يعتقد البعض خطأ أنه لمجرد تقارب مستوي فرق الدوري المصري ووجود فارق نقاط ضئيل بين المتصدر وملاحقيه أو بين أصحاب المراكز الوسطى والمراكز الأخيرة فإن في ذلك دلالة على قوة الدوري.

منذ صغرنا جميعا ونحن نستمع إلي الجملة الشهيرة "نريد دوري مصري قوي" حتى بدأنا كلنا نتساءل ما المقصود بكلمتي "دوري قوي"؟.. هل يعني ذلك أن تكون فرق الدوري متقاربة في النقاط، أم أن يفرز الدوري فرقاً ولاعبين يستطيعون المنافسة قارياً سواء في بطولات الأندية أو المنتخبات المختلفة؟

عقب انتهاء الأسبوع الثالث عشر للدوري مساء السبت بتعادل الأهلي المتصدر مع الاسماعيلي الرابع في الترتيب وفوز الزمالك صاحب المركز الثاني عشر علي المصري صاحب المركز الرابع عشر تأكدت تماما إننا أمام دوري مثير فقط ولكنه أبعد من أن يطلق عليه "دوري قوي".

فالأهلي المتصدر بدأ مباراته أمام الاسماعيلي بتشتت كبير وبدون أي فاعلية تذكر علي مرمي خصمه، وهذا الأمر تكرر أيضا في مباراة الاتحاد السكندري وأمام الزمالك في دربي العاصمة القاهرية.
ولم يستفق الفريق الأحمر في المباريات الثلاث إلا بعد مرور وقت طويل من زمن المباريات، ففي مباراة الإسكندرية انتظرت جماهير الأهلي حتى الدقيقة 60 لكي تري فريقها يتعادل مع الاتحاد صاحب المركز العاشر بهدف "فردي" لأحمد حسن.

والملاحظ ان بعد هذه الدقيقة هبط أداء الاتحاد تماما ولكن الأهلي لم يستغل الأمر ليقتنص الفوز واكتفي لاعبوه وجهازهم الفني بالتعادل الايجابي بداعي أن المباراة تقام خارج القاهرة.

في مباراة الزمالك، شاهدت أسوأ مباراة بين الفريقين معا في السنوات العشر الأخيرة، مباراة بدون أي لون أو رائحة غلب عليها فقط الجانب الحماسي وكان السبب الرئيسي فيه هو وجود حسام حسن كمدير فني للزمالك و وجود احمد حسام "ميدو" مهاجما للفريق الأبيض.

الأمر تواصل مع مباراة الاسماعيلي، فالبداية أيضا كانت في صالح الدراويش وسط أداء عشوائي من الضيوف واستمر السيناريو نفسه حيث تقدم لااسماعيلي قبل أن ينتفض الأهلي ويحرز هدفا فرديا كما حدث في مباراة الاتحاد ولكن هذه المرة عن طريق مصطفى شبيطة.

المثير للدهشة أن الدقيقة نفسها و التي تحدثت عنها في مباراة الاتحاد - وهي الدقيقة 60 - تكررت في مباراة الاسماعيلي ولكن بشكل آخر عندما تم إقصاء مدافع الدراويش معتصم سالم بالبطاقة الحمراء ليكمل الأهلي الدقائق الباقية وهو متفوق عددياً على منافسه، وتكرر السيناريو ذاته حيث فشل متصدر الترتيب في استغلال هذا النقص ليقتنص فوزا كان من السهل جداً على جهازه الفني ولاعبيه تحقيقه.

الاسماعيلي نفسه في بداية اللقاء بدأ وكأنه سيلتهم الأهلي بفضل حماس لاعبيه وجماهيره، ولكنه ما لبث أن تمكن لاعبوه من إحرازه الهدف الأول من ضربة جزاء جاءت "بمحض الصدفة" حتى هدأت الأمور تماما وسرعان ما تراجع أداؤه في محاولة للحفاظ على التقدم الهزيل.

