كثيرون منا اعترضوا على المطالب الفئوية التى تعددت وتوالت فى الأيام الأخيرة ممن يطلبون العدل والمساواة والتفتيش عن أحلام وحقوق ضائعة .. سبب الاعتراض كان ولا يزال أن هناك ما هو أهم من تلك الحقوق الكثيرة والمطالب الصغيرة .. أى حق الوطن نفسه فى استقراره وأمانه وحريته والبحث عن مستقبل أفضل يستحقه.

لكننى لم أجد نفس تلك الاعتراضات وأنا أجد أندية الكرة تجتمع وتطلب من أحمد شفيق رئيس الحكومة مستحقاتها المتأخرة لدى التليفزيون وهيئات حكومية أخرى .. فهل هو حرام على العمال والموظفين والعاطلين والباحثين عن الحياة .. وفى نفس الوقت حلال للأهلى والزمالك والاسماعيلى والاتحاد وبقية الأندية!

وإذا لم يكن الوقت الحالى مناسبا للالتفات لمطالب فئات ومجموعات كثيرة من الناس فهو قطعا ليس مناسبا أيضا لمطالب أندية الكرة .. ولا يعنى ذلك أننى لا أتفهم قسوة أوضاع تلك الاندية وحاجتها الملحة للمال .. فالظروف كلها تغيرت فجأة وبسرعة هائلة.

فالأهلى أدرك مسئولوه أن الكثير من رجال الأعمال الذين كانوا يسهمون فى دعم النادى والتكفل بالتزاماته لن يبقوا قادرين على ذلك بل وقد يصبح بعضهم هو الذى فى حاجة إلى مساندة .. ولن يجد الإسماعيلى أو الاتحاد أو المصرى بعد اليوم محافظا متفرغا لكرة القدم وأضوائها أو رجل أعمال يحلم بقبة البرلمان ويريد الجلوس تحتها مستغلا شعبية الكرة.

والزمالك الذى بدأت أزمته المالية بالفعل قبل انفجار ثورة يناير بدأ يواجه الآن أزمة أشد وطأة ومخاوف أكبر لأنه لم يعد هناك من يحفل بتقديم التبرعات سواء لناد كرة أو لأى أحد آخر فى مناخ مضطرب لا أحد يعرف يعرف متى يسترد هدوءه واستقراره.

وكنت أتخيل أن تبدأ كل هذه الأندية التفكير الحقيقى والمختلف فى أوضاعها المالية الآن ومستقبلا وأن يجتمع مسئولوها وهم واثقون أن زمنا جديدا بدأ فى مصر له قوانينه وحساباته المختلفة وبالتالى يجب التعامل معه بفكر ووعى ورؤية تليق بثورة نسفت كل الأوضاع القديمة فى مصر .. إلا أننى فوجئت بهذه الأندية تجتمع وتطلب من اتحاد الكرة أن يضع سقفا لأسعار اللاعبين .. وهو مطلب كوميدى للغاية .. لأن اتحاد الكرة أولا لا يستطيع وضع هذا السقف ولا يملك ذلك أيضا.

فالأهلى أدرك مسئولوه أن الكثير من رجال الأعمال الذين كانوا يسهمون فى دعم النادى والتكفل بالتزاماته لن يبقوا قادرين على ذلك بل وقد يصبح بعضهم هو الذى فى حاجة إلى مساندة

ولأن هذه الأندية نفسها هى التى ابتكرت سابقا هذه الحلول المصرية المبتكرة للتحايل على أى عقد فتم اختراع عبارات مثل تعديل العقود .. ترضية اللاعبين .. مقابل إعلانات ليست موجودة .. وأشياء أخرى كثيرة تصبح كل العقود بسببها مجرد حبر على ورق .. أى أن الأندية هى التى ابتكرت ذلك ثم جاءت اليوم تفتش عن الحل لدى اتحاد الكرة .. وهذه ليست سياسة الذى يريد بالفعل مواجهة مشكلة وحسمها .. إنما هو أسلوب يختاره من اعتاد الهرب من كل أزمة أو مشكلة .. لأن تلك الأندية وحدها هى القادرة على وضع أى سقف أو حدود تناسبها وتريدها لأسعار اللاعبين.

