في تحليلات عقل المباراة .. رحلة داخل عقول المديرين الفنيين لكلا الفريقين ونجتهد لإبراز النواحي التكتيكية المتخصصة التي كانت موجودة في المباراة ونضيف عليها ما كان يجب أن يكون متواجدا حتي تصل كرة القدم بشكلها المتخصص داخل عقل القارىء.
بعد تحليل الإستثنائي أمس .. اليوم سنناقش عقلية الرجل الذي غير وجه كرة القدم جوسيب جوارديولا.

قال أحد محللي القناة مالكة الحقوق لبث الدوري الإنجليزي : ما فائدة تحرك ظهيري الجنب إلي داخل عمق الملعب ؟ أعقبه مردفا في مباراة أخري لا جديد جوارديولا يعطي تعليماته لظهيري الجنب بالإنضمام للعمق عند بناء الهجمة ..هل ذلك سببا وحيدا ؟

بالطبع بناء الهجمة أمر مهم وضروري خاصة في كسرعملية الضغط العالي والتي بدأها مورينيو أمام برشلونة لأول مرة عند تلاقي جوارديولا ومورينيو في الليجا الأسبانية ..ولكن هل فكرت لمرة أن إنضمام ظهيري الجنب لعمق الملعب له سببا أخر غير الهجوم ؟ إليك الإجابة


حلم يوهان كرويف وفكرة تشابمان وإخفاق فان خال

عندما سئل كرويف عن اللعب ب 4-1-2-1-2 والمسماة في كرة القدم بال diamond  ..كانت إجابته الواضحة بأنه لايري سببا لأن يقطع الظهير الأيمن والأيسر طول الملعب دفاعا وهجوما لذلك قال أن 4-3-3 المفضلة له يمكن تطويعها لتصبح 3-4-3 diamond  .. ما علاقة ذلك بفكرة جوارديولا ؟

عند كرويف يتحول أحد قلبي الدفاع إلي لاعب وسط مدافع  ويتحول ظهيري الجنب إلي شغل المنطقة الدفاعية بمعاونة قلب الدفاع الوحيد  ويتواجد إثنان من لاعبي الوسط علي أطراف دائرة منتصف الملعب فيما يتراجع أحد المهاجمين المتحركين من الأمام للخلف ليصنع حلقة الوصل بين ثلاثي الهجوم وثلاثي الوسط ..صورة 1



4-3-3 الهولندية تجعل العمق فارغا والاكثرية علي الأطراف جناح الوسط وجناح الهجوم الذي ينضم في نهاية الهجمة للعمق ..هنا الأولوية للكرات العرضية سواء كانت هوائية أو أرضية للإختراق مع القيام بعملية cut back  للجناح العكسي ..صورة 2

حماية المرمي أسهل من تسجيل هدف لذلك التمركز حول المرمي يجعل وصولك للهدف ليس سهلا والتمركز الجيد يزيد الأمر صعوبة وإستمرار الضغط يجعلك تخطىء حتي لو كان تتنظيمك جيدا إذا كانت هناك سرعة في النقل وتبديل مراكز أسرع  وهو ما يسهل خلق مساحة هائلة ..هنا بدأت الفكرة.

سرعة في النقل مع تبديل مراكز بشكل أسرع .. حقبة جوارديولا مع برشلونة كانت ممتازة هجوميا ثم ما لبثت أن تراجع الشق الهجومي مع حفظ المنافسين جيدا لكيفية كسر هجمات برشلونة ومعها وجدت الكرات المرتدة سبيلا لمرمي برشلونة فتكلم الجميع عن الضعف الدفاعي مع أنه بالأساس كان ( قلة حيلة هجومية ).

في تحضيرات الموسم الأول لبايرن ميونيخ كانت هناك بعض الأفكار حول تطبيق 4-1-4-1 ..الفكرة نفسها لم تكن جديدة فظهيري جنب يلعبا مع جناحين وإثنين مساندين للهجوم تحت رأس الحربة ويبقي واحد في الخلف ليساند الدفاع ..ولكن الأمر لم يظهر بوضوح إلا في الموسم الثالث بعد تجربة 3-4-3 و4-3-3 بأشكال مختلفة.

ما علاقة كرويف بجوارديولا ب إنضمام ظهيري الجنب للعمق ؟ كرويف كان يحرص علي عدم فقدان الكرة وإنهاء الهجمات بشكل مثالي الأمر بات صعبا في القرن الجديد مع ظهور مدارس دفاعية متمرسة تجابه ذلك المد الهجومي ..جوارديولا وجد أن فقدان الكرة مع لعب الكرات الطويلة خلف الدفاعات يستلزمها تأمينا دفاعيا لذلك لعب بالإرتكاز بين قلبي الدفاع .. وفي نفس الوقت هذا يعني تراجعا لأحد لاعبي الوسط المهاجمين المتمركزين خلف رأس الحربة  إلي الخلف كثيرا كي لا تصبح المسافة بين خط الدفاع والهجوم هائلة ..الشق الدفاعي.