الأمر نفسه أجده مع الفرق الأخرى في الدوري، فطلائع الجيش - الوصيف - والذي لم يذق طعم الهزيمة خلال 7 أسابيع متتالية في الدوري بداية من الأسبوع الخامس وحتى الأسبوع الثاني عشر ما لبث أن سمع لاعبوه بأنهم علي مقربة من الأهلي المتصدر حتى نالوا هزيمتهم الثالثة هذا الموسم من غزل المحلة صاحب المركز السابع!.

وددت أن استوضح الأمر أكثر وأكثر، فقمت بإلقاء نظرة علي الدوري المصري في السنوات الخمس الأخيرة والتي مازال يصفها أكثر من 95% من رجال الإعلام الرياضي الكروي في مصر بأنها مواسم ضعيفة باستثناء الموسم الماضي والذي اقيمت فيه مباراة فاصلة بين الاهلي والاسماعيلي لتحديد بطل الدوري، وللتذكرة فقط، وصفت المواسم الاربع الاولي بانها ضعيفة بسبب واحد هو تمكن الاهلي من حسم لقب البطولة قبل أسابيع كثيرة من النهاية وبفارق كبير عن اقرب منافسيه.

المدهش أنني وجدت أن المواسم 2004-2005 و2005-2006 و2006-2007 و2007-2008 والتي فاز فيها الأهلي بلقب الدوري بفارق كبير من النقاط عن اقرب منافسيه، هي اقوي مواسم الدوري المصري في العشرين سنة الأخيرة وان لم يكن في طوال تاريخه.

فبالنظر إلي جميع المشاركات الخارجية لمصر في هذه السنوات سواء علي مستوي الأندية أو المنتخبات سنجد أن معظمها تكلل بالنجاح، فالمنتخب الوطني تمكن من فرض سطوته علي بطولة كأس الأمم الإفريقية لنسختين متتاليتين هما 2006 و2008 ,والأخيرة كانت خارج أرضه، والأهلي دانت له السيطرة الميدانية علي دوري أبطال إفريقيا لمدة 3 سنوات هي 2005 و2006 و2008 وتمكن من الفوز بلقبين منهما خارج أرضه كما انه وصل للمباراة النهائية في عام 2007 والذي فشل فيه في الحفاظ علي اللقب.

كما أن الاسماعيلي وحرس الحدود أبليا بلاء حسنا للغاية في الكونفيدرالية الإفريقية في عامي 2007 و2008 علي التوالي وكانا علي مقربة من التأهل للمباراة النهائية للبطولة.

يتضح من ذلك، انه عندما وجد بالدوري المصري فريق واحد او عدة فرق قوية وثابتة المستوى ، انعكس ذلك بالإيجاب على بقية الفرق في الدوري وبالتالي على المنتخب الوطني وأمكن حينها تسمية الدوري المصري "بالدوري القوي"، ولكن عندما تصبح الفرق كلها غير ثابتة المستوى وغير واضحة الملامح الفنية، سيصبح الدوري ضعيفاً حتى ولو كان مثيراً بفضل تقارب النقاط بين الفرق.

نعم يمكننا ان نتفق مع من يقول بأن الدوري مثير.. نعم يمكن القول بأن الدوري حماسي وملئ بالشباب الصغار .. نعم يمكن القول بأنه من الصعب أن تعلم من الذي سيفوز بالدوري في نهاية الموسم، ولكن لا يمكننا ان نتفق مع من يقول إن الدوري قوي .. لا نتفق مع من يقول بأن الدوري المصري ممتع ويمكنك مشاهدة كرة قدم حقيقة إذا ما تابعته .. لا نتفق مع من يقول إن الدوري المصري قادر على إفراز لاعبين قادرين علي تمثيل انديتهم وبلادهم في البطولات الدولية سواء علي مستوي الأندية أو المنتخبات الوطنية.

فإثارة الدوري من عدمها ليست مقياسا لتحديد قوة البطولة من ضعفها، وإنما ثبات مستوى الفرق الفني وارتفاع مستوي أداء اللاعبين الجماعي قبل الفردي هو المقياس الحقيقي لقوة المسابقة.