أنا خائف من عودة كرة القدم بمبارياتها الرسمية وحكاياتها وقضاياها .. خائف أن ينسى الكثيرون .. فى لحظة .. كل ما قامت به مصر وما حققته ونالته ودفعت ثمنه كاملا دماء ودموعا خوفا وقلقا وشهداء سيبقون فوق الرأس وفى القلب والذاكرة والوجدان .. ويروح ذلك كله ولا تبقى إلا كرة القدم والسباق الدائم والمجنون بين الأهلى والزمالك.

خائف أن تعود الكرة فتسرق اهتمام الناس وأفكارهم ومشاعرهم ولا تسمح لها باستيعاب كل هذا الجديد الذى بات فى مصر .. خائف أن تعود الكرة ولا يبقى معنا من ثورة الشبان والفتيات الرائعين فى التحرير وكل مدينة مصرية إلا الالتفات للوراء وتصفية الحسابات ومن الذى ذهب إلى ميدان التحرير وأيد وشارك ومن الذى لم يذهب.

من الذى كان معنا ومن الذى كان ضدنا .. وتبدأ حروب جديدة .. مقلقة ومزعجة .. غالبا ستبدأ بنوايا صافية وحماسية وبريئة وسرعان ما سيقودها دون أن ندرى أو ننتبه أولئك الذين اعتادوا تسخير كل شىء لمصلحتهم .. الذين يجيدون العزف على أى آلة أو ركوب كل موجة .. موهوبون فى استثمار أى حدث ليبقوا وحدهم فى الصورة نجوما وأبطالا حتى وإن كانوا نائمين فى بيوتهم حين كان الشباب والفتيات يموتون وينزفون الدم والكبرياء على أسفلت التحرير.

خائف أن يقودنا التعصب الكروى الأحمق والمجنون إلى أن نحيل ثورة يناير وانتصار فبراير إلى مجرد أهلى أو زمالك .. فتتوالى النكات التى أرفضها مهما كانت جميلة وخفيفة الدم وتكثر التعليقات عن الثورة بمنظور أحمر أو أبيض .. وأن تنقل صحفنا وبرامجنا ومواقعنا أى كلمة أو إشارة للأهلى والزمالك وتربطها بالثورة التى غيرت شكل الحياة فى مصر.

خائف أن تعود الكرة ولا يبقى معنا من ثورة الشبان والفتيات الرائعين فى التحرير وكل مدينة مصرية إلا الالتفات للوراء وتصفية الحسابات ومن الذى ذهب إلى ميدان التحرير وأيد وشارك ومن الذى لم يذهب.

كأن تخرج صحيفة إسبانية تزعم أن جمهور الأهلى كان مؤيدا للثورة بينما كان جمهور الزمالك يؤيد بقاء مبارك رئيسا لمصر .. أو يخرج علينا فيلسوف إسرائيلى يتحدث لصحف وشاشات أوروبية مؤكدا أن الأهلى هو من قام بهذه الثورة فى مصر .. وهذا بالضبط هو ما أخشاه.

فهو أولا كلام غير صحيح على الإطلاق .. وطيلة أيام الثورة لم يكن هناك أهلى أو زمالك .. بل إن المصريين الرائعين قفزوا طيلة أيام الغضب والكبرياء فوق كل الحواجز والحدود .. فلم يعد هناك وقتها مسلمون وأقباط .. عشاق للأهلى أو الزمالك .. طبقات أو أقاليم أو ألوان أو أسماء ومعالم ووجوه.

كلهم كانوا مصريون ينتمون لوطن واحد يسكنهم حلم واحد يخص هذا الوطن ومستقبله وكل من فيه .. وأن يأتى اليوم أى أحد .. ليجرح ويشرخ هذه الصورة الاستثنائية المدهشة الرائعة ليقول أى شىء يخص الأهلى أو الزمالك .. هو إنسان عابث وأحمق ومجنون أو مجرم مع سبق إصرار وترصد يكره هذا الوطن حتى وإن كان يقوم بذلك من باب الاستظراف أو رغبة فى الاختلاف أو مدفوعا بولع وظمأ البحث عن أى شهرة وأى أضواء.

وأرجوكم ألا تسمحوا لأى أحد من هؤلاء بأن يأخذكم إلى حيث يريد هو فتمشون وراءه للأهلى والزمالك على حساب مصر وثورتها .. وحرام أن نسمح لأى أحد بتشويه صورة مصر وثورتها التى قال عنها النجم العالمى الكبير كريستيانو رونالدو أنها كانت أجمل وأهم من الدورى الإسبانى وكل مباريات كرة القدم فى أى مكان آخر .. نعم سيبقى الأهلى والزمالك .. وستبقى كرة القدم ومنتخبها.

وطيلة أيام الثورة لم يكن هناك أهلى أو زمالك .. بل إن المصريين الرائعين قفزوا طيلة أيام الغضب والكبرياء فوق كل الحواجز والحدود

ولا أدعو لاعتزال عشق الأهلى أو الزمالك أو الغرام بكرة القدم ومبارياتها وبطولاتها .. ولكننى فقط أتمنى أن يتأكد الجميع من أنه هناك معان وحكايات ومشاوير تسمو فوق أى صراع أو حساسية كروية بين الأهلى والزمالك ونجومهما وجماهيرهما.

أتمنى أن تعود إلينا الكرة .. أو نعود نحن إليها .. ليس بنفس قواعد وحسابات ما قبل الخامس والعشرين من يناير الماضى وكأنه لا شىء تغير فى بلادنا وحياتنا وشوارعنا وبيوتنا .. وإنما تعود الكرة المصرية ونعود إليها وقد أصبحت لعبة مختلفة .. راقية وحقيقية وخالية من أى فساد أو حسابات ومصالح شخصية.

نعود ونحن نريد تطبيق كل ما طالب به الناس فى ميادين مصر وشوارعها .. لا رئيس أو مسئول فوق المساءلة والحساب .. لا اتفاقات تجرى فى الخفاء ووراء الستار .. لا قوانين أو لوائح غامضة ومطاطة يجرى تفسيرها حسب الحاجة والمصلحة والوجوه والألوان .. لا حقوق ومزايدات يجرى تفصيلها بعيدا فى المطبخ وليس على مائدة اجتماعات ترعى المصلحة العامة وتحترم كل الناس .. لا برامج أو كتابات هدفها الوحيد هو التشهير بالناس أو التلاعب بمشاعرهم لتصفية حسابات قديمة أو جديدة .. لا فوضى أو عشوائية ومجاملات فى القرارات والسياسات.

أتمنى أن يتأكد الجميع من أنه هناك معان وحكايات ومشاوير تسمو فوق أى صراع أو حساسية كروية بين الأهلى والزمالك ونجومهما وجماهيرهما.

أتمنى أن تعود إلينا الكرة فى مصر وقد تغيرت .. وتغيرنا نحن أيضا .. بشكل يليق بمصر الجديدة التى شهدناها تعود قوية وقادرة وثائرة ومنتصرة تنفض عنها غبار الضعف والخوف والذل والسكوت .. إياكم أن تخافوا أو تسكتوا مرة أخرى أو تسمحوا لأى أحد بالحديث نيابة عنكم أو التلاعب بكم كأنكم أنتم الكرة وكأنهم هم الذين يربحون من لعب الكرة.