قال الشاعر الكبير نزار قبانى أن الحب على الأرض بعض من تخيلنا .. لم لو نجده على الأرض لاخترعناه .. ولم يكن ما قاله نزار مجرد كلام فى ديوان شعر .. وإنما حقيقة علمية وتاريخية واجتماعية .. فالحب فعلا فى تاريخ الناس مجرد اختراع ..

ليس غريزة أساسية ولا هو احساس يولد مع الإنسان فى الميلاد .. بل إن العشق والهوى والشموع والموسيقى الرومانسية وكلمات الغزل وأغانى الغرام لم يعرفها البشر إلا فى القرن الثانى عشر أثناء الحروب الصليبية .. وبالتالى .. ليست هناك أى قواعد او قوانين للحب ..

كل واحد فينا من حقه ان يصيغ رؤيته للحب كيفما يشاء .. كل واحد من حقه أن يضع للحب التفسير الذى يريده .. كل واحدة من حقها أن تختار للحب الشكل والمعنى الذى يرضيها .. ولهذا لم يعرف العالم أبدا قصص حب تتشابه .. أو الحب الواحد الذى يتكرر فى كل زمان ومكان .. إنما لكل منا طريقته فى الحب .. ولكل شعب أيضا .. فالحب على الطريقة الفرنسية .. غير الطريقة الصينية أو الإيطالية أو الهندية أو الأفريقية أو البدوية أو المصرية أو الفارسية ..

تعجبت أن يكون للأهلى كل هؤلاء العشاق الكثيرون جدا فى كل مكان .. ورغم ذلك لا أحد يتذكر الرجل الذى قضى وقتا طويلا يفكر ويحلم قبل أن يخترع ويؤسس النادى الأهلى ويهديه لمصر كلها

وليس فقط الحب الشائع بين الشاب والفتاة أو بين الرجل والمراة .. وإنما لكل منا طريقته فى حب الوطن .. الأم .. النفس .. الأهل .. البيت .. الأصدقاء .. الغناء .. النجوم .. وحتى حب الأهلى أو الزمالك .. فأبدا لا يتشابه كل عشاق الأهلى أو الزمالك .. وإنما يحب كل منا ناديه بالشكل الذى يعجبه ويستهويه .. وبالتأكيد ستجد للأهلى .. أو الزمالك .. داخل كل واحد فى الجمهور .. معنى وشكل وتفاصيل للحب قطعا تختلف تماما عن باقى الآخرين من عشاق الناديين ..

وأنا على سبيل المثال أعشق الأهلى .. ووجدت هذا العشق دافعا لى لأن أجلس وحدى يوم الخميس الماضى أحتفل بذكرى وفاة عمر بك لطفى .. أضىء له شمعة وأضع عود نعناع أخضر على قبر الرجل الذى مات فى مثل هذا اليوم .. الرابع من نوفمبر .. عام 1911 .. بعد أن أسس النادى الأهلى .. وقد تعجبت أن يكون للأهلى كل هؤلاء العشاق الكثيرون جدا فى كل مكان .. ورغم ذلك لا أحد يتذكر الرجل الذى قضى وقتا طويلا يفكر ويحلم قبل أن يخترع ويؤسس النادى الأهلى ويهديه لمصر كلها ..

وتعجبت من كل هذا الجحود والنكران الذى لا يستحقه رجل لولاه .. ماكان هناك شىء أو كيان .. اسمه النادى الأهلى .. وكنت أتخيل أن تكون هناك مواقع حمراء كثيرة تسبقنى هنا .. فى ياللاكورة .. فتنشر صورة عمر بك لطفى وتاريخه وحكايته وحروبه من أجل تأسيس الأهلى ..

على سبيل المثال أيضا .. أنا أعشق الزمالك .. ولكننى رأيت نفسى عاشقا خائبا وبليدا ولست مثل أحد عشاق النادى الأبيض الكبير الذى لا أعرف إلا اسمه الأول .. محمد .. والذى أزعجه جدا الأزمة المالية والهموم الثقيلة التى يشكو منها الزمالك .. فأرسل لى فكرته وتتلخص فى أن يصدر نادى الزمالك .. بالتعاون مع هيئة البريد .. طابعا بريديا بقيمة عشرة جنيهات .. ويتم طرحه للبيع فى كل مكاتب البريد على مستوى مصر كلها .. ويتم طرحه أيضا بقيمة عشرة دولارات فى الدول العربية والأوروبية .. وأن تعود حصيلة البيع طول الوقت لنادى الزمالك ..