ما رأيك هل تفضل أن يتراجع دي بروين أو سيلفا لدائرة المنتصف أم أن يقوم كولاروف وسانيا بهذا الدور مثلا  .. لاعبين لن يقطعا مسافات طويلة بالذهاب لأخر حدود الملعب ( في الملاعب ذات المساحات الأعلي ) وفي نفس الوقت قريبين من خط الدفاع ..وقاما بتوفير مجهود لاعبي الوسط المهاجمين ليظلا بالقرب من رأس الحربة ..هنا خلقت المساحة علي طرف الملعب أيضا ..صورة 3


ستيرلينج ونافاس .. كومان ودوجلاس كوستا جناحين مهاجمين يمتازا بالسرعة والمراوغة لا يحتاجا سوي أن يواجها لاعبا واحدا كي يقوما بالمرور منه أو بإرسال عرضية داخل المنطقة ..جوارديولا خلق زيادة عددية في عمق الملعب كي يجد الأجنحة مساحات هائلة علي الأطراف.


3-4-3 تتحقق بشكل أخر عن كرويف هنا هي 3-2-2-3  كشكل أقرب لفكرة الMW  الخاصة بتشابمان أسطورة الأرسنال في عشرينيات القرن الماضي والتي حاول فان خال في تسعينيات القرن الماضي مع برشلونة في الموسم الأخير له الإقتراب من شكل قريب لها بإستخدام 3-2-3-2  ولكنه فشل لإعتبارات تلاشاها جوارديولا.

لماذا يجد البعض في جوارديولا شخصا عبقريا ؟ ولماذا يراه البعض يتفلسف دون داع .. سنشرح الأمر ببساطة ولك الحكم.

مما سبق وجدنا أن مشكلة كرويف ستكون كثافة علي الأطراف ونقص في العمق دائما مع تراجع من يتواجد خلف  رأس الحربة من إثنين إلي واحد.

مع تشابمان أختار أن يلعب باللاعبين في مراكزهم الأصلية بمعني أدق يختار ثلاثي في قلب الدفاع وإثنين في الوسط وإثنين تحت ثلاثي الهجوم .. العمق هنا ممتلىء ولكن أطراف الملعب الدفاعية خاوية بل ستجبر جناحي الهجوم علي التراجع لسد تلك الثغرة ..صورة 4


مع فان خال إستمر بنفس الفكرة وبتطبيق اخر كما ذكرنا 3-2-3-2 ولكنه إختار هذه المرة أن يلعب برازيجر الظهير الأيمن بالأساس كأحد قلوب الدفاع الثلاثة ولكن رازيجير لم يكن يكمل عملية التحول الهجومية أثناء إمتلاك الكرة ..نفس مشكلة فكرة تشابمان عدم تحول اللاعبين بين الدفاع والهجوم.

ماذا فعل جوارديولا ؟ ببساطة قام بعملية تحويل مراكز اللاعبين أثناء الهجوم ليوفر عناء تراجع لاعبي الوسط المهاجمين في كل مرة لبناء الهجمات ( أمر واضح  ) ولكن الأمر الخفي أن يقوم ظهيري الجنب بحماية وسط الملعب دفاعيا وترك المساحة هجوميا للأجنحة .. ظهيري الجنب يلعبان تقريبا بخط مائل من أطراف الملعب حتي دائرة المنتصف مسافة ليست كبيرة تسمح لهما بعدم إستنزاف طاقتهما وفي نفس الوقت عدم الإنشغال بالأمور الهجومية اللذن لا يجيدا فيها بدرجة كبيرة.

جناحي الهجوم يتسلمان الكرة من المنطقة الوسطي من الملعب ومعها إما أن يذهب رقيبهما معهما فتظهر ال half spaces  للاعبين تحت رأس الحربة أو لرأس الحربة نفسه ..أو أن يتسلما الكرة بحرية والذهاب للمدافع ومراوغته وإرسال عرضية.


خط الوسط المهاجم لا يتسلم الكرة من الدفاع بل من خط الوسط وهنا لديه حرية أكبر للتحرك خلف إرتكازات الخصم ثم التمرير لرأس الحربة أو الجناح المهاجم  ..صورة 5


أخيرا ما فعله جوارديولا في مباراتيه الأوليتين لن يكون ثابتا بل سيسمح لظهيري الجنب للقيام بأدوارهم الطبيعية في ملاعب ذات مساحة أقل وأمام فرق متكتلة أمام مرماها ..وكما ذكرنا من قبل :
 (في كرة القدم يسيطر المدير الفني علي اللاعبين تكتيكيا في الثلث الأول والثاني من الملعب وفي الثلث الأخير يسيطر علي قرارتهم ( ذهنيا بالتعود ) .. فتجد اللاعبين يصلون للمرمي بكثرة وتبقي اللمسة الأخيرة مسئولية اللاعب )

للتواصل مع الكاتب عبر فيسبوك اضغط هنا