في تحليلات عقل المباراة .. رحلة داخل عقول المديرين الفنيين لكلا الفريقين ونجتهد لإبراز النواحي التكتيكية المتخصصة التي كانت موجودة في المباراة ونضيف عليها ما كان يجب أن يكون متواجدا حتي تصل كرة القدم بشكلها المتخصص داخل عقل القارىء . 

لا توجد دراما مثيرة أكثر من دراما كرة القدم إذا كان الممثل علي خشبة المسرح يتلقي رد الفعل من الجمهور فإن ملعب كرة القدم يجعل المشجع واللاعب في حالة خاصة فكلاهما يستمد الطاقة من الأخر وكلاهما يتلقي رد الفعل وكلاهما فعل ..أعظم دراما هي دراما كرة القدم .

لإنها هدف واحد فقط في تسعين دقيقة قد تصنع المجد والفرحة التي لا تقدر بملايين لإنها تنسيك أية أشياء أخري أو معاناة هي سحر ألقي في قلوب البشر فتعلقت به الأعين وتوقفت عنده الأنفس .

لا أريد أن أبحر في عقل المدربين اليوم ، أريد أن أبحر في قلوبنا نحن لنري دوما كيف نصنع الفرحة ؟

الفتي اليافع الصغير الذي كان نواة لدوري إحدي الشركات الغازية ومعه زميله ..تلك كانت البداية.

ثلاثة مواصلات يومية كي يذهب إلي فريق يحتضنه لدرجة أنه في يوم غط في نوم عميق فنال القلق من والده وقرر ألا يذهب مرة أخري إلي كرة القدم.

ناديه الذي آمن بموهبته وجعله ينطلق لأوربا مبكرا ولم ينل منه ( زميلين  مغرورين كانا لا يؤمنا به ولا يمرران له "حقيقة" )  تحت أنظار مدرب محترف " متعجرف " رغم أنه أذاقه مرارة الهزيمة مرتين من قبل .

ملكا لفلورنسا ثم أميرا لروما في حضرة ملك روما " توتي " وفي كل مرة كان يقال له من الأفضل أن تبقي هنا ولكن موهبته قدر طموحه فكان يذهب لمكان أعلي متحديا الجميع بضحكته البسيطة وبسرعته الخارقة .

الأمر أمس لم يكن متعلقا بالعقل بل بالقلب ..القلب الذي جعل الهجوم يشق طريقه بشكل منفرد نحو المرمي إعتمادا علي لعبة هات وخد في ظل عقل متحجر يجعل لاعبي المنتخب أثناء بناء الهجمة يلعبون في الثلث الدفاعي 

العقل لدي اللاعبين حاول التخلص من تعليمات ظلت موجودة طوال عامين ..لم يبقي هناك الكثير فقط 90 دقيقة لنصل إلي كأس العالم لابد من هدف والهدف لن يأتي بالحذر أمام الكونغو فهي لا تمتلك قفزات الكانجرو .

دخول تريزيجيه بدلا من صالح الذي وجد نفسه غريبا في جسد المنتخب فهو لم يعتد بعد علي هذا الأسلوب ( العقيم )فرمضان ثابت وعبدالشافي ورائه وفي المرة التي إنطلق فيها الأخير صنع له كرة ..في الحقيقة أشار له بالتقدم كي يعطي له الكرة .

رمضان كان لا يراوغ في الشوط الأول بنجاح  ولكنه نجح في الشوط الثاني ولكن يد واحدة لا تصفق فلا يوجد زميلا في الجبهة يعاونه في المرتدات ( بسبب تعليمات المدرب ) وأحيانا أخري تجد صلاح بنفسه في الملعب يشير إلي كوكا بالذهاب في الإتجاه الأيمن من الملعب علي أن يخترق صلاح القلب إنتظارا لتمريرة ..للأسف لم نكن نمتلك أي شق هجومي واضح فالجميع يلعب بقلبه ولا يعرف لمن يمرر ومن سيتحرك وهل لديه أمر بالتحرك أم لا ؟

