أنا ضد أى سياسة مصرية رسمية وإعلامية واقتصادية تختصر مصر كلها فى مدينة القاهرة وحدها .. ضد مبدأ وقاعدة وقانون وضرورة أن تموت أى مدينة فى مصر أو تموت مصر كلها لتبقى القاهرة وحدها.

ضد أن تواجه أى مدينة مصرية حادثة أو أزمة كبرى فنقرر مواجهة تلك الأزمة حسب الرؤية القاهرية وحدها دون أى التفات حقيقى لحدود تلك الحادثة وأبعادها ودلائلها فى تلك المدينة البعيدة عن القاهرة.

وبالتأكيد هناك أمثلة وشواهد وحكايات لا أول لها ولا آخر تؤكد أن مصر باتت هى القاهرة فقط .. الاهتمام والبناء والتطوير والإعلام والأحلام والعمل والترفيه والتعليم والعلاج والحياة كلها فى القاهرة وحدها .. وأى نجاح حقيقى تشهده أى مدينة أخرى فى أى مجال هو مجرد استثناء وليس قاعدة .. حكاية نهتم بها ساعة أو يوما أو أسبوعا على الأكثر ونعود بعده لا نرى إلا القاهرة.

وحتى لا يتعجل أى أحد ويتهمنى بإثارة أهل أقاليم والتلاعب بمشاعرهم واستغلال واقعهم الحزين والمؤلم .. أؤكد أن ذلك ليس القصد والهدف وأن الوضع الحالى ليس جديدا علينا وليس خطأ يتحمل مسئوليته فقط نظام حالى أو سابق أو أى مسئول بمفرده .. إنما كلنا شركاء وكلنا مسئولون أيضا.

ولأننى أحب منظار كرة القدم لرؤية أى واقع سياسى أو اجتماعى .. فإنني من خلال كرة القدم أرى مصر أيضا وقد تم اختصارها فى القاهرة وحدها بنادييها الكبيرين .. الأهلى والزمالك .. باتت وحدها تنال كل الاهتمام والحقوق والأحلام والأضواء .. وبمنطق كرة القدم ومنهجها .. يمكن تفسير الحالة المصرية ولماذا لم يعد المصريون يرون إلا القاهرة حتى وإن لم يكونوا من أهلها وسكانها.

فهناك مدن مثل الإسكندرية وبورسعيد والزقازيق وطنطا بدأت تلعب الكرة فى نفس الوقت تقريبا الذى بدأت فيه حكاية القاهرة مع نفس اللعبة .. وفى كل مدينة منها كان هناك ناد أو أكثر أسسوا مع الأهلى والزمالك أول اتحاد لكرة القدم فى مصر .. ونستطيع الآن المقارنة بين أندية تلك المدن وبين الأهلى والزمالك.

فإنني من خلال كرة القدم أرى مصر أيضا وقد تم اختصارها فى القاهرة وحدها بنادييها الكبيرين .. الأهلى والزمالك

فكروا وتأملوا وحاولوا وقارنوا .. ستجدون فى النهاية أن الأسباب واحدة .. وأن الإسماعيلية على سبيل المثال لم تصبح فى مصر قوة كروية عظمى مثل مانشستر الإنجليزية أو برشلونة الإسبانية أو ميلانو الإيطالية أو مارسيليا الفرنسية أو ميونيخ الألمانية لأنها لم تنجح قبل ذلك فى أن تكون مدينة كبرى تملك المال والأحلام والفرصة أن تجرى وتسابق عصرها وتثبت نفسها وتنال حقوقها ومكانتها.

ولأن الإسماعيلية .. مثل أي مدينة أخرى في مصر .. أسلمت منذ سنين طويلة كل قيادها للقاهرة التي منها يأتي المال والاختيار والقرار وكل شيء .. فلم يعد من حقها الاعتراض أو الانفراد بأي حلم حتى وإن كان حلم كرة القدم .. وطالما سألت نفسى لماذا ينقسم الناس في أي مدينة أخرى إلى جمهور للأهلي أو الزمالك.

