أؤكد مبدئيا أننى إنسان مسلم شديد الاعتزاز بإسلامه وكتاب الله ورسوله عليه الصلاة والسلام حتى لا يفاجئنى أحد القراء بحرب شعواء ومقدسة دفاعا عن إسلام يتخيل هذا القارىء أننى أهاجمه أو أنتقص من قدره ومكانته.

ولكننى أود أن نلتفت كلنا لظواهر وحكايات كثيرة تجمع بين الإسلام وكرة القدم وتوالت علينا خلال الأيام القليلة الماضية مما بات يستدعى منا التوقف والاهتمام والتدقيق والتفكير أيضا.

فى القاهرة كان أبو تريكة يطالب جماهير الأهلى بقراءة القرآن لعودة انتصارات الفريق.

وفى باريس كان جوزيف بلاتر يصف مونديال 2022 فى قطر بمونديال المسلمين ويؤكد أنه هدية الفيفا لكل المسلمين.

وفى برلين كانت صحيفة بيلد الشهيرة لا تزال تناقش أمر سجود اللاعبين المسلمين فى ملاعب الكرة فرحا بالانتصار أو تسجيل هدف .. وفى لندن كان النجم الفرنسى أنيلكا يتحدث لصحيفة الميرور مؤكدا عنصرية فرنسا حكومة واتحادا للكرة للنجوم المسلمين.

ولا أظن الآن أنه بإمكاننا تجاهل كل ذلك والمرور به دون تمهل وتأمل ورصد وبحث ومناقشة أيضا .. فانا لم أكن سعيدا بدعوة أبو تريكة لسببين .. الأول أن ليس كل جمهور الأهلى من المسلمين وبالتالى ليسوا كلهم مطالبين بقراءة القرآن لكى تعود للأهلى انتصاراته.

وليس من اللائق تجاهل مصريين أقباط يشجعون الأهلى ويحبونه تماما كالمسلمين .. والسبب الثانى أن أبو تريكة أعلن دعوته وطلب من الجماهير قراءة القرآن لينتصر الأهلى قبل مباراة الفريق أمام الاتحاد السكندرى .. مع أننا اعتدنا أن نطلب من الله المدد ونستقوى بالقرآن على أعداء الله وأعداء القرآن.

ولاعبو الاتحاد السكندرى كانوا وسيبقون مسلمين تماما مثل لاعبى الأهلى وجماهيره .. ثم أن الأهلى لم يفز بالمباراة ولم تأت الانتصارات .. فهل هذا يعنى أى شىء له علاقة بالله سبحانه وتعالى أو الإسلام والقرآن الكريم.

هل لم يقرأ جمهور الأهلى القرآن بصدق أم أن قراءة جمهور الاتحاد السكندرى كانت أصدق وأعمق .. أم أنه ليس من الضرورى ولا من المقبول أصلا الزج بالدين فى مثل هذه الأمور .. فهى كرة قدم ولا علاقة لها بإرادة السماء .. ورغم ذلك فأنا أعارض تماما صحيفة بيلد الألمانية التى رفضت سجود اللاعبين بعد الانصار واحراز الأهداف.

وليس فى ذلك أى تناقض .. فأنا لا أوافق أن يطلب أبو تريكة أن ينصره الله ببركة القرآن على مسلمين آخرين .. لكننى أوافق وأحترم جدا أن يسجد أبو تريكة لله بعد كل هدف له شكرا لله وامتنانا على التوفيق والتألق.

والمشكلة ليست هى قلق مغالى فيه وليس هناك ما يبرره أبدته الصحيفة الألمانية العريقة بشأن سجود اللاعبين المسلمين .. وإنما هى مواقف جوزيف بلاتر المتناقضة .. فالرجل سبق أن اعترض على سجود المصريين وأبدى قلقه وانزعاجه من لقب منتخب الساجدين بنفس القدر الذى اعترض فيه على صلوات اللاعبين البرازيليين المسيحيين.

وقال بلاتر وعاد وكرر وأكد أن الفيفا ضد اقحام الدين فى ملاعب كرة القدم .. وطلب بإصرار والحاح أن تبقى الأديان كلها بعيدا عن الملاعب .. وفجأة .. نجد بلاتر الأسبوع الماضى فى حوار صحفى لجريدة فرنسية يؤكد أن مونديال قطر هو هدية الفيفا للإسلام والمسلمين.

