عودة مانويل جوزيه لقيادة النادي الأهلي باتت بالنسبة لكثيرين جدا من مشجعي النادي الأهلي بمثابة عودة الفارس الذي سيعيد للفريق مكانته واعتباره وسابق قوته وقدرته وانتصاراته .. أما بالنسبة للزمالك .. فقد باتت هذه العودة نوعا من التحدي لابد أن يخوضه الذي يريد القمة وعلى استعداد لأن يدفع ثمن الوصول إليها والبقاء عليها.

وكل ذلك يبدو طبيعيا جدا بكل ما يتضمنه من مغالاة في الثقة والفرحة أو الاستخفاف بالرجل وما قد يحققه .. طبيعية أيضا وجدا تلك الحرب النفسية التى بدأت تنشب بين المعسكرين الأحمر والأبيض بكل ما تضمنته من إيحاءات وردود وتعليقات ومشاعر متناقضة.

أما الذى لم يكن طبيعيا على الإطلاق فكان تطرف معظمنا الذى كشفته عودة جوزيه إلى بلادنا .. تطرف فكرى وعقلى حقيقى بات ظاهرا وواضحا ومؤكدا مهما حاول البعض تجميله أو تبريره أو تغطيته بمستحضرات تجميل ورموش مستعارة .. فقد قضيت الأيام القليلة الماضية أتابع بمنتهى الحياد والتركيز والاهتمام كل الكتابات التى تناولت مانويل جوزيه وتقييمه ومشواره وعودته للأهلى.

كتابات لم تتفق كلها على رأى واحد أو موقف واحد من الرجل .. وهذا أمر صحى وعقلانى وحضارى جدا .. فليس هناك فى حياتنا الشيء أو الشخص الذى لابد أن نتفق عليه كلنا .. وقد انتهى إلى الأبد زمن الإجماع الذى كان يفرضه على بلادنا السياسيون والإعلام الرسمى والحكومى.
ولكن الذى استوقفنى كان تعليقات الناس على ما كتبه أساتذتى وزملائى .. ولست أقصد بالطبع هواة الشتيمة والتجريح فى الآخر طول الوقت دونما تفسير أو تبرير .. وإنما أقصد تلك التعليقات الطبيعية التى فضحت حجم تطرفنا حتى وإن لم نعترف به .. فقد وجدت معظم الناس ليست على استعداد إلا للسير فى طريق واحد وبمنتهى التطرف .. جوزيه عبقرى أو غبى .. ناجح جدا إلى درجة التمجيد والانبهار أو فاشل جدا إلى درجة الاحتقار والسخرية .. هو الثلج أو النار .. الصواب أو الخطأ .. البطل أو المجرم .. هكذا دون أى حلول وسط على الإطلاق.

وجدت الناس لا تقبل من يقول لها بضع إيجابيات لمانويل جوزيه ومعها بضع سلبيات .. وجدت الناس لا ترضى عن الذى يشيد بمانويل جوزيه ثم يذكر للرجل أخطاء أو عيوب .. وجدت الناس تنتقد وتسخر وترفض الذى يشيد بمانويل جوزيه اليوم وقد كان يعاتبه أو ينتقده قبل ثلاث أو أربع سنوات أو الذى لا يرحب بعودة الرجل اليوم رغم أنه كان يشيد به قبل سنوات قليلة.

تطرف فكرى وعقلى حقيقى بات ظاهرا وواضحا ومؤكدا مهما حاول البعض تجميله أو تبريره أو تغطيته بمستحضرات تجميل ورموش مستعارة

وقادنى كل ذلك إلى اكتشاف حجم وقسوة التطرف الذى بات سائدا فى مجتمعنا .. ليس كرويا فقط .. وإنما فى سائر مجالات الحياة سياسيا وفنيا واجتماعيا وإنسانيا أيضا .. أصبحت أحكامنا وأراؤنا فى منتهى الحدة .. اللاعب أو الفنان أو حتى الصديق الذى نحبه .. لا يمكن أن نرى فيه أى خطأ أو عيب .. والذى لا نحبه .. أبدا لا نرى فيه أى ميزة أو فضيلة .. لم يعد بوسعنا أن نتخيل أو نقبل إنسانا فيه مزايا وعيوب .. فيه صفات جميلة وصفات أخرى ليست جميلة.

لم يعد باستطاعتنا أن نرى مباريات جميلة وأخرى رديئة لنفس اللاعب أو المدرب .. نعترف بنجاحات واخفاقات لنفس الشخص .. نصفق لبعض كتابات نفس الكاتب الذى نرفض بعض كتاباته وأفكاره الأخرى .. لم يعد ذلك متوافرا فى مجتمعنا .. لم يعد مسموحا لأحد إلا بالتصفيق المطلق لحسن شحاتة أو إدانته المطلقة.