أين النادي الذى يتجمع حوله سكان وأهل هذه المدينة .. وأنا أعرف طبعا أن كثيرين من الإسبان والإنجليز والألمان والإيطاليين يحبون برشلونة أو مانشستر يونايتد أو بايرن ميونيخ أو الميلان .. وهناك أندية عالمية بالفعل تتجاوز حدود المكان وحواجز الجغرافيا .. لكن يبقى لكل هؤلاء ناديهم المحلى الذى ينتمون إليه أيضا وبشكل حقيقى ومؤثر .. والدليل هو أننا لا ترى ملاعب إنجلترا ممتلئة فقط حين يلعب مانشستر يونايتد .. إنما هناك لكل ناد جمهوره وأنصاره وألوانه ومعانيه وقيمته أيضا.

وأظن أن قراءة واقع الكرة المصرية وتأمل خريطتها سيدلنا دون جهد أو عناء حقيقى على خرائط أخرى سياسية وتعليمية وعلاجية وترفيهية .. فالصعيد المنسي تماما والمغضوب عليه معظم الوقت .. لا وجود له على خريطة الكرة .. ومثلما يضطر موهوبو الصعيد فى كل المجالات للهجرة إلى القاهرة لينجحوا.

وهناك أندية عالمية بالفعل تتجاوز حدود المكان وحواجز الجغرافيا .. لكن يبقى لكل هؤلاء ناديهم المحلى الذى ينتمون إليه أيضا وبشكل حقيقى ومؤثر

فلاعبي الصعيد ايضا لا يجدون مكانا لهم إلا فى القاهرة .. وأقاليم الدلتا المهملة وشبه الغائبة على خريطة الخدمات والحياة فى مصر .. لها هذا الوجود الخافت على خريطة الكرة والدور الباهت في وقائعها وبطولاتها .. تكتفى بمجرد المشاركة .. البطولة بالنسبة لها هى مجرد زيارة مسئول قاهرى أو النجاح فى بناء مستشفى أو رصف طريق أو حفلة عابرة لمطرب قادم من القاهرة أو الفوز فى الكرة على الأهلي أو الزمالك.

وليس بهذا المنطق تتحقق الأحلام وتكتمل الحياة .. فالحياة لن تأتى إلا إذا جاء الطموح أولا .. حتى رجال الأعمال الذين يستحوذون على كل شىء من أراض إلى مزايا إلى حقوق الآخرين دون عدل أو منطق ومساواة .. هم على خريطة الكرة أندية الشركات والهيئات والوزارات التى ستحتكر قريبا كل شىء وحقوق أندية الناس الغلابة بدعوى أن هذا هو المستقبل والتطور الطبيعى للكرة فى زمن الاحتراف.

نفس الكلام الذى يقال تبريرا لزواج بين السياسة والحكم وبين رجال الأعمال وأموالهم أيضا نحت لافتة أن هذا هو الحل والخلاص والتطور الطبيعي للسياسة والاقتصاد .. لا أحد منهم يتذكر مدينته الاولى فيعود إليها بقوته وقدرته وطموحاته.

لا أحد يريد أن يرى الحياة ويشارك فى صنعها خارج القاهرة .. ولست فى حاجة للتأكيد للمرة الثانية أو الألف أننى هنا وطول الوقت .. لا أصدر أحكاما نهائية أو قاطعة .. ولا أقدم يقينا فوق أى تشكيك أو مراجعة أو تغيير .. إنما أطرح رأيا وفكرا وقبل ذلك كله أدعو لحوار حقيقى ودائم وتحويل زاوية التعليقات إلى منتدى حقيقى وساحة رائعة لكل الأفكار والرؤى وبحثا عن أى حلول أو محاولات لمواجهة كل همومنا ومواجعنا التى لا أول لها ولا آخر.

نفس الكلام الذى يقال تبريرا لزواج بين السياسة والحكم وبين رجال الأعمال وأموالهم أيضا نحت لافتة أن هذا هو الحل والخلاص والتطور الطبيعي للسياسة والاقتصاد

وأظن وبعض الظن حلال أننا لم نتوقف أبدا من قبل أمام تلك القضية بما تستحقه من اهتمام .. سواء كانت قضية المدن والأقاليم المنسية .. أو عدالة توزيع كرة القدم فوق الخريطة المصرية .. وهى قضية لا يجوز التفكير فيها بألواننا سواء الأحمر والأبيض بدلا من عقولنا وقلوبنا وخبراتنا ومعارفنا .. وقد تكون أول قضية كروية نفكر فيها ونتفق أو نختلف بدون تعصب للأهلى أو الزمالك .. بمنتهى الحب والاهتمام والتقدير المتبادل بين الجميع وللجميع أيضا.