الهدوء يطغى، والسكون سمة المكان، 1229 يوم مرت، غير أن هناك شيئا ما؛ ثمة أصوات تتداخل، دموع تهطل دون استئذان، خليط مفجع يسيطر على العقل، أجواء مقبضة، صرخات الموتى وأنات الموجوعين كمعزوفة كئيبة، ضجيج، أناس تركض على غير مهل، عويل صادر من مكان معتم لرفاق المدرج، نحيب الحسرة على عز الشباب، أهازيج الفرحة أضحت أصوات لهلع لا يُحتمل، الغدر بصحبة ذهبت ولم تعد.. من داخل استاد بورسعيد، مصراوي عايش ما تبقى من الحدث، رائحة الموت المهيمنة وآثار الشهداء المتشبثة بالحياة.



من نشوة الحياة إلى زفرات المنتهى، ومن رحابة المدرج إلى ضيق الممر، ختام لم يكن يليق بهم، داخل نفق صغير بهُت لونه الأصفر كانت الحشود، 28 درجة سلم تتوسطها مصطبة بعرض 7 خطوات لخطوة سير متوسطة وطول 7 أشبار باليد، الجري داخل المكان يُفضي إلى السقوط بفعل الجاذبية وانحدار السلالم بشكل غريب، رغم الهواء الرطب الذي يُحدثه فراغ الملعب في الخلفية إلا أن الممر خانق.



بوابة حديدية أكلها الصدأ هي نهاية الممر كانت الشاهد الأصم على سقوط الضحايا، لا تزال رابضة في مكانها لم يحركها شئ، يلتف أوسطها بأغلال –جنزير- فضية اللون أضاع التراب بريقها، محكمة الغلق بقفل، البوابة المكونة من أربعة دُلف ملقاة أرضا بعدما نُزعت عن مكانها بفعل اهتزاز عنيف عكس اتجاه الدخول، حاول المشجعون المروق منها دون أمل فضاعفت أعداد الراحلين؛ بعد اختناق من كانوا في الداخل، ودهس "الشجعان" خارجها؛ حاول أحدهم المساعدة بطرق البوابة بمقعد كرسي برتقالي اللون فلم يسعفه، يرقد المقعد ومعه أوراق أشجار ميتة تملأ فراغات البوابة، كذلك عبوات عصائر وأطعمة لم يكملها أصحابها، بعد أن ظنوا أنها ستعينهم على التشجيع، لكنهم لم يدروا أنهم لن يمروا سالمين، فيما طرحت الأرض أسفل مكان البوابة الأصلي بضع نباتات خضراء ترحما على أرواح سُلبت كرها.



أمام مقر دخول اللاعبين والحكام وعلى مقربة من باب المدرج المُلقى أرضا، يجلس عم "محمد" وعم "نصر" يتبادلان أطراف الحديث، عاملا النادي والسكان الباقيان في المكان بحكم تواجدهما الدائم، بحزن يقول عم "محمد" إنه من الظلم عقاب محافظة تحمل مليون مواطن بذنب بعض المجرمين، وكذلك يُلقي باللوم على التعصب الذي ضرب أوصال الملاعب متذكرا هدوء المشجعين في التسعينيات وقت التحاقه بالعمل في النادي، يدخل عم "نصر" في الحوار وهو يترحم على الموتى "الضنى غالي والروح ملك ربها وبس"، قبل أن يعرج على شرح دوره يوم المباراة والذي اقتصر على تسليم البوابة للأمن والرجوع إلى مكتبه فيما أغلقت البوابة من الخارج وتركها الأمن فكانت المأساة.



على يسار مصطبة الممر تقبع سجادة صلاة -من الحصير- خضراء اللون، تفتت نسائجها بفعل الهرس، قبل أن تذروها الرياح، فيما لا تزال تتشبث فُتاتها بدرجات السلم الذي سُحق عليه الشهداء.

