في كل مرة يتحلّق فيها المصريون حول 11 لاعب ينوبون عنهم في مباراة حاسمة في استاد القاهرة من أجل انطلاقة صاروخية إلى كأس العالم كانت تذهب أحلامهم سُدى، ولا يستطيع فريقهم أن يزيد سرعته باتجاه أرض المونديال عن صفر، بينما يطير المنافس -المحظوظ دائماً بمواجهة المصريين- يتمطى إلى أعظم بطولات الكون.

كأس العالم لا يتراءى للمصريين منذ عام 1990 عندما سجلت أرض إيطاليا أخر الحملات المونديالية لأحفاد الملوك العِظام الذين أناروا الدنيا بعلمهم وحضارتهم قبل أكثر من 5 آلاف سنة.

فبعد عودة رجال الجوهري من إيطاليا بدأ الاستعداد لرحلة أخرى إلى الولايات المتحدة الأمريكية لتسجيل ظهور ثالث في كأس العالم، وجاءت مباراة "الطوبة" الشهيرة لتؤزم الموقف "كما العادة" ثم فرصة مجدي طلبة "المعتادة" الضائعة في مباراة الإعادة لتطيح بمصر خارج سباق التصفيات.

مصر خرجت وقتها من الدور الأول للتصفيات وفقدت فرصة التأهل للمرحلة النهائية المؤهلة مباشرة للمونديال الأمريكي، لتنطفئ النيران المُتقدة التي أشعلها أبناء النيل أملاً في شق طريقاً أغبر إلى العالم الجديد الذي استكشفه كولومبوس وكابوت.


 
وبعد ليلٍ غاسق عاد "الجنرال" بصفارات الإنذار في محاولة لجمع أبناءه من جديد على أمل العودة لكأس العالم، وعدهم بالخروج إلى النهار، وجاءت لحظة المحاولة الثانية لانتزاع بطاقة المونديال بالقوة بعد البداية المُتعثرة.

مصر وقعت في مجموعة ضمت تونس وليبيريا "وآه من هذا الاسم عندما يُذكر أمام جيل الثمانينات وبداية التسعينات"  وناميبيا، ورغم البداية المذهلة بالفوز (7-1) على ناميبيا هُزم الفريق المصري من تونس خارج قواعده في الجولة الثانية، ثم انتهت الأحلام مبكراً بخسارة ثانية في ليبيريا.

جورج وايا يتلقى تمريرة في الجهة اليسرى ويظن الجميع أنه سيرسل عرضية سهلة، الحضري يخرج من مرماه لالتقاط الكرة لكنه يفوجئ بأحد أساطير إفريقيا يسدد الكرة في شباكه ويحتفل بضحكة واثقة مصوباً يده إلى رأسه في إشارة إلى إعمال العقل! "حسناً يا وايا، فهمنا الدرس".


 
ربما كان يعلم الجوهري أن محاولة حجز رحلة إلى كوريا واليابان كانت هي الأخيرة له مع المنتخب وربما لا، لكن الجنرال كان في الموعد مرة أخرى حاملاً لواء المصريين في تصفيات كأس العالم 2002.

امتلك الجوهري فريقاً مدمراً متكاملاً لا ينقصه شيء، مدجج بالنجوم وقادر على الفتك بأي فريق، لكنه ولحظه العاثر اضطر لمقارعة مجموعة من وحوش القارة السمراء مثل المغرب والجزائر والسنغال، مع الضيف الخفيف ناميبيا.

تصفيات كوريا واليابان بها أكثر من لقطة مظلمة، كفرصة طارق السعيد المُهدرة أمام شباك بن زكري حارس المغرب، أو إطاحة محمد عمارة الغريبة بالكرة من أمام خط مرمى الجزائر في الجولة الختامية، أو هدف ناميبيا في شباك نادر السيد الذي أفقد المصريين نقطتين في السباق المحتدم، أو تسديدة مصطفى حاجي التي سلبت رجال الجوهري 3 نقاط.


