منذ ثورة يناير .. واتهامات كثيرة تلاحق نجوم كرة القدم .. فى ميدان التحرير كان الثائرون يعتبون على النجوم الكبار الذين لم بأتوا للميدان .. ويغضبون من الذين انحازوا لصف الرئيس السابق مبارك ونظامه .. ويلعنون الذين لم يكتفوا بتأييد مبارك وإنما بدأوا يشتمون الثوار ويسخرون منهم إلى حد أن هناك أسماء لها تاريخها ومقامها الكروى الرفيع شاركت للأسف الشديد فى حرب الجمال والشروع فى قتل الناس فى ميدان التحرير.

وباستثناء جريمة الجمل وسفالة كل من شارك فيها بالتحريض والتشجيع أو بالفعل .. فقد كان من الطبيعي أن تكون هناك ثورة لها أنصارها ولها أعداؤها أيضا .. من يريدها ومن يعارضها .. من لا يعيش حياة حقيقية ويحلم بالتغيير ومن يستمتع بما هو عليه ولا يرحب بأى تغيير .. إلا أننى فوجئت بنبرة جديدة تسرى في أوساط الكثيرين للهجوم على كرة القدم والسخرية منها .. فلم يعد بعض أو معظم نجوم الكرة هم الذين لم يشاركوا فى الثورة وإنما باتت الكرة هى التى لم تشارك.

لم تعد هناك وجوه كروية شهيرة أساءت للناس وثورتهم ولكن باتت الكرة هي صاحبة الإساءة .. ويوما بعد آخر .. بدأت الاتهامات تتوالى وتنهال على رأس كرة القدم .. فباتت الكرة والهاء الناس بها هى الستار الذى من ورائه مارس الكبار كل فسادهم وخطاياهم .. أصبحت الكرة هى الحشيش الذى تعاطاه الناس حتى ينسون مواجعهم واحباطات حياتهم فاستكانوا واستسلموا لحزن واقعهم وماتت كلمة لا فوق شفاههم فتأخرت ثورتهم على الفساد والظلم وقضبان دنياهم .. وحين ثار المصريون أخيرا .. وبعدما بدأوا يحاكمون من ظلمهم وظلم بلادهم وأفسد فيها وقتل أحلامها وأضاع حقوقها وأرضها وأموالها .. بدأ الاستعداد لجرجرة كرة القدم وضعها وراء قضبان تلك المحاكمات.

وبقيت أتابع كل ذلك وأنا حزين لسببين .. أولهما أننى أحب بالفعل كرة القدم وواثق أن معظم المصريين يحبونها .. أما السبب الثانى فهو أن الكرة بريئة بالفعل من كل تلك الاتهامات .. فهى ليست مسئولة عن الذى لم يذهب إلى ميدان التحرير ولا الذى هاجم وانتقد أو سخر واعتدى على الذين كانوا فى الميدان يطلبون الحلم والحق والعدل والحرية .. والكرة ليست مسئولة عن الذى فسد وأفسد .. لا هى كانت سترا لفساد ولا غطاء لفاسد.

لم تكن أبدا لهذا الشعب حشيشا وأفيونا أو حقنة المخدر التي تغيب الوعى .. الكرة بالفعل بريئة من كل هذا .. ويعنيني الآن جدا تبرئة الكرة من كل هذه الاتهامات قبل أي حديث آخر أحتاج إليه عن فضائل الكرة التي تستحق منا جميعا الحب لا الكراهية والامتنان لا الغضب والحقد .. وهى في الحقيقة اتهامات ليست جديدة .. فقد سبق أن قالها بعض كتاب مصر في زمن الملك فاروق حين اتهموا الملك باستخدام الكرة لكسب ود الشعب فأطلق اسمه على نادى الزمالك لينافس رئيس الوزراء المشاكس والعنيد مصطفى النحاس باشا زعيم حزب الوفد والذى كان ينتمى للأهلى .. ولم يكن ذلك صحيحا على الإطلاق.

أما السبب الثانى فهو أن الكرة بريئة بالفعل من كل تلك الاتهامات .. فهى ليست مسئولة عن الذى لم يذهب إلى ميدان التحرير ولا الذى هاجم وانتقد أو سخر واعتدى على الذين كانوا فى الميدان يطلبون الحلم والحق والعدل والحرية

وقال كتاب آخرون فى زمن جمال عبد الناصر أن ناصر اخترع الصراع بين الأهلي والزمالك وأشعله ليصبح الناديان الكبيران هما الحزبان المسوح للمصريين الانضمام لأحدهما حتى ينسوا أن بلادهم وقتها لم تكن فيها ديمقراطية أو وجود لأى أحزاب سياسية فاستبدل عبد الناصر السياسة بكرة القدم.

