حقاً .. إذا كنت تدري فتلك مصيبة .. وإذا كنت لا تدري فتلك مصيبة أعظم .. هذا هو الواقع الذي ذكرني بأيام نحاول حتى الآن ألا نتذكرها ولكنها دائماً ما تداهم خيالنا وتفتح أعيننا لأمور لا نود سماعها ونتمنى ألا تستعيدها ذاكرتنا .. وللأسف، فإن من يذكرنا بها شخص منا وليس ببعيد عنا.

إنها أيام نكسة 5 يونيو عام 1967 التي مازالت تلقي بظلالها على واقعنا العربي حتى الآن على الرغم من انتهاء الحروب، ولن أخوض أكثر من ذلك في أمر هذا اليوم، ولكن ما ذكرني بها هو الاستهانة بعقليات ومشاعر الشعب المصري الذي دائماً ما يعيش في وهم، ويصور له أصحاب الكلمات العليا إنهم أسطورة العالم.

حدث هذا ويحدث منذ زمن وسيظل يحدث طالما إننا نعيش بين المنافقين ومؤلفي الأكاذيب ودعاة المجد الزائف، فرغم أن طائرات العدو دكت مطاراتنا وأراضينا وقتلت جنودنا تحت سمع وأبصار الجميع، ولكن  مذياع وقادة المحروسة وقتها صوروا الموقف بأننا على أبواب تل ابيب وكانت الحقيقة أن الصهاينة هم من كانوا على أبواب القاهرة.

الاعتذار هنا لن ينزل من شأن صاحبه بأي حال من الأحوال، فهو أفضل من أن يحط بشأن شعب بأكمله من أجل كرسي أو منصب

واليوم مع الفارق الكبير بين الموقفين – وإن كان المبدأ واحد – عاش المصريون في وهم أحداث أم درمان والتي يعرفها الجميع دون الخوض فيها وأننا نستطيع أن نأخذ حقوقنا كاملة بعد أن خرج علينا "مذيعي" اتحاد الكرة مؤكدين على أن لنا حقاً وتركوا المصيبة الأكبر.

المصيبة الأكبر هي أنهم جميعاً في اتحاد الكرة كانوا يعلمون أن هناك اعتداء بالفعل حدث على حافلة المنتخب الجزائري، ولا يهم من المتسبب فيه سواء كان صبي أو مجموعة صبية لكن المحصلة أن الاعتداء حدث، وفي قوانين الفيفا فإن من أخطر الأمور أن يتعرض لاعبوا أي فريق لخطر يهدد أرواحهم.

كان الجميع يعلم حقيقة ما حدث ولم يخرج أحد ليعتذر وكانت الأمور كلها قد هدأت بل إنها كانت من الممكن أن تنتهي وتخمد النيران وقتها، والاعتذار هنا لن ينزل من شأن صاحبه بأي حال من الأحوال، فهو أفضل من أن يحط بشأن شعب بأكمله من أجل كرسي أو منصب .. فالاعتذار ليس خطيئة.

وراح وقتها الإعلام والمسئولون يسردون لنا قصصاً وحواديت عن أن المنتخب الجزائري هو الذي قام بتحطيم الحافلة من الداخل لتقديم الصورة السيئة عن مصر للفيفا، وراح جهابذة الفضائيات وقتها يضحكون بسخرية مما حدث من الجانب الجزائري ويقدمون أفلاماً مفبركة عن حقيقة ما وقع، ناهيك عن المونتاج الذي أدي دوره على أكمل وجه .. كل هذا ليتم تصوير الأمر على أنه افتراءات ولم يهتم أحد وقتها بالبحث في أسباب ما وقع سواء كان الجانب الجزائري مفتري أو مفترى عليه.

هل كان خافياً عليك كمسئول أن الفيفا ولجانه التي ستبحث في الأمر لن تهتم بملف السودان لأنه بالفعل لم يحدث داخل الملعب؟

المثير للدهشة أنه وبعد عقوبات الفيفا علي مصر بشأن أحداث القاهرة، وبعد أن أوهم الجميع شعب مصر الطيب الذي صدق من لا يستحق، خرج علينا كبير الكرة في مصر الكابتن سمير زاهر في إحدى الفضائيات عقب صدور العقوبات وهو سعيد بها، بل أكد أن الاعتداء وقع على أتوبيس الجزائر من بعض الصبية، وأنه يتحدث منذ أكثر من ثلاثة أشهر عن أن هناك عقوبات سيتم فرضها على مصر ولكنها ليست كبيرة .. بقي دا كلام واحد مسئول؟

طيب يا كابتن زاهر، ملف ام درمان الذي أوهمت الشعب المصري بأنك تعده وأنه سيكون في غاية الأهمية لتحسين موقف مصر، وأنه سيؤدي إلى وسيتسبب في وما إلى ذلك من إيحاءات ليس لها أي أساس، فماذا قدمت في هذا الملف؟ أم أن الأمر مسألة أمر قومي كما اعتدنا في اتفه الأمور التى تتعلق ببلادنا؟ وهل كان خافياً عليك كمسئول أن الفيفا ولجانه التي ستبحث في الأمر لن تهتم به لأنه بالفعل لم يحدث داخل الملعب ولن يسجله مراقب المباراة في تقريره .. ولا أنت كنت فاكر إن المراقب كان هايروح مع جمهور مصر علشان يشوف بعينيه؟!

المهم وفي النهاية وبالبلدي، إحنا أنضحك علينا تاني وتالت ولسة في رابع وخامس كمان، وإذا كنت تبحث عن حقك - وأشدد علي كلمة حقك - مع رئيس الاتحاد الجزائري المدعو روراوة، فيجب أن تعلم أن حق الشعب المصري مازال في رقبتك وما حدث في السودان أنت المتسبب فيه، وما سيحدث مستقبلاً أنت أيضا القاسم المشترك فيه بسبب التكبر وعدم احترام الخصوم إذا ما بقيت في مقعدك - وستبقى - فلا تطلب من أحد أن يحترمنا ونحن لا نحترم أحداً من الأساس .. أنت المسئول لأنك ببساطة "مسئول".

من الآخر .. إحنا ردحنا وبس، ولم ندرس عواقب الردح .. وللأسف البعض حتى الآن لا يجيد إلا لغة الردح.

في عام 1967 وبعد النكسة وبالتحديد بعد أن غرق الشعب المصري في أحزانه التي عاش فيها إلى اليوم، قرر الرئيس الراحل جمال عبدالناصر وقتها التنحي عن الحكم، وكان هذا تعبيراً وإدراكاً منه بأنه يتحمل المسئولية التاريخية عن الهزيمة، وقامت وقتها مظاهرات شعبية لمدة يومين تطالبه بالاستمرار، ولكني واحد من الناس أطالبك يا زاهر بالتنحي، ولن أكون آسفاً عليك بعد أن أهنت الشعب المصري ..