 
المهم أن الحلم تحول لكابوس أخر، وأصبح التأهل للمونديال عقدة، وانتهت حِقبة الجوهري بلا رجعة مع المنتخب المصري، وظن المسئولين عن الكرة في مصر أن نفحة من إيطاليا "الشاهد الوحيد على حضور مصر في كأس العالم" قد تكون فأل حسن للوصول لمونديال ألمانيا 2006.

وجاء تارديلي ليهدم المعبد ويخسر في الإسكندرية من كوت ديفوار ثم من ليبيا في ملعبها، لينتهى مشوار مصر قبل أن يبدأ، ليأتي دور حسن شحاته الذي أكمل التصفيات وكل ما فعله أنه حول بطاقة التأهل من الكاميرون إلى كوت ديفوار.


 
كلما اقترب الخيط من نهايته ووصلنا إلى السنوات القريبة كلما زاد الألم في نفوسنا، في محطة 2010 كان الفريق المصري الملئ بالنجوم تحت قيادة "معلم إفريقيا" حسن شحاته بطل القارة مرتين متتاليتين مرشح أول وربما أوحد في مجموعة ضمت الجزائر ورواندا وزامبيا.

لكن هذه المرة قاعدة عدم احتساب الهدف خارج الأرض بهدفين في حالة التعادل تسببت في مباراة فاصلة مع الجزائر بدلاً من تأهل مباشر للمصريين كان مستحقاً، ليخسر رجال المعلم وتتوقف مسيرتهم المونديالية إلى جنوب إفريقيا في أم درمان.


 
وجاءت لحظة نهاية جيل تريكة التي كادت تبدو رائعة، الفريق المصري فاز بكل مبارياته في مرحلة المجموعات في تصفيات مونديال البرازيل 2014، ليتأهل لمواجهتين فاصلتين ذهاباً وإياباً ضد غانا.
 
الجميع متفائل ومتحمس للعبور أخيراً إلى كأس العالم واستكشاف قارة كولومبوس للمرة الأولى في حملة مصرية رسمية، لكن حماس غانا كان أكبر لدرجة أن شباك مصر تهتكت بستة أهداف غانية لتعيش مصر ليلة مُرعبة، مُهينة، إحساس أسوأ من أي إخفاق قبل ذلك.


 
هذه الصورة لم تكن النهاية، قَبِل صلاح نصائح تريكة وتسلم الراية وأصبح حامل اللواء المصري الجديد، رّحب بالتحدي ووضع أهدافه وعمل بجِدٍ وكدٍ حتى جاءت لحظة الحلم الممزوج بالحقيقة، لحظة خُلقت من العدم في لحظة فتغير فيها كل شيء.

ضربة جزاء، الجميع يتخشب واقفاً، البعض يغمض عينيه رحمةً بضربات قلبه السريعة، بينما تجحظ عيني صلاح من شدة التركيز، يحتضن الكرة بكل ما في الكون من هدوء واتزان، ينعزل عن الصخب والجنون المُحيط به في استاد برج العرب، يضعها على نقطة الجزاء ويرفع رأسه ويصلب طوله متراجعاً بضع خطوات للخلف.

تسكن سرعته عند الرقم "صفر" لو انطلق بشكل خاطئ ستنهار المسيرة التي يقودها، ولو نجح ستزيد السرعة لأول مرة منذ 27 سنة عن الصفر لتنطلق مصر بالسرعة القانونية إلى روسيا محفل كأس العالم، صلاح لا يآبه بكل ما حوله من ضجر، يتقدم، خطوات قصيرة ثم أرجحة لقدمه اليسرى للوراء لتولد طاقة تحول سرعة الكرة من صفر إلى 100 مليون صيحة نصر مع سكون الكرة في شباك الكونغو، الآن فقط، وبعد كل هذا العناء والهراء، مصر في كأس العالم، ولأول مرة.. السرعة تزيد عن صفر.

-عنوان التقرير مستوحى من الفيلم العربي "السرعة لا تزيد عن صفر" للكاتب إبراهيم محمد علي

لمتابعة الكاتب عبر تويتر اضغط هنا، وفيس بوك اضغط هنا