حفنة من المقاتلين، كمحاريين بعثوا من العصور الوسطى، بضع دقائق احتاجوها ليسطروا الأحرف الأولى من رواية العداء الذي ربما يمتد لسنوات بين قائد منحهم المجد في يوم من الأيام، قبل أن يقودهم أحد تلامذته لاسقاطه، في ليلة ظلماء غاب عنها البدر، متسلحين بزئير الالاف خلفهم، معركة دارت رحاها في قلب مدريد أحرقت بعدها الأخضر واليابس على رؤوس الجميع.

ميونخ قبل أيام

داخل غرفة مظلمة بأحد الفنادق القريبة من ملعب "اليانز أرينا" معقل بايرن موينيخ، مكث كارلو أنشيلوتي منزويا كرضيع ينتظر امه، في محاولة لنسيان ما حدث له قبل ساعات، أشعل سيجارة بنيران غضبه، قبل أن يلتقط صورة تذكارية تجمعه بتلميذه "زين الدين زيدان" قبل سنوات واخذ في الحديث معها قائلا:" علمته الرماية فلما اشتد ساعده رماني" واصفا ما ألت إليه الأمور بينه وبين تلميذه ، ليكمل " مرارة الهزيمة باتت أضعاف على يديك يا بني"، يهم بعدها كارلو بالوقوف لاستنشاق بعد الهواء متوجها صوب النافذه المطلة على حديقة لا تتسع سوى لعدد لا بأس به من الزائرين، يلمح في الشارع المؤدي للفندق "تشافي ألونسو"، سؤال يراوده على الفور، ما الذي اتى به في تلك الساعة؟ مخاطبا نفسه.

ألونسو يصعد نحو الغرفة التي يقطنها أنشيلوتي" يطرق الباب ليفتح له مدربه كارلو على الفور، بعد إلقاء التحية عليه، ما الذي اتى بك إلى هنا يا فتى؟ ألا تعلم أننى لا أرغب في الحديث مع احد .

ألونسو: لم أنم من البارحة يا سيدي، كنت قلقا عليك، الجميع يعلم أنك لم تكن على ما يرام بعد أحداث الأمس.. تركتنا وأنت شارد في أفكارك.

أنشيلوتي وهو يحاول الهروب من كلام تلميذه: أي أحداث التي تقصدها، مر علي الكثيير والكثيير ، لحظات أقسى مما حدث أمس".

يستدير أنشيلوتي معطيا ظهره لتشابي حتى يروق له الكلام دون أن تقع عيناه في عينه" أنا أنشيلوتي والجميع يعلم من هو أنشيلوتي،".

عيونه تفضحه، وإذ بدموعه التي حبسها طوال الساعات الماضية تنهمر أمام ألونسو، يحاول احتضانه ليهدأ من روعه، لكن الكلمات كانت تنزل عليه كالصواعق.

ألونسو: أعلم جيدا يا سيدي ثقل الحمل عليك ، وزاد من صعوبة الأمر خسارتك أمام تلميذك زيدان،  يقاطعه كارلو:" لا تكمل يا تشافي، مدربك لم يخسر، مازال هناك شوطا آخر في مدريد.

ألونسو: بالتأكيد الأمور لم تحسم بعد، فحن قادرون على العودة في ملعبهم، والتسجيل في شباكهم أكثر من هدف، هون عليك ودعك مما حدث وفكر في ما هو قادم.

أنشيلوتي يكف عن البكاء ويجلس على كرسيه بجوار النافذه، والشرود يعلو وجهه، وشريط فيلم عنوانه يوفنتوس الشرارة" يبدأ في الدوران أمام  عينيه.

المحاضرة الأخيرة

يسترخى أنشيلوتي ليبدأ في سرد قصته مع زيدان منذ البداية، قائلا:" قدمت إلى يوفنتوس وزيدان ملكا متوجا هناك فاز معهم بالدوري الإيطالي مرتين، والسوبر الإيطالية، بالإضافة لكأس السوبر الأوروبي أيضا، ناهيك عن لقب أفضل لاعب في العالم والحصول على الكرة الذهبية، كل ذلك صنع منه نجما فوق العادة، وأصعب شيء هو ترويض نجم يا ألونسو.

أنشيلوتي مكملا:" في أحد التدريبات وأثناء إلقائي بعض التعليمات وجدت أن زيدان يتعامل كقائد ولا يرغب في توجيه النصائح له أمام الجميع.

في الحقيقة في تلك الفترة لم يكن هناك من الأساليب لدي أن أصطدم بزيدان خاصة وأني لم أكن قد قدمت شيئا عظيما هناك، والدخول في مقارنة معه في تلك الفترة ستصب في مصلحته في نهاية الأمر.

