لست ساذجا أو خياليا أو منفصلا عن واقع بلادى بالغفلة أو العمد حتى أحاول وأسعى وأطلب أن تصبح كرة القدم سلاحا فى أيدينا نواجه به فتنة طائفية وأى فتنة أخرى تهددنا كلنا اليوم أو غد.

ولست أطلب ذلك لأننى لا أريد تحميل الكرة فوق طاقتها وأكثر من واجبها أو دورها الحقيقى .. فأنا مقتنع تماما بأدوار سياسية واجتماعية لكرة القدم قامت وتقوم بها فى مناطق وبلدان كثيرة فى عالمنا .. وإنما لا أطلب ذلك الآن لأن الكرة فى بلدى باتت هى الفتنة وليست السلاح الذى نواجه به أى فتنة أخرى.

الكرة فى بلدى الآن لم تعد لعبة ولا بطولة ومباريات ومتعة وتسلية وفرحة مؤقتة أو غضب عابر وإنما باتت للأسف الشديد هي الوطن المستعار والحياة البديلة حيث الكثيرين جدا يخوض كل واحد منهم حربه الخاصة المتخيلة التى ينتصر فيها فى كل مرة على عدو وهمى لا وجود له.

ولقد كان مشهد جماهير الأهلي والزمالك وهما يتبادلان شغل المواقع فوق كوبرى أكتوبر وميدان رمسيس يتبادلان الشتائم والإهانات وينتظر الجميع أول فرصة لتبادل الضرب والموت.

وإنما باتت للأسف الشديد هي الوطن المستعار والحياة البديلة حيث الكثيرين جدا يخوض كل واحد منهم حربه الخاصة المتخيلة التى ينتصر فيها

أحد المشاهد المتكررة أخيرا وكثيرا فى بلادنا .. كم الجهد الذى يستغرقه الاعداد لتلك المواجهات .. حجم التخطيط والتفكير ومدى الانشغال والتركيز والتألق فى إبداعات الجرم والشرور والأذى .. ليس لهم إلا معنى واحد فقط .. هو أن ذلك كله لا علاقة له بكرة القدم .. وأن هؤلاء ليسوا جمهورا عاشقا لكرة القدم .. وإنما الكرة هنا هى إما مجرد قناع كاذب تتخفى وراءه حقائق ومواجع أخرى لا يريد أحد مواجهتها .. أو أن الكرة هنا هى القشة التى تقسم ظهور هؤلاء فتفضح فى لحظة خوفهم وضآلتهم وقلة حيلتهم وهوانهم على أنفسهم.

ولا أعرف هل سيوافقنى القارئ أم لا .. ولكننى مقتنع أنها جريمة أو بلادة حس وشعور أن أكتب الآن باحثا عن الأفضل ومن الأحق بالفوز سواء كان الأهلى أو الزمالك فى وقت صعب وموجع تعيشه مصر منذ ليلة رأس السنة ودماء أقباط أبرياء تسيل أمام كنائس لم ترتكب أى ذنب أو خطيئة.

والأسوأ من ذلك هم هؤلاء الذين لا حس لديهم أو وعى أو ضمير وهم يحيلون حتى هذه المأساة السكندرية الأخيرة المؤلمة إلى وسيلة كاريكاتورية لتبادل السخرية والإهانة بين جماهير الناديين الكبيرين ..  تماما مثلما تحولت سابقا كل حوادث الوطن ومعالمه وقضاياه وتفاصيله إلى مجرد خلفية ساذجة وباهتة للقضية الأوحد والأخطر والأبقى والأهم .. هل الأهلى يفوز بالتحكيم وأن الزمالك هو نادى القرن الحقيقى وهل قائمة الثلاثين لاعبا كانت لمصلحة الأهلى أو أن القمة أقيمت قبل يناير استجابة لحسام حسن حتى لا يلعب عماد متعب مع الأهلى؟

فى رأى هؤلاء الذين أقصدهم .. باتت هذه هى القضايا الحقيقية لوطن موجوع ومكسور .. وأنا بالتأكيد يعنينى بشكل شخصي أن ينشغل كل الناس فى مصر بكرة القدم .. يعنينى بشكل انتهازى ألا تكون فى بلدى قضية أخرى أهم أو أسبق من كرة القدم .. لكنه للأسف يعنينى الوطن أكثر .. تعنينى مصلحة الناس أكثر .. وهؤلاء الناس لن يجدوا الوظيفة الغائبة ولا الزواج الصعب ولن تتحقق أحلامهم المستحيلة إن عاد جوزيه للأهلى أو نجح حسام حسن فى الفوز بالدورى أو بقى شيكابالا يشتم الأهلى أو بقى جمهور الأهلى متوترا وغاضبا وبقى إبراهيم حسن يتهم العالم كله بالتآمر على الزمالك.