أسفل المدرج أرض مزروعة بالحشائش بعرض يصل إلى نحو 120 مترا، لا تزال شاهدا على ما جرى، من الجهة اليسرى نعل حذاء لقدم يمنى أكله الزمن من الداخل، طُمست ملامحه، غير أن النعل لا يزال مزهوا بمقاس قدم صاحبه الصغيرة "40".. على بعد ثلاث خطوات فردة حذاء أخرى لقدم يسرى تحمل ماركة "أديداس" تهتكت بفعل بقائها في الشمس منذ ما يربو على 40 شهرا، بينما حافظت على لونها "الليموني" زاهيا. قطع أحذية مفتتة تتناثر على غير هدى، تشير إحداها إلى ماركة رياضية أخرى تحمل رقم "2109" من الداخل. جريد نخل تكوم أسفل المدرج، زجاجات مياه فارغة تبدل لونها، قطتان تسيران بتؤدة كحارسات للمكان المهجور منذ الحادث.



12 درجة سلم تصل بك من أسفل الأرض المنزرعة بالحشائش إلى المدرج، مقسمة عبر 4 مداخل، مربوطة بأرض الملعب من خلال منفذ وحيد لبوابة صفراء اللون، على يسار المدرج، سهلت عبور المهاجمين وسط ترحيب الأمن دون اعتراض يُذكر، بعدما قامت قوات الأمن بـ"تسهيل وتيسير وتمكين وقوع الأحداث بصورتها التي وقعت عليها" حسب نص تقرير لجنة تقصي الحقائق عقب المذبحة.. كانت النيابة قد انتدبت فرد أمن لحراسة الاستاد، لكن المكان بات خاويا على عروشه منذ فترة ليست بالطويلة.

"لو عايزين يعدموا حد يشوفوا قيادات الداخلية" يقولها "محمد سعيد" وهو منهمك داخل محل الخردوات الخاص به، مبررا حديثه بما جرى يوم المباراة من تساهل أمني واضح –حسب وصفه "الشرطة كانت بتاخد تارها من الأولتراس"، الرجل الخمسيني الزائر الدائم على استاد بورسعيد يوضح أن مباراة الأهلي في بورسعيد بمثابة حالة طوارئ "يومها بقى كانت صداح مداح.. الدنيا سايبة بشكل مستفز ومفيش أمن في الشارع".



"صورة أرشيفية"

نحو 2000 مشجع من الأولتراس أهلاوي كانوا هناك لمؤازرة ناديهم، مقاعد المدرج ممهورة باللونين "الأخضر والرصاصي"، المقاعد مرقمة؛ ذات اللون الأخضر تحمل الأرقام من 1 إلى 19، أما صاحبة اللون الرصاصي فيصل ترقيمها حتى 37، ينقسم إلى مستويين، عدد الصفوف في المستوى السفلي –للون الواحد- هو 6، بينما يزداد العدد في المستوى العلوي إلى 15 صف..  حديد المقاعد أكله الصدأ، وسط التنقيب يستوقفك مقعد انصهر بفعل نار أمسكت به، ربما لتلك الشماريخ التي أضاءت المدرج لحظة الهجوم على جمهور الأهلي وسط عتمة الموت، وكذلك كتاب مدرسي -لغة عربية- لطالب بالصف الخامس الإبتدائي أحرقته الشمس بعد أن تركه صاحبة وسط "المعركة".