هل المساندة بالتقدم للأمام فقط ؟ أم بجمل واضحة تعطي الفريق شكلا أثناء الهجوم ..النني تقدم في المباراة كما لم يتقدم منذ وجود برادلي وحاول تقديما دعما لرباعي الهجوم ولكن عند إمتلاك الكرة الكل فاقد للخطوة التالية ( كلها إجتهادات فردية من أجل أن تصل الكرة إلي صلاح ) 

ليس هذا عيبا علي الإطلاق أن تعتمد علي لاعب في كل المباريات فبرشلونة إعتمدت فترة علي ميسي ( ما هذا الهراء ؟ ) ميسي كان حجرا في المنطومة صحيح أنه الأثمن فيها ولكن الجميع كان يتحرك وفق لنظام معين بل ان هنري نفسه إعترف أنه سجل هدفا بطريقة بتحرك فردي فعاقبه جوارديولا بالخروج ..الأخير الذي كان مصمما لنظاما في ثلثي الملعب كان يقول للاعبيه أجعلكم تصلون للمرمي ولكنكم من تحرزون الهدف .

جوارديولا الذي قال عنه كوبر أنه أعظم مدرب وأنه مستعد للرحيل إذا تعاقد الإتحاد المصري لكرة القدم معه وتسائل هل كانت هناك طرق أخري غير طريقته تضمن له الصعود لكأس العالم .

يكفي فقط ردة فعله بعد هدف الكونجو في الوقت الذي كان فيه العالمي يسقط علي أرض الملعب خوفا من إنهيار الحلم لم نجد المدرب يبدي أي ردة فعل سوي هز رأسه قليلا  ولكن العالمي نهض في ثوان معدودة وقام بإيقاظ القلب الذي كادت أن تصمت نبضاته ربما للأبد .

الأمر لم يتعلق بالعقل فالأمر كله جنون  كيف يمرر حجازي كرة مثل تلك لتذهب فوق رأس مدافع الكونجو لتسقط في وضع مثالي أمام تريزيجيه الذي جعل جسده حائلا ليسقط بعد إحتكاك داخل منطقة الجزاء ..أين بكاري جساما ؟

في ظل هذا التوتر ظهر جاساما وكأنه ظهر من عدم .. لايوجد أي لاعب يمنع الرؤية واللعبة واضحة وصريحة ..لايوجد شيئا يجعله يتردد لحظة في إحتساب ركلة جزاء  .

مثل أفلام كريستوفر نولان التي تتعلق بالزمن والفيزياء وتحديدا في interstellar  وجد ( كوبر " بطل الفيلم" ) الفرصة ليري الزمن في حقب مختلفة وهو أمر رأيناه جميعا علي مدار 28 عاما وعلقت الصور كلها في مشهد سريع ولكن ( هيكتور كوبر ) لم يكن مدركا خطأه الذي إستمر عليه عدة سنوات ليحصل علي لقب الرجل المنحوس ..ربما لإنه يصل ولا يحصل لكن الحقيقة المجردة هو أن سانتوس وأوتو ريهاجل ومورينيو وسيميوني وكل من ينتمي للمدرسة الدفاعية كانوا يقدمون مراحل كرة القدم ولم يتقوقعوا مثل السحفاة داخل صدفة لتحمي الرأس الصغير ولكن في نفس الوقت تصبح تلك الصدفة مثل الحجر الصغير الذي يسهل اللعب به حتي من قبل أطفالا صغارا .

في الدراما " عزيز بن حلي " سجل الهدف في مرمي الحضري ثم طرد بعد ذلك ليحصل المنتخب المصري مع حسن شحاته علي فرصة تسجيل هدف أخر ولكن في كرة القدم لم يكن هناك وقت ولكن كان هناك قلب وحناجر تهتف ( كل الناس بتقول يا رب ) . 

أخيرا .. في الدراما يقال ( عن قصة حقيقية ) ولأول مرة أجد حقيقة تكتب عن ( قصة درامية ) شابوه محمد صلاح.

للتواصل مع الكاتب على الفيس بوك