمله لواء العرب في البطولة بعد خروج المغرب من ربع النهائي على يد جنوب أفريقيا، وخروج تونس من الدور ذاته على يد بوركينا فاسو، وكان للفراعنة ثأراً خاصاً مع الثُنائي الذي أجهض الحلم العربي في القارة السمراء.

انشقت أرض بوركينا فاسو لتَظهر المقبرة الفرعونية التي التهمت أصحاب الأرض بلا هوادة في لقاء نصف النهائي الذي انتهى لصالح الجوهري وجنوده بهدفين نظيفين ليقترب الحلم من الوصول للحقيقة بصعود مصر لنهائي المونديال الإفريقي.

الجنرال يفُك السحر الأسود ويعلن عودة الفراعنة

وفي الليلة الموعودة وفي حضور كأس الأمم الأفريقية على أطراف الملعب الذي عكس نظرات اللهفة والإعجاب من القائد المصري وجنوده الأوفياء، كانت مهمة عودة البطل لمكانه الطبيعي على منصات التتويج في مراحلها النهائية.

ونجح تكتيك القائد في تسجيل هدفين رائعين أحدهما عن طريق القادم من الخلف أحمد حسن وقذيفته المدوية التي اخترقت الشباك الجنوب أفريقية، والأخر كان على طريقة ألعاب "البلاي ستيشن" التي عرفها جيل الألفية الجديدة فيما بعد حيث تحكم الجوهري في لاعبيه بالنظرات والذكريات المحفورة في عقولهم أثناء التدريبات ليسجل الجنرال هدفاً رائعاً بلمسة فنية أخيرة من طارق مصطفى.

وجاءت اللحظة الأخيرة في المباراة التي أعلن فيها الحكم عن نهاية البطولة ونجاح الجوهري في مهمته التي كانت مستحيلة بإعادة البطل المصري للعرش الإفريقي لينهي السحر الأسود للمنتخبات الأفريقية التي سيطرت على الكأس ومنعت الفارس الفرعوني من الإقتراب منها.

 وأخيراً فإن ما حققه الجنرال الراحل محمود الجوهري في هذه البطولة يعد إنجازاً بكل المقاييس سيحفظه التاريخ عن ظهر قلب، ويحفظ لمصر مكانتها الطبيعية كملكة متوجة على عرش الكرة الإفريقية، وفي الحلقات القادمة من "كان زمان" سنسرد لكم مزيداً من اللحظات المضيئة في تاريخ كأس الأمم الأفريقية.