لم يعد مسموحا لأحد أن يذكر أخطاء لأبو تريكة أو شيكابالا دون أن يعنى ذلك أن هذا الشخص لا يحترم موهبة وإبداع كل منهما فى ملاعب الكرة .. لم يعد مسموحا لأحد أن ينتمى للأهلى ويحترم الزمالك أو ينتمى للزمالك ويبدى فى نفس الوقت اعجابه بجوانب أو وجوه كثيرة فى الأهلى.

لم يعد مسموحا لأحد أن يقول أن مانويل جوزيه مدرب رائع .. لكن الأهلى لم يكن مضطرا للتعاقد مع الرجل بهذا المبلغ الضخم ولا كان الأهلى مضطرا لقبول كل شروط الرجل وطاقم المساعدين له من البرتغال .. وليس فى هذا اى تناقض .. وليس تناقضا أيضا أن تتغير وتتبدل رؤيتك لمانويل جوزيه أو حسام حسن أو أى مدرب أو لاعب أو مسئول.

وارد جدا أن تحكم اليوم بما هو متاح أمامك فتصدر الحكم الذى توقن أنه صحيح .. ثم تتوافر أمامك معلومات وحقائق أخرى .. أو حتى تقف أنت وتعاود النظر والتحليل والتفكير فتصدر من جديد حكما قد يكون مغاير لحكمك أو رأيك السابق .. فهذه هى الحياة .. وأتحدى كل هؤلاء الذين يسخرون من ذلك وأطالبهم بأن ينظروا فى داخلهم ليحصوا عدد الأصدقاء الذين لم يعودوا أصدقاء وعدد الحكايات الجميلة التى باتت قبيحة أو العكس.

فالدنيا ليست جامدة .. والأيام ليست متشابهة .. ووارد جدا أن يفشل مانويل جوزيه مع الأهلي .. فينتقده غدا الذين يشيدون به اليوم .. وسيكون ذلك أمرا طبيعيا وواقعيا .. وأنا لست أدعو للفوضى أو أخلق مبررات للبعض الذين يغيرون أراءهم ومواقفهم حسب مصالحهم الشخصية .. فهؤلاء تسهل معرفتهم .. وإنما أقصد الذين تتغير أراؤهم بعد تغيير قناعاتهم وإعادة حساباتهم من أول وجديد .. وهؤلاء كثيرون جدا وفى كل موقع أو مكان إلا أن مجتمعنا يرفض ذلك للأسف الشديد لأنه مجتمع لم يعد يريد التفكير ولا حتى الحوار.

وارد جدا أن تحكم اليوم بما هو متاح أمامك فتصدر الحكم الذى توقن أنه صحيح .. ثم تتوافر أمامك معلومات وحقائق أخرى

لم يعد مستعدا لمناقشة أى احتمال أو أى اتجاه آخر .. مجتمع متصلب يرفع طول الوقت شعار الطريق الواحد والاختيار الوحيد .. إما اليمين أو اليسار .. أما الكل أو لاشىء .. إما التصفيق أو القذف بالحجارة والشتائم .. وبالتأكيد أنا لن أكون مثل هؤلاء الذين أنتقدهم الآن .. بمعنى أن تلك هى رؤيتى ولكننى على استعداد لأن أحسن الإصغاء لرؤى الآخرين ووجهات نظرهم بمنتهى الاهتمام والاحترام .. وسأتابع كل القراء الذين أود كثيرا وجدا أن أقيم معهم حوارا دائما.

أتمنى أن أقنع كثيرين منهم بضرورة أن نتغير كلنا .. نتخلى عن مثل هذا التطرف الذى ساد حياتنا وبلادنا وعقولنا .. فليس هذا التطرف فى مصلحتنا الشخصية أو الجماعية .. ليس فى مصلحة الأهلى ألا يرى فيه عشاقه أى خطأ أو مشكلة وليس فى مصلحة الزمالك أن يبقى عشاقه طول الوقت يغطون عيوبه ويتخيلون أنها ليست موجودة .. ولا فى مصلحة الكرة المصرية ألا نصفق لسمير زاهر ورفاقه مرة حين يصبون ثم نلعنهم مائة مرة حين يخطئون .. ما هو العيب فى ذلك .. ولماذا يبقى مجتمعنا يرفض ويحارب ذلك .. وأين هو الإنسان .. سواء كان الذى يكتب أو يقرأ أو يتكلم .. وليست له أى أخطاء أو عيوب .. وأين هو المسكون بالنواقص والخطايا دون أن نجد فيه ميزة أو فضيلة واحدة ممكن أن نشكره عليها.