في تحليلات عقل المباراة .. رحلة داخل عقول المديرين الفنيين لكلا الفريقين ونجتهد لإبراز النواحي التكتيكية المتخصصة التي كانت موجودة في المباراة ونضيف عليها ما كان يجب أن يكون متواجدا حتي تصل كرة القدم بشكلها المتخصص داخل عقل القارىء.

تحليل اليوم مختلف .. سنختص برحلة أخري في عقل كوبر بعد الرحلة الأولي التي بدأت في 15يونيو 2015 ونحن نقترب من نصف مدة تعاقد كوبر مع المنتخب.

عادة ما يتم التقييم بالنتائج ونحن رقميا نجد أن كوبر قدم نتائج ممتازة مقارنة بالفترة السابقة والتي فشلنا فيها في التأهل لبطولة أمم أفريقيا مع خسائر أمام تونس والسنغال ( رايح –جاي ) والإكتفاء بالفوز علي بوتسوانا .. مع تصدر لمجموعتنا في تصفيات كأس العالم  والحصول علي المركز الثاني في بطولة أمم أفريقيا.

هذه الزاوية لا تعتمد علي النتائج أبدا ولكنها تنظر دائما إلي الأداء وكما أسلفنا في تحليلات سابقة هناك فارق بين الأداء الجمالي والأداء التكتيكي وهنا لن نحلل زاوية الأداء الجمالي التي لا يعتبرها كوبر مهمة بقدر الأداء التكتيكي ..لذلك سنقوم بتحليل كيف بدأ كوبر وكيف أصبح عند مرور نصف مدته. 

كوبر إعتمد منذ بدايته علي 4-4-1-1 .. إرتكازي وسط دفاعيين يصنع اللعب من الأطراف ويعتمد علي صعود ظهيري الجنب .

إختيارات كوبر في البداية كانت حازم إمام وعمر جابر في مركز الظهير الأيمن ( أداء هجومي أعلي من الدفاعي ) إضافة إلي عبدالشافي في الجانب الأيسر (هجومي أعلي من الدفاعي ).

إختيارات كوبر في مركز رأس الحربة المتأخر تنوع بين صلاح وكهربا وأحمد حسن مكي مع تواجد أجنحة مثل تريزيجيه أو مؤمن زكريا وصلاح ( مرة أخري ) ورمضان صبحي  ومصطفي فتحي .

أسلوب لعب كوبر كان في البداية عند الإستحواذ علي الكرة ..إرسال الكرة بسرعة للأجنحة مع صعود لظهيري الجنب ( الهجوميين ) للثلث الأخير من الملعب ثم إرسال عرضيات أو تبادل الكرة بين رأس الحربة وبين ال invert winger ثم الإختراق لعمق منطقة الجزاء .

الأمر يبدو جيدا في البداية إرتكازي وسط يقومان بالدفاع وظهيري جنب يقومان بالأداء الدفاعي والهجومي مع أجنحة الجبهة ولكن كل ذلك تغير بعد العام الأول تقريبا .

حمادة طلبة ظهيرا أيسر للمنتخب مع إستمرار عمر جابر كظهير أيمن ..هنا القدرات الهجومية لأحد أظهرة الجنب تراجعت شيئا ما بسبب أسلوب لعب طلبة المتميز دفاعيا والأقل هجوميا ..ليس هذا فقط.

تراجع تريزيجيه ليصبح في أوقات كثيرة أشبه بظهير أيسر مع إنضمام طلبة لحدود قوس منطقة الجزاء وبالتالي قمت بزيادة الواجبات الدفاعية للفريق لإن تريزيجيه أصبح مطالبا بالدفاع بشكل كامل وبالهجوم بشكل كامل دون معاونة ( مؤثرة ) من طلبة.

مع تألق المحارب ( أحمد فتحي ) بات من الطبيعي أن يدخل تشكيلة المنتخب وجاء هذا علي حساب عمر جابر وباالتالي زادت القدرات الدفاعية إلي أقصي مدي في أطراف الملعب في الخط الخلفي حتي مع عودة عبدالشافي أحيانا للعب دور الظهير الأيسر وذلك بسبب أسلوب المدرب.

قبل الحديث عن أسلوب المدرب .. دخل عبدالله السعيد بقوة لإحتلال مركز رأس الحربة المتأخر أو صانع الألعاب كما يحلو للبعض تسميته ولكنه في كل الأحوال لم يكن صانعا للألعاب بالمعني المتعارف عليه حتي في ناديه ..هنا إكتسبت ميزة وفقدت ميزة أخري.