يقترب ألونسو من أنشيلوتي مبرهنا على انصاته الجيد لما يقول ويلقي عليه سؤال به  من الخبث الكتير.. ولماذا لم تحاول الحديث مع زيدان؟

اتحدث مع من يا ألونسو ، أقول لك أنه كان لا يحب توجيه النصائح له كاللاعبين الصغار في الفريق، سأخبرك بشيء، في إحدى المرات بعد الانتهاء من التدريبات اجتمع باللاعبين وعنفهم على ما حدث في المباراة السابقة، حتى هنا كان شيئا جيدا، لكن ما جعلني استشيط غضبا، هو الحديث معي في محاولة لاقناعي بتعديل طريقة اللعب.

رحلت عن يوفنتوس وأعلم أننا سنتقابل يوما ما، لكن أين ومتي هذا ما لم أكن أعرفه وقتها، السنوات مرت سريعا، حتى قابلته مرة أخرى في مدريد، وقد زاده الزمن صلابة عن زي قبل.

اتصال فلورنتينو بيريز

أنشيلوتي: تلقيت اتصالا هاتفيا من فلورنتينو بيريز، رئيس ريال مدريد، عقب تحقيقي لقب الدوري الفرنسي مع باريس سان جيرمان، يخبرني بأنني سأتولى منصب المدير الفني لريال مدريد، لم أكن وقتها أرغب في معرفه التفاصيل بسبب الفرحة التي كست ملامحي، بعدها ألقيت عليه بعض الأسئلة كان من بينها من سيكون مساعدي؟

بيريز: زيدان.. بالطبع سررت بذاك الخبر، لحظة من الصمت أكل بعدها بريز مندهشا أين ذهبت يا عزيزي؟

أنشليوتي بعد الإفاقة من الصدمة: مع عزيري بيريز ، بالطبع أعرف زيدان.

أغلق بيريز الهاتف بعدها، ونهرا من الأسئلة تدفق في خاطر أنشيلوتي، هل سيكون زيدان سببا في فشله مع الريال ويعجل برحيله قبل حدثي مع اليوفي، أم سيكون عنصرا من عناصر النجاح.

كتفه كان دائما بكتفي في المران، اتشاور مع في كثير من الأحيان، بعدما قررت جعل منه مستشاري، حققنا سويا العديد من الألقاب، كان فترة عظيمة على الإطلاق، حصدنا في أول مواسم دوري ابطال أوروبا وكأس ملك أسبانيا وفي الموسم الثاني حققنا كأس السوبر الأوروبي وأيضاً كأس العالم للأندية.

- الساعات مرت وأنشيلوتي يقص على ألونسو مواقفه السابقة مع زيدان، وساعات الفجر تقترب، الوقت مر سريعا عليهما دون أن يشعرا.

شغف ألونسو دفعه في الدخول إلى المنطقة المحظورة من حكاية أنشيلوتي وزيدان، ألقى سؤالا آخر، ما دب الخلاف مجددا بينك وبين زيدان في ريال مدريد؟

أنشيلوتي: في موسمي الثاني مع الريال لم أكن موفقا كما حدث في الموسم الأول، وخرجت منه خالي الوفاض، ما زاد من تعقيد الأمور، الضغط الذي واجهته في مدريد، وأنت تعلم جيدا جماهير مدريد يا ألونسو.

ألونسو: أعلم يا سيدي، لقد عشت هناك عدة سنوات، كما أنى كنت شاهدا على تلك الفترة التى تتحدث عنها.

أنشيلوتي: لم أنس يوما تلك الصورة التي جمعتني بيه، وهو يظهر خلالها في دور المدرب، وأنا بجواره أكتفى بدور المشاهد البائس، أتعلم يا ألونسو بعد تلك الصورة أدرك أن أيامي باتت معدودة في مدريد، فقد ظهر مدرب يدعى زيدان سيسطر على الأمور اجلا أم عاجلا.

بالفعل رحلت عن مدريد بعد موسمي الثاني لكنني طالبت بالجلوس مع زيدان قبل رحيلي وبالفعل حدث.

المواجهة

ربما تكن  هي المرة الوحيدة التي جلسا فيها سويا بمفردهما، أنشيلوتي كان يدرك أن ما هو قادم سيكون مختلفا عن ما مر، وزيدان لم يعد اللاعب الذي دربه يوما ما او مساعده، الذي تشرب فنون التدريب على يديه.

في مكان يبعد أمتار عن حجرة الرئيس فلورنتينو بيريز  طلب أنشيلوتي مقابلة زيدان لعلها تكون الأخيرة، وبالفعل حضر زيدان وكأنه هو الآخر لديه شي ما يريد اخباره لأنشيلوتي قبل رحيله.

أنشيلوتي: أجلس يا زيدان، لما أنت واقف هكذا؟

زيدان بابتسامته المعهودة: لا يجوز يا استاذي، وكأنه يحاول قلب الأمور لصالحه قبل أي شيء.

أنشيلوتي: أترك هذا الكلام للصغار يا زيدان، فقد أصبحت رجلا يعتمد عليه في إدارة الأمور، في تلميح واضح لكونه بات قريبا من تولى مهمة تدريب الريال في القريب العاجل.

