إذا كان الكثيرون .. ولهم حق .. يخافون من مباراة الأهلي والزمالك المقبلة .. وإذا كان عشاق كل فريق منهما يعتبر هذه المباراة وأي مباراة أخرى تجمع الفريقين بمثابة فرصة استثنائية لتأكيد السبق والتفوق وسحق الآخر وهزيمته .. وإذا كان بعض الذين يكتبون أو يتكلمون سيحبون ارتداء أقنعة الثقافة والعمق والفكر وتدفعهم رغبتهم للاختلاف عن الآخرين والتأكيد على أن تلك المباراة ليست إلا قمة وهمية وخائبة للكرة المصرية ولا تستحق كل هذا الصخب والاهتمام .. فإننى عكس كل هؤلاء .. أحب كل وأى مباراة للأهلى والزمالك.

أتعامل معها باعتبارها أكبر وأهم من مجرد مباراة .. وأرى لها كثيرا من المعانى التى قد لا ينتبه لها البعض سواء كرويا واجتماعيا أو حتى تاريخيا وسياسيا.

فمن الناحية السياسية .. يجب ألا ننسى أن الأهلي والزمالك طول الستين سنة الماضية .. كانا مظهر الديمقراطية الوحيدة والحقيقة فى مصر .. ففى بلد الرئيس الواحد والحزب الواحد والرأى الواحد .. كان الأهلي والزمالك وحدهما ضد كل ذلك .. وفى بلد لا يعرف تداول السلطة أو تغييرها إلا بقضاء الله وحده .. كان الأهلى والزمالك وحدهما هما اللذان يتبادلان الجلوس على القمة وامتلاكها كأمر طبيعي وضروري ودون الحاجة لأن يموت أى أحد.

وفى مجتمع يعيش الجمود والموات منذ زمن بعيد ولا تتغير فيه أى وجوه أو ملامح فى أى مجال من سياسة إلى غناء إلى صحافة إلى سينما إلى نواب فى مجلس الشعب .. كان الأهلى والزمالك وحدهما يشهدان طول الوقت تغيير الوجوه والنجوم والرهانات والأحلام وكل المعانى والأشياء.

فمن الناحية السياسية .. يجب ألا ننسى أن الأهلي والزمالك طول الستين سنة الماضية .. كانا مظهر الديمقراطية الوحيدة والحقيقة فى مصر

أما من الناحية الكروية .. ففى كل مباراة أشهدها الآن تجمع بين الفريقين .. أتذكر يوم اجتمع مسئولو الناديين فى شهر يناير عام 1917 للاتفاق على أول مباراة يلعبها الناديان معا .. فحتى ذلك الوقت كان الأهلي والزمالك لا يلعبان إلا مع أندية الإنجليز ويفوز كل منهما دفاعا عن مصر والكرة المصرية .. حتى جاءت اللحظة التى لابد أن يتواجه فيها الناديان معا ويخوضان مباراة تحديد زعيم الكرة المصرية.

فالمصريون كانوا قد تيقنوا قبل وقت طويل أنهم يجيدون لعب الكرة .. وأنهم ليسوا أقل من الإنجليز الذين اخترعوا هذه اللعبة وعلموها للعالم .. وأن الانتصار على الإنجليز فى ملاعب الكرة لم يعد مستحيلا .. ولا حتى صعبا بدليل انتصارات كثيرة حققها كل من الزمالك والأهلى على الفرق الأجنبية والعسكرية فى مصر .. وبالتالى استدار الجميع .. فى شوق وترقب وتحفز وفضول طاغ .. لمعرفة من منهما الأقوى حين يلعبان معا.

وبالفعل أقيمت تلك المباراة يوم التاسع من فبراير عام 1917 بعد مفاوضات وخلافات وشروط كثيرة واتفاقات مكتوبة تحمل توقيع مسئولى الناديين .. أول مباراة كرة قدم على الإطلاق فى تاريخ مصر كل اللاعبين المشاركين فيها من المصريين .. ملامحهم مصرية .. وكذلك أسماؤهم وطباعهم ومواهبهم .. وليس هناك بينهم لاعب واحد أجنبى أو خواجة .. إذ أنه قبل أن يلتقى الزمالك والأهلى فى أولى مبارياتهما .. لم تشهد مصر من قبل أية مباراة كروية كل اللاعبين فيها مصريون .. كما أنها كانت أيضا .. أول مباراة فى تاريخ مصر تقام من أجل كرة القدم فقط ولا شىء غيرها.