الميزة التي إكتسبتها هي تسديدات عبدالله السعيد المتقنة في عملية ال cut back  في هدف مصر أمام الكونغو في برازفيل  ( رأس حربة متأخر ) أو في  هدف مصر امام أوغندا في بورت جنتيل ( كان إرتكازا في وسط الملعب ) ، في هدف مصر أمام غانا في برج العرب ( أحد ثلاثي خط الوسط ) .

ولكن في المقابل بات الإعتماد علي العرضيات شحيحا جدا لأسباب عدة أبرزها أنه لا يوجد سوي رأس حربة ( فعلي ) كوكا –باسم – مروان لدرجة أن الهدف الوحيد الذي جاء برؤوس اللاعبين كان من رأس صلاح أمام الكونغو !.

مع زيادة القدرات الدفاعية لأطراف الملعب بتواجد فتحي في الخط الخلفي ( ظهير أيمن –أيسر ) ظهر أسلوب المدرب الذي بات أكثر تحفظا في التحول من الدفاع للهجوم .

يقول سيميوني عن سيفين جوران إريسكون ( أنه من أفضل المدربين الذي يعملون علي تعظيم خصائص اللاعبين في أرض الملعب ) أثناء تدريب إريسكون لسيميوني في لاتسيو .

( لا يمكن ألا نستغل سرعات نيدفيد ولوبيز وسالاس ) نمتلك ميهايلوفيتش وفيرون لا بد أن يكون التمرير بسرعة للجزء الأمامي عندما نستحوذ علي الكرة وقتما يكون المنافس في حالة هجومية قصوي ( سيميوني عن فترة لعبه في لاتسيو ).

يمكننا مقارنة ذلك بما يحدث لدينا في المنتخب المصري عند التحول من الدفاع للهجوم ..أولا بناء الهجمة بات يعتمد علي كرات طويلة عالية جدا  وليس علي كرات بينية للأطراف أو كرات متوسطة الإرتفاع ومع تراجع تريزيجيه للخلف كثيرا بات الإعتماد فقط علي سرعة صلاح ( ليس عيبا ) .

المشكلة الأكبر هو عدم صعود اللاعبين وخاصة ظهيري الجنب حتي حدود خط الوسط  ثم تكملة أحدهما للجزء الأخير من الملعب مع تقدم أحد إرتكازي الوسط ( النني ) إلي الثلث الأخير لتقديم العون إلا في حالات نادرة مثلما حدث في الشوط الأول أمام غانا وفي الشوط الأول أمام الكاميرون .

الخلاصة أننا بدأنا بأسلوب متوازن بين الدفاع والهجوم بخطة لعب مغايرة لأسلوب لعب الكرات القصيرة الذي إعتدناها وبمرور الوقت بدأ عدد اللاعبين المهاجمين يقل والذي يخدم أسلوب الكرات العرضية ( هجوميا ) كعناصر لعب ويقل أكثر بسبب تعليمات كوبر بالمبالغة أحيانا كثيرة في عدم التقدم .

أسطورة مقولة الهجوم يجعلك تفوز بالمباريات والدفاع يأتي بالبطولات غير صحيحة وتم تفنيدها من قبل في عدد البطولات كما قلت سابقا بأن الدفاع قد يأتي لك ببطولتين والهجوم يأتي لك بثمانية ولكن ليس هذا مربط الفرس 

مربط الفرس أن كوبر نجح في مرحلته الأولي بإيجاد شكلا محددا للمنتخب المصري وهذا الشكل سواء كنت تحبه أو تبغضه قدم المرجو منه في هذه المرحلة ولكن الخطر كل الخطر أن تعتمد علي علي ماسبق فقط دون ملاحظة لماذا بات التراجع أكثر ( أوضحناه في هذا التحليل ) ومعرفة أن المنافسين سيلجأون حتما لدراسة ذلك الأسلوب ومحاولة ضربه ولو بكره ضالة وقتها ستجد نفسك بدون خطة بديلة ( لن أكون طموحا ) ولكن دون أسلوب لعب كوبر في عامه الأول .

أخيرا .. معضلة كوبر في أنه يعتمد أسلوب لعب وخطة لا تنتهجها فرق مصر وبالتالي فدور رأس الحربة فيها مكمل لدور ثلاثي الوسط المهاجم وبالتالي فإن ( الجودة  ) في مركز رأس الحربة الهداف تراجعت إن لم تكن باتت نادرة.

تواصل مع الكاتب عبر فيسبوك من هنا