بعد أن انهارت كل جوانب حياتنا وأصبحت فوضي عدم احترام الآخرين ومصادرة حقهم، لا تنتظر عزيزي المشاهد أن تسمع أي حرف من حروف كلمة اسمها "ثقافة" حتي وإن كانت يوماً ما تأتيك من خلال شاشة التليفزيون الذي يعد الآن وسيلة أولي في التواصل.

هناك العديد من الثقافات، ولن أخوض في شرح تفاصيل بعض منها، إلا إننا الآن داخل دائرة "ثقافة الاعتذار" التي بالفعل يجب أن تكون إحدي مواد التعليم الأساسي إذا كان الكبار لا يجيدونها ولم يسمعوا عنها حتي الآن.

وفي مجالنا الرياضي الذي هو الآن واحداً من أهم حلقات الوصل بين الأمم، لا يجب ألا يتحلى البعض من العاملين في هذا المجال - الذي يتابعه الملايين من هنا وهناك - لا يجب ألا يتحلى بلغة وثقافة الاعتذار مثلما يحدث عندنا دوماً .. فالخطأ وارد وكلنا بشر ..

إننا داخل دائرة "ثقافة الاعتذار" التي بالفعل يجب أن تكون احدي مواد التعليم الأساسي إذا كان الكبار لا يجيدونها ولم يسمعوا عنها حتي الآن

ولكن، من شيم الكبار أن يبادروا بالاعتذار، أما أن يخرج علينا البعض بأنباء غير صحيحة بل ومخجلة، وأكاذيب تعجل بانهيار علاقات بين أندية وجماهير بلدين، ولا يكلف أحداً نفسه ويتقدم باعتذار عما بدر، فتلك هي اصل الحكاية التي نحن بصدد المطالبة بها مثلنا مثل أي مشاهد له حق عليكم.

ففي خلال يومين متتاليين، طالعتنا اثنتين من أهم القنوات الرياضية صاحبتي نسبة المشاهدة العالية بخبرين الواحد منهم أعجب من الآخر، كان الأول من نصيب "مودرن سبورت" والثاني من نصيب "الحياة" وهما فضائيتين تسببتا في إثارة وإشعال موقف جديد مع أشقاء عرب .. واحنا اصلا مش ناقصين.

الأولي تحدثت عن إتمام الأهلي صفقة النيجيري اينرامو لاعب الترجي التونسي وبشكل رسمي، بل ووصفه الكابتن مدحت شلبي انه انفراد وسبق و"بكرة افكركم" وما إلي ذلك، ثم ظهرت الحقيقة المرة التي لا يحب أن يعترف بها المخطئ ويعتذر للمشاهدين وكأن شيئا لم يكن.

الحقيقة التي ظهرت هي نفي أربعة أطراف دفعة واحدة، أولهم وأهمهم اللاعب نفسه، ثم وكيله، ثم الترجي، وأنهاها النادي الأهلي تماما بنفي رسمي، وقد يكون الكابتن شلبي بالفعل سمع الخبر من احد المقربين للأهلي، ولكن لغة الإعلام تقول: تأكد من الخبر قبل نشره وتحري الدقة من مصادر قوية .. وأنت يا كابتن شلبي سيد العارفين لما لك من خبرة.

لم يخرج أحد ويعتذر عن هذا الخطأ ويبرر ويوضح الأمر وما حدث من خلط ولو بطريق تغطية الموقف أمام المشاهدين الذين من حقهم عليكم أن تقدموا لهم هذا الاعتذار مثلما تطالبونهم بالبقاء أمام شاشات قنواتكم

هذا الأمر غير المنطقي وغير الصحيح - وإن صح فهو غير مناسب في هذا التوقيت - جعلنا أضحوكة علي جميع المنتديات والمواقع التونسية، وزاد الأمر للتطاول علي مصر متمثلة في الإعلاميين الذين ما يلبثوا ينتهوا من أزمة إلا ونستهل مشوار تهدئة أزمة جديدة مع طرف جديد وكأنها لعبة فيديو جيم.