فهذا العاشق لم يعجبه ولم يرضه أن يضطر رئيس الزمالك استجداء المساندة والدعم والمدد من أى رجل أعمال .. هذا العاشق آمن ولا يزال أن الزمالك بعشاقه وجماهيره أغنى وأكبر من أى رجال أعمال بل ومن كل رجال الأعمال فى مصر ..

وما أقصده من هاتين الحكايتين أن هناك ألف شكل .. وألف معنى .. لحب الأهلى أو الزمالك .. ولا يمكن بأى حال من الأحوال اتهام من لم يتذكر عمر بك لطفى .. أو من لا يعرفه أصلا .. بأنه لا يعشق الأهلى .. أو اتهام من لم يفكر فى حل لإنقاذ الزمالك من عثرته المالية الموجعة بأنه لا يعشق الزمالك .. لكن من المؤكد ان معظم عشاق الناديين الكبيرين يتشابهون فى شىء واحد .. مربك وحزين ومزعج للغاية .. فكلهم يمارسون العشق بمنتهى السلبية ..

غاية العشق عندهم أن يصرخوا طول الوقت بأنهم عشاق .. وأن يقذفوا الطوب والحجارة والشتائم على كل من يتخيلونه يمس ناديهم بأى سوء .. لكنك أبدا لا ترى أحدا من هؤلاء الكثيرين .. يقدم أى طرح إيجابة لمصلحة ناديه .. ففى العام الماضى .. حين انفجرت .. بفعل أصابع غير مصرية للأسف الشديد .. قنبلة اسمها التشكيك فى أحقية الأهلى بلقب نادى القرن واستحقاق الزمالك لهذا اللقب ..

لست على استعداد مطلقا للاقتناع بأن عشاق الأهلى والزمالك فى مصر وفى كل مكان .. أقل حبا وغراما والتزاما وإبداعا من عشاق أى ناد فى العالم

راح هؤلاء العشاق الكثيرون على الجانبين يتبادلون الشتائم وفرش الملاءات والانتقاص من القدر والتشكيك فى أى انجاز أو انتصار .. لكنك لم تجد عشاق الأهلى مثلا يقومون باى عمل إيجابى يدافعون فيه عن حق الأهلى فى اللقب .. ولا وجدت عشاق الزمالك يبذلون اى جهد فى لملمة تاريخ ناديهم العريق بشكل كامل وحقيقى لأول مرة رغم المائة سنة ..

والأن .. أعلن الزمالك أنه طلب من شركة إنجليزية وضع تصور لبناء استاد الزمالك فى 6 أكتوبر .. وأعلنت إدارة الأهلى أنها فى حاجة لتسعمائة مليون جنيه من أجل استاد خاص بالأهلى .. فهل يمكن لهذا الجمهور أن يكون له دور ومكان فى التفكير والتشييد والبناء .. أم انه جمهور سيبقى مختبئا مكتفيا بالكلام انتظارا لانتهاء البناء بالفعل ليتواجد بعدها فى المدرجات الجديدة يمارس ويستمتع بنفس الشتائم والطرق القديمة ..

لقد شاهدنا جماهير الأرسنال وليفربول والميلان وروما .. تخوض حروبا دفاعا عن أنديتها .. رأينا جماهير الريال والبارسا وكيف تمارس عشقها الطاغى والجميل والمجنون .. ولست على استعداد مطلقا للاقتناع بأن عشاق الأهلى والزمالك فى مصر وفى كل مكان .. أقل حبا وغراما والتزاما وإبداعا من عشاق أى ناد فى العالم .. لكننا فقط لم نسمح لهؤلاء من قبل بأن يمارسوا حبهم بشكل كامل وحقيقى ..

وأظن أنه قد جاءت الفرصة أخيرا .. وآن أوان العشق الحقيقى والخالص والضرورى .. وممارسته بشكل رومانسى وواقعى ورقيق وانيق وصادق فى الهواء الطلق وأمام الجميع .. من أجل الأهلى والزمالك .. ولمصلحة الكرة المصرية ومصر نفسها