وسط الملعب فارغا إلا من "النجيلة" الخضراء، بعد أن هجره ساكنوه الأصليون –اللاعبين، بينما يحوم زوجين من الغربان أمام المرمى الخالي من شباك. بعد قرار إغلاق الملعب من قبل اتحاد الكرة لمدة 3 سنوات –مرت منذ ثلاثة أشهر. تقام تدريبات الفريق الأول والناشئين في ملعب النادي الفرعي القابع بمنطقة "التصنيع"، والتي تبعد عن الاستاد بنحو ربع الساعة



على يسار المدرج ممر اللاعبين، مغطى بـ"تاندة" بيضاء كستها الأتربة، يعقبها سطح أخضر من البلاستيك المقوى تهشم بعدما اتخذه بعض الهاربين ملاذا أخيرا، الممر الذي يدخله اللاعبون وسط صيحات المشجعين في بداية المباراة، جمعهم بمريديهم وهم يلفظون أنفاسهم الأخيرة عقب إطلاق صافرة النهاية. أرض مخرج لاعبي الأهلي تحوي آخر ما تبقى من سيرة الراحلين، أقمشة ملابس مهترئة، قطعة قماش حمراء تعلقت بسور الممر، عبوات مياه فارغة. في ركن قصي تنزوي لافتة سمراء تحمل عبارة "دخول أرض الملعب" مترجمة بالإنجليزية باللون الأصفر داستها الأقدام، فيما يعلو الممر لافتة بيضاء تعود لعام 2009، يتصدرها رأس أبو الهول وهو يداعب كرة،  كشعار لكأس العالم للشباب تحت 20 سنة والذي كان الملعب يستضيف إحدى مجموعاته.



مدرج النهاية تحده الأسوار من الجانبين، على اليمين سور حديدي -أسود اللون- شاهق تعلوه أسنان مدببة يصل بك إلى مدرجات جمهور المصري، وعلى اليسار في آخر المدرج سور يفضي إلى هوة بارتفاع نحو ستة أمتار، استخدمها الجمهور كرها بالقفز أو الإلقاء من قبل المعتدين، حسب نص التحقيقات، فيما يبقى للمدرج مخرجين، الأول في الطريق لممر الموت الذي حُشر فيه سرب الشهداء في اتجاههم للأخرة، والذي أغلقت بوابته بالأغلال من قبل قوات الأمن وتركوه وسط المباراة، والآخر لبوابة حديدية لُحمت عمدا كما جاء في تقرير تقصي الحقائق.



تطل البوابة الملحومة على شارع 23 يوليو، والذي يقف على أبوابه "ساجد سعيد" أحد مشجعي المصري، ينظر بحسرة قِبل الملعب الموصد أبوابه فيما تخط جنبات الاستاد شعارات العشق للنادي البورسعيدي، ينفي الشاب تهمة لحام البوابة عمدا يوم المباراة، ساردا قصة أخرى للواقعة تعود إلى مباراة الاتحاد السكندري والمصري قبل المذبحة بأيام؛ حين تشاجر الجمهوران قبل المباراة بسبب معاكسة فتاة، فقرر جمهور المصري احتلال مدرجات الفريق الضيف كنوع من العقاب، لذا قررت إدارة الاستاد غلق البوابة بهذا الشكل، مشيرا إلى عبارات عدائية -لا تزال موجودة- خطها جمهور المصري انتقادا لمشجعي الاتحاد.



ساعتا الاستاد لم تكن مجرد جمادات صماء، بل عبرت بعقاربها عن تطور الأحداث، فبينما توقفت ساعة مدرج الدرجة الثالثة يمين الخاص بجمهور المصري إلى السابعة وعشرون دقيقة عقب انتهاء الوقت الأصلي للمباراة ونزول الجماهير الغفيرة صوب مدرجات الفريق الضيف، كانت الساعة أعلى جماهير الأولتراس أهلاوي تأبى الوقوف إلا مع توقف نبضات تعلقت بها للحظات، مع العاشرة إلا سبع دقائق مساء الأول من فبراير 2012، تزامنا مع وصول إمدادات وعربات إسعاف أرسلتها السلطة –متأخرا- بعد مقتل 72 مشجع من جمهور الأهلي الأعزل وإصابة نحو 1036 شخص من بينهم 171 حالة حرجة.



*نقلا عن موقع مصراوي