وأعترف الآن بأننى فى البداية سعدت جدا بهذا اللقب .. مونديال المسلمين .. ولكننى بعد قليل من الوقت بدأت أنتبه وأعاود التفكير على مهل فى هدية السيد بلاتر وتصريحاته .. فما الذى جعل سلطان دولة الفيفا ينزل فجأة من عليائه ويتراجع عن كل مواقفه السابقة المتشددة مع الدين.

هل كانت دوافعه تلقائية وعفوية لمجرد أن قطر هى أول دولة إسلامية تستضيف المونديال .. وهل يعنى ذلك أن المونديال المقبل فى البرازيل هو مونديال المسيحيين وكل بطولات كأس العالم السابقة منذ انطلاقها فى أورجواى المسيحية عام 1930.

ولابد أن أؤكد الآن أننى لم أصدق أنها مجرد عبارة تلقائية جاءت بالمصادفة على لسان بلاتر .. ورغم أنى لم أكن أبدا من أنصار المؤامرة ولا اقتنعت يوما بأن العالم كله مهموم طول الوقت بالتآمر على المسلمين .. إلا أننى اندهشت وانزعجت من وصف دينى لمونديال قطر لأول مرة فى تاريخ الفيفا والمونديال.

فهل يخشى بلاتر أن تعجز قطر عن تنظيم واستضافة المونديال فيصبح المسلمون جميعهم فشلوا وأخفقوا ولم يستطيعوا .. أم أن بلاتر أراد لنا أولا أن نفرح بلقب مونديال المسلمين .. وأن نجرى كلنا نكتبه ونقوله ونكرره ونؤكده .. حتى يصبح بالفعل ونتيجة هذا التكرار مونديالا للمسلمين والإسلام .. فإن تضمن هذا المونديال أى خروج على أى قواعد أخلاقية أو اجتماعية يصبح المسلمون هم الذين خرجوا على القواعد أو على الأقل سمحوا بهذا الخروج فتسقط دعاواهم بالغيرة على دينهم.

وقد شاهدنا كلنا كيف بدأ هجوم غربى كاسح على قطر والعرب والإسلام فور تصريح بلاتر وإعلانه لقب مونديال المسلمين .. الشواذ جنسيا الذين أحتقرهم بالفعل بدأوا يسخرون من المسلمين والعرب .. العاهرات أيضا لم يترددن فى الانضمام لطابور الساخرين والأعداء والرافضين لمونديال المسلمين.

فهل كان بلاتر يقصد كل هذا واختار واعيا أن يضع الإسلام والمسلمين فى مرمى نيران الجميع وماكينات إعلامهم الضخمة واثقا أنه لا العرب ولا المسلمين قادرين على الدفاع عن هويتهم ودينهم وهم دائما مشغولون بقضايا أخرى ومعارك جانبية كما أنه يصعب أن يتفقوا على رأى أو فكرة أو منهج وطريق واحد.

وقد تكون كل ظنونى صحيحة وقد تكون أيضا كلها خاطئة .. ولكننى رأيت ضرورة طرحها هنا فى ياللا كورة داعيا الجميع لتبادل الحوار والنقاش .. ولهؤلاء الذين قد لا يصدقون أننى لست من أنصار نظرية المؤامرة الدائمة والتفسير التآمرى.

أؤكد لهم أننى لا أوافق ما قاله النجم الفرنسى الكبير أنيلكا لجريدة الديلى ميرور عن اضطهاد فرنسى رسمى وشعبى للاعبين المسلمين .. وأن أزمة فرانك ريبيرى مع منتخب بلاده فى المونديال الأخير فى جنوب أفريقيا .. وأزمة أنيلكا نفسه .. كان سببها الإسلام ولكن الإعلام الفرنسى هو الذى قدمهم للعالم باعتبارهم لاعبين متمردين بلا أخلاق أو انضباط.

ولا أصدق هذا على الإطلاق .. لم أقتنع أبدا بأن الإسلام هو المشكلة .. ولكن فرانك ريبيرى وأنيلكا كانا هما المشكلة .. ولو كانت فرنسا ترفض المسلمين إلى هذا الحد .. فلماذا لم تضطهد فرنسا زين الدين زيدان العربى الجزائرى المسلم ولكن حملته فوق الأعناق وأسكنته قلوب الفرنسيين جميعهم .. وما أود التأكيد عليه فى النهاية .. إن الإسلام أكبر وأرقى من أن نزج به فى ملاعب الكرة وانتصاراتها أو هزائمها .. الإسلام أعمق وأجمل من أن نزج به فى معاركنا الصغيرة وحروبنا اليومية .. وهون قطعا ليس شماعة نعلق عليها فشلنا أو أخطائنا ومشكلاتنا.