أنشيلوتي بدون مقدمات: هل تعلم  لماذا طلب مقابلتك؟

زيدان: بالطبع لا ، يجيب التلميذ لكنه يعلم جيدا لماذا هو جالس الآن أمامه معلمه السابق، يرفض أن يخرج المشهد الأخير لصالح الألماني.

أنشيلوتي: عشنا سويا كلاعب ومدرب، ثم كمدرب ومساعد، هل وجدت مني أي شي يسي لك يا زيدان؟

زيدان: لا .. ولماذا هذا السؤال يحتد عليه أنشيلوتي: أجبني بصدق، ولو كان لا فلماذ تتعمد إحراجي دائما وتستخف بي يا زيدان؟.

زيدان: لا أفهم شي مما تقول ولكن، كل ما اريد إخبارك به أنني لم اتعمد يوما احراجك كما تدعي، وكل ما تقوله هو مجرد أوهام في رأسك انت.

كلمة "أوهام"  أشعلت فتيل الحرب بينهما بسرعة البرق، أنشيلوتي أحمر وجهه بعدها ودون أن يدري وجد نفسه يمسك بزيدان من كتفيه ويبلغه بأنه لن يتمكن يوما من هزيمته.

زيدان مبتسما بسخرية وهو يبعد يد أنشيلوتي عنه: سأهزمك يوما يا استاذي العزيزي وستكون في نفس المكان الذي شهد على امجادنا معا.

كلمات زيدان ألقاها وغادر على الفور الغرفة مخلفا ورائه كتلة من الغضب متجسده في صورة رجل عجوز.

العودة إلى البيرنابيو 

ألونسو: إلى هنا وكفى يا سيد أنشيلوتي، الوقت داهمنا وشمس اليوم التالي استقرت في الغرفة منذ ساعات ولا تزال تحكي عن زيدان، علينا نسيان ما فات والتفكير جيدا في المباراة المقبلة.

أنشيلوتي: أنت محق، لكن لو كان فيدال احرز  ركلة الجزاء، لكن الأمور باتت أكثر سهوله مما هي عليه الآن.

ألونسو: لا تفكر في ما مضى، يمكننا العودة وفي ملعبهم، لكن علينا الحذر والتأمين الدفاعي الجيد، لأن أي هدف سيدخل مرمانها سيسزيد الأمور صعوبة.

الملحمة

الجميع نيام داخل غرفهم في فندق إقامة بعثة بايرن ميونيخ، ولازال أنشيلوتي يرتب أوراقه قبل مواجهة تلميذه غدا، يدرك أن سقوط آخر سيكون بمثابة الزلازل في جنبات تاريخه المجيد، كونه سيكون على يد واحد من أبنائه.

الساعات تمر وتمضي الدقائق تباعا، وتبدأ المباراة، أنشيلوتي يرمق زيدان من بعيد، الخوف يسيطر عليه، لكن يحاول إظهار عكس ذلك أمام الجميع، تركيزه مع زيدان أفقده التركيز في سير المباراة.

الشوط الأول ينتهي بدون أهداف، لكن كعادة الألمان فهم لا يستسلمون، منحهم الحكم ركلة جزاء في الشوط الثاني سجلها ليفاندوفيسكي بنجاح، هدأت من روع مدربه أنشيلوتي، ابتسامات زيدان لا تتوقف رغم التأخر بهدف، وكأنه يريد أن يقذف الخوف في قلبه استاذه.

ساعد زيدان في تنفيذ مخططه تسجيل رونالدو لهدف التعادل، لتنقلب الأمور من جديد في وجه المدرب أنشيلوتي، أعقبه رد فعل سريعه ليسجل راموس بالخطأ في مرماه مانحا البايرن هدفه الثاني، ليتنهي وقت المباراة الأصلي بنفس نتيجة الذهاب، ويلجأ الفريقين إلى الأشواط الإضافية.

تنفس الصعداء أنشيلوتي وتوهم لدقائق أن ربما الحظ سيمنحه بطاقة التأهل في الأشواط الإضافية، لكن لم يكن يعلن أن الكارثة تننظره بعد دقائق.

 ابتسامات زيدان تنزل على استاذه كالصواعق، رونالدو يسجل هدفين وزميله الشاب البديل أسينسيو يختتم رباعية مدريد، ليتنتهي درسا التلميذ لاستاذه.

" احسنت يا فتي".. الحكاية لم تنتهي بعد يا بني 

عقب المباراة تقابل زيدان واستاذه أنشيلوتي في ممر اللاعبين، ليهمس الأخير في اذن مدرب ريال مدريد" احسنت يا فتي".. الحكاية لم تنتهي بعد يا بني".

ليرد زيدان مبتسما كعادته:" نلتقي في درس آخر يا معلمي.. استعد جيدا".

للتواصل مع الكاتب عبر فيس بوك اضغط هنا