إن ما يحدث الآن من تدني واضح في مستوى التحكيم ينبئ بوجود أزمة مستفحلة في إدارة التحكيم المصري ظهرت واضحة جلية في مباريات المسابقات المختلفة هو نتاج طبيعي ومؤسف لتراكمات كثيرة منذ سنوات من سوء إدارة هذا الضلع المؤثر وربما الأهم في لعبة كرة القدم.

وأكثر ما يعمق الأزمة هو تعامل الأندية ومجلس إدارتها وأجهزتها الفنية واللاعبين معها، فما يحدث في الدوري المصري هذا الموسم - وكل موسم - أثبت شيئ أمراً في غاية الأهمية وهو أن جميع حكامنا لديهم ضمير يقظ وأخلاق حميدة وشخصيات قوية ، ولكنهم في الوقت ذاته لا يفقهون شيئاً في التحكيم!   

والدليل على ذلك، أن المنصورة يهدد بالانسحاب من الدوري بسبب التحكيم وسبقه في ذلك الزمالك والمقاولون العرب، والمصري يطلب حكاماً أجانب لإدارة مبارياته، فعلها أيضا الأهلي والاسماعيلي وبتروجيت وانبي، ويبدو أن التحكيم في مصر لا يظلم أحداً على حساب أحد بل إنه يظلم الجميع بجهل واضح بأصول تطبيق قواعد المهنة.

فالحكم المصري في النهاية موظف فقير لا يجني الأموال الطائلة من هذه الوظيفة، وربما يبحث بعضهم عن الشهرة فقط، وإذا ما قيل لأحدهم "يجب أن تكون قوي الشخصية" تجده يقترب من التعدي على اللاعبين والمدربين، وإن طلبوا منه أن يبتسم في وجه من يتعامل معه، تجده يبتسم ولو رأي لاعب أمامه أصيب بالرباط الصليبي!

والآن .. ما الحل؟.. فكرت أن يتولى حكام أجانب إدارة مباريات المسابقة على أن يخصم أجرهم من حقوق البث التلفزيوني للأندية، وأن يسعد الجميع وأن تستمر المسابقة في هدوء وسلام، ولكن.. هل ستنعم المسابقة حقاً بالهدوء والاستقرار والسلام في حال تعيين حكام أجانب لإدارتها؟

تخيل مثلا عزيزي القارئ أنه تم تعيين طاقم تحكيم ألماني للقاء الأهلي والمنصورة وفاز الأول بثلاثية نظيفة، ستجد مسئولي الأخير يخرجون بعد المباراة بتصريح يقول "أكيد الحكم علم بشعبية وهيمنة الأهلي، وعرف أن المنصورة فريق صعد لتوه إلى الدوري الممتاز، وأن ذلك كان واضحاً في تداخلات الأهلي العنيفة، ولكن مع أول تداخل من لاعب المنصورة مع لاعب الأهلي احتسبت ضربة جزاء على المنصورة .. حتى الألمان يساعدون الأهلي على الفوز".

أو مثلا تم تعيين طاقم تحكيم روسي لإدارة لقاء الزمالك وبترول أسيوط في أسيوط، لكن الأخير ربما خسر بهدفين مقابل لا شئ، و ستجد مسئولو الأخير يصرخون بعد المباراة "كيف لإتحاد الكرة أن يعين طاقم تحكيم من بلد الثلج لإدارة مباراة في أسيوط! الحكم كان يبدو عليه تأثره الشديد بارتفاع درجة الحرارة، ولم يكن قريباً أثناء احتساب ضربة جزاء غير صحيحة للزمالك وهذا ناتج عن ضعف لياقته البدنية".

أما على مستوى الإعلاميين الرياضيين الذين نادوا بالحكام الأجانب من قبل فستجد رد فعلهم "الله يسامح اتحاد الكرة، فين أيام حكامنا المحليين، وحشتنا يا فهيم يا عمر انت وسمير عثمان وجهاد جريشة، حكامنا لا يقلون بأي شكل من الأشكال عن الحكام الأجانب وربما يكونوا أفضل".

ثم نعود مرة أخرى لحكامنا المحليين، بالضبط كما يحدث كل موسم، نمتنع فترة ثم نعود مرة أخرى للاعتماد على الحراس المحليين.

وفي رأيي إن الحل الأمثل لهذه الأزمة المستعصية منذ عدة سنوات، هو التعاقد مع خبير تحكيمي عالمي لرئاسة لجنة التحكيم المصرية وإدارتها وتثقيف الحكام وتعليمهم أصول المهنة، وعدم الاكتفاء فقط بتعليمهم كيف يستعملون الصافرة!!.

يجب أيضاً أن يتم رفع أجور الحكام بحيث تتلاشى "عقدة النقص" في التعامل مع اللاعبين، على أن تكون الزيادة للجميع كلٌ بحسب مستواه وإمكانياته، ولابد أيضاً أن يحصل كل حكم على بعض الدورات في كيفية التعامل مع البشر حتى يتعامل مع اللاعبين والأجهزة الفنية بشئ من الذكاء يجعل الجميع يقبل بقراراتهم حتى ولو كانت خاطئة.

النصح الديني أيضاً بات أمر ضروري لكل حكم، فالكرة الآن تفتح بيوت وتغلقها، فصافرة الحكم قد تضر بمستقبل انسان أو أكثر، فيجب أن يعي الحكم أن أي قرار قد يتخذه بعيداً عن ضميره سيحاسب عليه من الله أولا، فالموضوع ليس مجرد لعبة.

وفي النهاية .. نكرر.. يجب على الجانب الآخر من مسئولي الأندية والأجهزة الفنية واللاعبين أن يتوقعوا أن خطأ الحكم وارد وأن ما يحدث لهم اليوم يحدث لغيرهم غداً، فالكارثة ليست في الأخطاء المتعمدة بل في الأخطاء غير المتعمدة.