كل المباريات المهمة التى سبقتها اختلطت فيها الكرة بالسياسة بالصراع مع الإنجليز سواء كان واضحا ومعلنا أو كان مستترا داخل نفوس ومشاعر وأقدام .. وبالتالى أتذكر تلك المباراة كلما شاهدت اليوم مباراة للأهلى والزمالك .. أتذكر المعنى الرائع والدوافع النبيلة التى كانت وراء إقامة أول مباراة للأهلى والزمالك .. وفى يوم الخميس المقبل .. سأعيش فى تسعين دقيقة .. حوالى تسعين عاما من عمر مصر تختصرها مباريات الأهلى والزمالك .. وإذا كان الأهلى قد فاز بأول مباراة جمعت بين الفريقين فى شهر فبراير عام 1917 وأقيمت على ملعب الزمالك .. فإن الزمالك فاز أيضا بهدف وحيد فى المباراة الثانية التى أقيمت بينهما على ملعب الأهلى فى شهر مارس من نفس العام.

فالمصريون كانوا قد تيقنوا قبل وقت طويل أنهم يجيدون لعب الكرة .. وأنهم ليسوا أقل من الإنجليز الذين اخترعوا هذه اللعبة وعلموها للعالم

وعبر تلك الرحلة الطويلة .. كانت هناك مباريات يصعب نسيانها سواء لأهميتها التاريخية أو لمفاجأتها الكبرى .. فالأهلى كان هو الفائز فى أول مباراة نهائية جمعت بين الفريقين فى مسابقة كأس مصر عام 1928 .. فاز الأهلى بهدف لممدوح مختار صقر .. والزمالك كان صاحب أول فوز لأحدهما على الآخر فى بطولة الدورى العام.

 ففى أول مواسم الدورى العام تعادل الفريقان فى مباراة الدور الأول .. ثم فاز الزمالك فى مباراة الدور الثانى بهدف وحيد ليونس مرعى .. أى أنه فى مسابقة كأس مصر التى كان الزمالك هو أول ناد يفوز بها .. خسر فيها أولى نهائياته أمام الأهلى .. وفى دورى مصر .. الذى كان الأهلى هو صاحب أول ألقابه .. خسر الأهلي أمام الزمالك فى الموسم الأول.

ثم توالت مباريات كثيرة كان لكل منها حكاية وتاريخ .. يوم فاز الزمالك على الأهلي بستة أهداف فى نهائى الكأس عام 1944 .. وقد كانت تلك المباراة هى الأجمل والأشهر والأغلى فى تاريخ الزمالك .. تماما مثلما فاز الأهلى على الزمالك بستة أهداف أيضا عام 2002 وكانت أيضا المباراة الأغلى والأجمل والأشهر والأقرب لقلوب كل عشاق الأهلى.

أما التاريخ .. فلن ينسى مباراة الفريقين عام 1953 .. التي كانت حتى ذلك الوقت صاحبة أعلى إيراد فى تاريخ الكرة المصرية .. تسعمائة وخمسة وأربعين جنيها مرة واحدة .. وكان ذلك يعنى أن المصريين على استعداد دائما لأن يدفعوا الكثير من المال من أجل حب الأهلى والزمالك .. وهذا ما دفع بالرئيس جمال عبد الناصر للتفكير فى استثمار هذا الحب لمصلحة مصر .. وبالفعل لعب الفريقان عام 1955 بناء على طلب الرئيس عبد الناصر لجمع المال لتسليح الجيش المصرى .. وهى المباراة التى أدت أيضا إلى إقامة كأس الأمم الأفريقية بطلب من جمال عبد الناصر.

التاريخ لا ينسى أيضا مباراة عام 1956 حين لعب الأهلى للمرة الأولى أمام الزمالك بثمانية لاعبين فقط نتيجة إصابة اثنين من لاعبيه ثم طرد صالح سليم .. ومباراة عام 1972 التى لم تكتمل بعد ضربة الجزاء الشهيرة التى تسبب فيها مروان كنفانى وسددها فاروق جعفر فبدأ الشغب وتوقفت الكرة المصرية.

أما التاريخ .. فلن ينسى مباراة الفريقين عام 1953 .. التي كانت حتى ذلك الوقت صاحبة أعلى إيراد فى تاريخ الكرة المصرية .. تسعمائة وخمسة وأربعين جنيها مرة واحدة

ونهائى كأس مصر عام 1974 التى فاز فيها الأهلي 4 / 2 .. وكأس السوبر الأفريقية عام 1994 فى جوهانسبرج التي فاز بها الزمالك .. وعام 1986 حين لعب الفريقان فى حب مصر .. وثلاث مباريات لم يتواجه فيها الناديان وإنما شكلا فريقا واحدا لعب أمام توتنهام .. ثم نوتينجهام فورست .. ثم منتخب مصر لمصلحة قدامى الرياضيين .. وذكريات وحكايات ومباريات لا أول لها ولا آخر.

تاريخ طويل وجميل سيبقى رائعا رغم أنف من يكرهون الأهلي والزمالك .. ورغم أنف كل من يريد إفساد مباراة الخميس المقبل لأنه لا يحترم هذا التاريخ أو اعتزاز مصر بالناديين الكبيرين.