تماما مثلما تحولت سابقا كل حوادث الوطن ومعالمه وقضاياه وتفاصيله إلى مجرد خلفية ساذجة وباهتة للقضية الأوحد والأخطر والأبقى والأهم .. هل الأهلى يفوز بالتحكيم وأن الزمالك هو نادى القرن الحقيقى

وأظنه ليس كثيرا الآن أن أطلب من الجميع لحظة هدوء ومصالحة مع أنفسنا وبلادنا ومع كرة القدم أيضا .. وبدلا من أن تجرنا الكرة لمزيد من العنف والحرائق .. ممكن أن تتحول الكرة إلى مدرسة نحتاجها كتلاميذ يتعلمون الحوار والديمقراطية وضرورة احترام الآخر بدلا من أن يبقى كل منا يعيش ويشاهد ويراقب ويتابع دون سذاجة وحماقة تصور أنه الوحيد الذى يفهم ويعرف ويستطيع .. دون غفلة وغباء تخيل أنه الوحيد الذى على صواب.

واسألوا كل الناس حولكم أو اقرءوا كلماتهم عبر المواقع والتعليقات .. فتشوا عن أهلاوي يعترف بفضائل للزمالك أو يمنح حسام حسن حقه فى التقدير والاعتبار بعد نجاحه فى تغيير شكل الزمالك .. فتشوا عن زملكاوى يشيد باستقرار الأهلى ونجاحاته الكثيرة مؤخرا .. فتشوا عن أهلاوى أو زملكاوى يعترف أى منهما بأخطاء داخل ناديه وفريقه .. فأنا والناس البسطاء فى بلادى نعرف ونردد دائما أن الكمال لله وحده سبحانه وتعالى .. وليس للأهلى أو الزمالك .. فضلا عن أننى لا أفهم كيف يمكن للإنسان أن يتعامل طول الوقت ويحاور من يختلف معه فى الدين أو الجنسية أو اللون أو اللغة والثقافة والعادات.

بينما يعجز طول الوقت عن التعامل والتحاور مع من ينتمى لناد آخر .. وأعرف أن هناك من سيرفض بشكل محترم ورصين دعوتى بالمصالحة بيننا وبين الكرة أو من سيسخر منى بشكل فج وخارج .. ولكننى أثق أن هناك من سيوافقنى الرأى والرؤية بأن التعصب الكروى فى بلادنا فاق كل الحدود وبشكل لم يعد محتمل.

تعصب كروى جعل العقول تتحجر والقلوب تتصلب ويصبح الانفجار وشيك الوقوع فى أى لحظة .. أثق أيضا فى أن كثيرين .. ممن يتابعون بهم وغم واهتمام وقلق وأرق ما يجرى الآن على ساحة الوطن ويشاركوني الرأى بأن ذلك لا يستقيم مع من لا تشغلهم إلا أخبار الكرة.

تعصب كروى جعل العقول تتحجر والقلوب تتصلب ويصبح الانفجار وشيك الوقوع فى أى لحظة

وياليتها مجرد أخبار للكرة وحكايا وقضايا .. فالإسبان يحبون الكرة مثلنا والإنجليز يهتمون بها أكثر منا والإيطاليون يصفونها كثيرا بأنه لعبة الحياة .. لكنهم فى تلك البدان البعيدة .. رغم كل ذلك .. تبقى لهم أولوياتهم وقضاياهم الأخرى وحياتهم أيضا .. فى تلك البلدان البعيدة لن تجد مواطنا يقيم الدنيا ويقعدها طالبا من الناس نسيان من ماتوا فى الإسكندرية ليلة رأس السنة ليتفرغوا للاحتفال بعودة جوزيه للأهلى أو ليواصلوا الحرب على قطر لأنها لم تسنح لحسن ياسر المحمدى باللعب مع الزمالك فى القمة الأخيرة .. لن تجدوا هناك كاتبا مثل الأستاذ محمود معروف .. قرأ وشاهد مثلنا ما جرى فى الإسكندرية وعرف عدد الضحايا والمصابين .. فألق بذلك كله فى سلة المهملات وتفرغ للمطالبة بتقديم شكوى للفيفا ضد جمهور الأهلي لأنه شتم شيكابالا .. وحسبنا الله ونعم الوكيل.