دهشت عندما رأيت الأرجنتين تسقط بنتيجة كبيرة وثقيلة للغاية أمام ألمانيا (أربعة أهداف نظيفة) في ربع نهائي المونديال، ولكن دهشتي كانت أكبر وأعظم عندما رأيت الآلاف من الأرجنتينيين يتعمدون استقبال المنتخب ومارادونا مثل الفاتحين أو المنتصرين.

فمثلما استحقت ألمانيا الانتصار بأربعة أهداف في مباراة ستكتب في التاريخ وستظل في أذهان مشجعي "المانشافت" طويلا، استحقت جمهور الأرجنتين أن يتذوق مرارة الهزيمة النكراء طالما أنهم لم يفرقوا بين إيجابيات مساندة شخص ناجح وسلبيات مساندة شخص فاشل.

لا خلاف أن مارادونا كان واحد من أعظم لاعبي العالم، بل إنه في وجهة نظري أعظمهم، فقد كان صاحب موهبة خارقة ربما فاقت موهبة بيليه نفسه سواء في ركل الكرة أو المراوغة بها أو حتى تمريرها، ولكن كل هذا الإطراء يتوقف عند مارادونا اللاعب فقط، فعندما نتكلم عن مارادونا المدير الفني ستختفي كل كلمات الثناء والإشادة وسيحل محلها أقسى كلمات النقد والذم.

مارادونا هبط بالباراشوت على الإدارة الفنية للمنتخب الأرجنتيني في واحد من أكثر القرارات استعراضاً لأي اتحاد كرة في العالم، فعندما يتم وضع مارادونا في منصب المدير الفني للارجنتين وهو لا يملك أي سجل تدريبي، فأنت تدرك أنك أمام قرار غير مبني على أي أساس منطقي.

لا خلاف أن مارادونا كان واحد من أعظم لاعبي العالم، بل إنه في وجهة نظري أعظمهم، فقد كان صاحب موهبة خارقة ربما فاقت موهبة بيليه نفسه

لا أريد الخوض كثيراً في الأمور الفنية لمباريات الأرجنتين فهي ليست موضوعي هنا و اعتقد أننا كلنا نعلم مهازل صعود منتخب التانجو إلي نهائيات المونديال وصولا إلى فضيحة السقوط أمام ألمانيا.

ولكني أريد أن أركز على نقطة تعمد الجماهير الأرجنتينية استقبال المنتخب - ومارادونا على وجه التحديد - وكأنهم أبطال عادوا لتوهم إلى بلادهم بعد إحرازهم لكأس العالم والتي لا يمكن وصفها الا بكلمتين فقط " مزايدة ساذجة".

فمارادونا لم يفعل أي شيء يستحق عليه المساندة في وقت الخسارة لأنه هو بالأساس سبب الخسارة، وما فعلته جماهير الأرجنتين باستقبالها له استقبال الفاتحين يؤكد أن بعض الشعوب مازالت تتجه "لا شعوريا" إلى "المزايدة العاطفية" سواء كمخدر للهروب من المشكلة أو كنوع من اساليب لفت انتباه الآخرين.

فالفارق كبير بين مساندتك لشخص أثبت نجاحه ثم حالفه سوء توفيق أو سوء تنظيم في أمر ما، وبين مساندتك لشخص ظل الفشل ملازم له منذ الخطوة الأولى وحتى الخطوة الأخيرة.

فعندما تساند شخص أثبت نجاحه بالفعل ثم صادفه الفشل بصورة استثنائية، فأنت تعطيه دفعة معنوية من أجل العودة للنجاح مرة أخرى وإكمال مشواره، ولكن عندما تساند شخص لم يثبت أي نجاح وظل الفشل صديقاً له فأنت بذلك تهدم كل أساليب التقويم وتجعل من الفاشلين أبطالاً يجبرون الناجحين على الاختفاء، لأنه ببساطة لن يكون هناك أي مكان لهم.

وما فعلته جماهير الأرجنتين باستقبالها له استقبال الفاتحين يؤكد أن بعض الشعوب مازالت تتجه "لا شعوريا" إلى "المزايدة العاطفية" سواء كمخدر للهروب من المشكلة أو كنوع من اساليب لفت انتباه الآخرين.

مارادونا المدرب بدأ فاشلاً مع الأرجنتين في تصفيات المونديال وظل فاشلاً معه حتى نهاية مشواره في البطولة، ولن يبقي في الذاكرة إلا لحظات تعمده عناق بقية الجهاز الفني أو اللاعبين عند إحرازهم للأهداف.

كما أصبح جلياً وواضحاً أن الجماهير الأرجنتينية نفسها شاركت في فضيحة منتخبها عندما أيدت مارادونا على طول الخط بدون تفكير لمجرد أنه معشوقها الأول وصاحب شعبية تفوق بمراحل شعبية الرئيس الأرجنتيني نفسه.

ولن أكون مجحفاً في حق هذه الجماهير إذا قلت إني أري أن مساندتها لمارادونا واحتفالها به عقب فضيحة المونديال ليست إلا وسيلة للتغطية والرد على شماتة البرازيليين والتي انطلقت كالنار في الهشيم عقب الرباعية.

احترام العلم والمنطق من جهة واحترام التخصص من جهة أخرى سيظلان درسين تجد فيهما الشعوب "العاطفية" صعوبة بالغة في تعلمهما، الأمر الذي يجعل تلك الشعوب تدور في حلقة مفرغة لا نهاية لها، وفي نهاية الأمر ستجد هذه الشعوب - في الظاهر فقط - يشيدون بالهزيمة من باب "المساندة" و"عدم إتاحة الفرصة للشماتة"، أما في الخفاء فستجدهم يبكون على حالهم الذي وصلوا إليه بأنفسهم وبما عملته أيديهم.

السؤال الآن، هل يذكرك هذا الأمر بناديك أو منتخب بلادك؟ الإجابة داخلك أنت وحدك.