الأدهى أن أحداً لم يخرج ويعتذر عن هذا الخطأ ويبرر ويوضح الأمر وما حدث من خلط ولو بطريق تغطية الموقف أمام المشاهدين الذين من حقهم عليكم أن تقدموا لهم هذا الاعتذار مثلما تطالبونهم بالبقاء أمام شاشات قنواتكم التي هي في الحقيقة تخسر الكثير بهذا الأسلوب ومسئوليها غائبين عن تلك الحقيقة.

وفي اليوم التالي مباشرة، وبالتحديد أثناء مباراة الأهلي والإنتاج الحربي في الدوري، وفي الوقت الذي كان الأول متأخراً بهدف، إذا بشاشة قناة الحياة الثانية يتصدرها خبر عاجل يعلن عن استقالة مانويل جوزيه من تدريب اتحاد جدة!

وهنالك عدة أسئلة تدور حول حقيقة هذا الخبر، الأول: ما الهدف من الإعلان عن تلك الاستقالة في هذا التوقيت بالذات والأهلي متأخراً بهدف – إذا افترضنا أنها صحيحة؟ والثاني: بفرض أن الخبر صحيح، ما علاقة الأهلي والجماهير المصرية ككل باستقالة جوزيه من تدريب فريق غير مصري؟

أنا هنا لا اقلل من جوزيه ولا يمكن لأحد أن ينكر بصمته الراسخة مع الأهلي والكرة المصرية وعلاقته بجماهير الأهلي، ولكن إذا افترضنا انه بالفعل استقال، هل كانت تلك رسالة موجهة لجماهير الأهلي وإدارته في هذا التوقيت أم ماذا؟!

كل تلك الأسئلة لن يجيب عليها سوي صاحب الخبر ومن أعطي له الضوء الأخضر في الإعلان عنه في هذا التوقيت بالذات، بل ويجيب عنه من جاء بالخبر من الأساس، وإذا كان سمعه من فرد آخر فتلك مصيبة إعلامية أخري، لأن وقتها سيكون دور الإعلامي هو سماع ما يقال في الشارع وفي المقاهي وهذه اسمها "فهلوة" مش إعلام.

وهنا، أصبح التنقيب والبحث عن مصدر للخبر أشبه بمن يبحث عن دليل براءة لمتهم، فكان الأمر صعباً بالفعل، لأنه لم يكن نبأً منطقياً أيضاً - مثل موضوع اينرامو - فكيف وأين ومتي استقال الرجل وهو يصعد بالاتحاد إلي أقصي درجات النجاح، وبدأت الإدارة والجماهير في التغني باسمه مع كل فوز!

إذا افترضنا ان جوزيه بالفعل استقال، هل كانت تلك رسالة موجهة لجماهير الأهلي وإدارته في هذا التوقيت أم ماذا؟!

وأخيراً، وبعد التأكد من إدانة المتهم الذي نحن بصدد الحديث عنه، سادت المنتديات السعودية والاتحادية بالأخص حالة من الاستياء والسخرية من كل إعلامي مصري، بل إن جوزيه نفسه كان أول من ضحك والقي بالتعليقات الساخرة علي الإعلام المصري الذي ظل يحاربه حتي وهو خارج نطاق الوطن بترويج الشائعات من حوله.

وبعد التأكد من عدم صحة هذا "النبأ العاجل"، مرت الأيام ولم يخرج أحد أيضا لمجرد تفسير ما حدث حتي وإن كان خطأ غير مقصود أو شيء من هذا القبيل، فمن حق المشاهد أيضاً أن يفهم ما حدث، وأن يقوم أحد المنتمين لتلك القناة بالاعتذار عن ترويج تلك الشائعة المضحكة لتتوالي سقطات إعلامنا مع تونس ومن بعدها السعودية والبقية تأتي.

الغريب إن كل فرد في القنوات الفضائية الرياضية دائماً ما يدافع عن حق قناته وعن حقه شخصياً، ويلقي بالاتهامات يميناً ويساراً لكل من يفكر في التطاول علي أي منها، ولكنه لم يفكر ولو لمرة واحدة في حق المشاهد.

حق المشاهد ليس مجرد متابعة المباريات والبرامج .. ولكن حقه في تصديق من يراهم ويسمعهم ويثق بهم ويضيع وقته من أجلهم.