وأظن أنه من الضرورى الآن .. وبعد ثورة يناير .. أن تتغير سياسات تلك الأندية وأسلوب إدارة شئونها .. فقد كانت هناك كثير من الأخطاء .. وكانت هناك فوضى سقطت معها كل القواعد واللوائح .. وأصبحنا أمام مجموعة من المرضى بأمراض حقيقية وخطيرة لن تجدى معها أى مسكنات أو أقراص الفيتامينات.

فلا العلاج المناسب لأوجاع الأهلى هى استبدال رجال الأعمال الحاليين برجال آخرين يأتون ويدفعون لتبقى الماكينة دائرة بما تيسر حتى وإن بقى ذلك لا يكفى لسداد مرتب ضخم يتقاضاه جوزيه ومساعدوه .. ولا الحل الدائم للزمالك ومشكلاته هى أن يجمع المصريون العاملين فى الإمارات وبعض مسئولى نادى النصر فى دبى بعض التبرعات وتقديمها للنادى العريق ليسدد بعض التزاماته وديونه.

أو يستبدل الإسماعيلى والاتحاد والمصرى محافظا قديما بمحافظ جديد أو رجل أعمال لم يعد فوق مستوى الشبهات برجل آخر لم تطاله أى شبهات بعد .. وإنما لابد من حلول جذرية .. لابد أن تتحول كل هذه الأندية إلى مؤسسات حقيقية قادرة على إدارة نفسها والوفاء بالتزاماتها من شعبيتها وأرباحها الحقيقية دون أى تبرعات أو أموال تأتى وراء أبواب مغلقة أو فى شكل تبرعات وعطايا أقرب إلى أعمال البر والاحسان منها إلى القواعد الحقيقية لكرة القدم.

لابد ألا تبقى كل تلك الاندية الكبيرة مجرد نمور من ورق تبدو على حقيقتها عند أول أزمة فيظهر بوضوح ضعفها وعجزها وترهلها .. لابد أيضا من حسم كل تلك الملفات المفتوحة منذ سنين ليس لأنها صعبة وشائكة لدرجة يصعب حسمها وإغلاقها ولكن لأن الفساد الذى استشرى فى كل مكان بات يمنع اعطاء الحقوق لأصحابها وأصبح يحجب الرؤية ويمنعنا من رؤية الحق والصواب.

أو يستبدل الإسماعيلى والاتحاد والمصرى محافظا قديما بمحافظ جديد أو رجل أعمال لم يعد فوق مستوى الشبهات برجل آخر لم تطاله أى شبهات بعد

ملفات كثيرة وهامة مثل ملف البث التليفزيونى لمباريات الكرة .. فهذه الحقوق ملك لأندية الدورى وحدها .. بعيدا عن اتحاد الكرة وعن تليفزيون الدولة أيضا .. فاتحاد الكرة ينبغى أن ينال نسبته التى تقررها له الأندية مقابل قيامه بإدارة المسابقة لكن ليست له أى حقوق أخرى سواء فى البيع والتسويق أو التعاقد إنما هى رابطة الأندية التى تؤسسها الأندية وحدها دون أى تدخل خارجى من أى أحد أو من أى سلطة.

ومسألة أن الكرة فى مصر مثل رغيف العيش .. حق لكل مواطن .. مسألة تحتاج معاودة نظر .. لأنه فى معظم الأوقات كان حقا يراد به باطل .. وحكاية أن الكرة فى مصر مثل رغيف الخبز .. سقطت تماما منذ الخامس والعشرين من يناير الماضى بعد أن ثبت أن هناك فى مصر ما هو أهم من كرة القدم وما يسعد المصريين ويؤرقهم ويشغلهم ويحركهم قبل الكرة ونتائجها ومبارياتها.

وبالتالى علينا أن نضع جانبا كل الشعارات والأفكار والقناعات القديمة لنصبح واقعيين وواضحين ومحترمين أيضا .. ويعود التليفزيون المصرى مثل أى قناة خاصة أخرى .. إن أراد تلك المباريات فليدفع ثمنها ويخوض سباقا عادلا وشريفا مع الآخرين .. وفى نفس الوقت على تلك القنوات الأخرى أن تخوض نفس السباق بنفس الشرف والنزاهة .. فلا يجوز الجمع بين المشاركة فى إدارة أى اتحاد أو ناد وبين العمل الإعلامي فى أى قناة خاصة أو حتى فى التليفزيون ويجب فصل الإدارة عن الإعلام بقواعد ولوائح واضحة لا تحتمل التلاعب ولا تقبل الاستثناء تحت أى ظرف أو ضغوط.