وقال آخرون نفس الكلام فى زمن السادات .. ولم يكن كل ذلك صحيحا .. بل إن عبد الناصر كان أول رئيس لمصر يحضر في الملعب مباراة ودية للأهلى والزمالك بطلب من عبد الناصر شخصيا وخصص إيراد تلك المباراة بالكامل للإسهام في تمويل صفقة شراء أسلحة من تشيكوسلوفاكيا.
ولم يثبت مطلقا أن عبد الناصر تعامل مع الأهلي والزمالك باعتبارهما أحزابا بديلة لأى أحزاب سياسية .. بل إن عبد الناصر كان أول من دعا للاستخدام السياسي لكرة القدم وكان أول من فكر في إقامة بطولة كأس الأمم الأفريقية ليربط بين مصر وقارتها السمراء عن طريق كرة القدم.

ولم يكن السادات يهتم بكرة القدم ليستخدمها لتحقيق مصالحه وغاياته طيلة فترة بقائه رئيسا لمصر .. حتى جيهان السادات حين فكرت فى ترشيح نفسها لرئاسة الأهلي .. لم يكن ذلك نتيجة فكر سياسى بقدر ما كان وجاهة اجتماعية وشعبية وحدث تاريخي أيضا أن تصبح جيهان السادات أول امرأة تتولى رئاسة النادي الأهلي العريق.

أما مبارك .. فلم يكن فى حاجة لاستخدام كرة القدم لإلهاء الناس .. فقد كان لديه إعلام رسمي ضخم يتولى هذه المهمة ويقوم بها خير قيام .. ولكن تصادف فقط أن تحققت أكبر الانتصارات الكروية المصرية فى عهد مبارك .. ثلاثون عاما شهدت تأهل مصر للمرة الثانية فى تاريخها لنهائيات كأس العالم .. والفوز بخمس بطولات كأس أمم أفريقية .. وانتصارات قارية عديدة للأهلي والزمالك .. وهى انتصارات لم يصنعها الرئيس السابق مع كامل الاحترام لمن كانوا ينسبون أى انجاز لفضل رعاية الرئيس وتوجيهاته .. ولكن لا يمكن التأكيد على أن عصر مبارك لم يشهد محاولات للقفز فوق شعبية كرة القدم .. وبالتحديد من جمال وعلاء مبارك مع المنتخب القومى ومدربه ونجومه الكبار.

وقد كان المصريون بما يملكونه من ذكاء وقدرة طاغية على السخرية من أى أحد وأى شىء .. يدركون كل تلك المحاولات ويسخرون منها .. ويسخرون أيضا من إعلاميين كثيرين أطالوا حديثهم عن أفضال الأستاذ جمال والأستاذ علاء .. وبالتالي لا يمكن تخيل أن انشغال المصريين طيلة سنوات مبارك بكرة القدم وفرحتهم الطاغية والجماعية بمختلف انتصاراتها كان مشروعا سياسيا خطط له وأراده مبارك.

وهى انتصارات لم يصنعها الرئيس السابق مع كامل الاحترام لمن كانوا ينسبون أى انجاز لفضل رعاية الرئيس وتوجيهاته

ومن الظلم اتهام كرة القدم بأنها كانت احد أسلحة النظام ووسائله لإلهاء الشعب .. فكرة القدم فى الحقيقة أبدا لم تقم بهذا الدور .. كرة القدم انحازت لمصر والمصريين منذ أن ولدت فى مصر .. ارتبطت بهم سياسيا واجتماعيا وانسانيا دون أن تشغلهم عن قضاياهم الحقيقية .. تعرض المصريون بعد كرة القدم وعبر عصور كثيرة للاحتلال وللقهر والظلم والديكتاتورية والفساد .. فعارضوا أحيانا واضطروا للسكوت غالبا لكن دون أن يكون لكرة القدم أى دور فى ذلك .. بل إن كرة القدم على العكس تماما .. قامت فى تاريخ مصر بدور الذى ينشر الوعى والفكر ويجسد الرفض والغضب أو يمثل البهجة والفرحة.

ولعل بعض أو كثير من الناس لا يعرفون أن كرة القدم كانت تجسيدا لأول مقاومة مصرية جماعية للاحتلال الإنجليزي لمصر .. وكان ذلك عام 1895 حين شكل المصريون منتخبا كرويا يلعب بالنيابة عنهم أمام منتخب القوات الإنجليزية ويفوز عليهم فى العباسية لتفرح مصر كلها بهزيمة المحتلين ولو فى ملعب كرة قدم.

بل إن صفة المصريين كجنسية رسمية .. لم تظهر وتستخدم إلا منذ عام 1900 .. حيث صدرت فرمانات الدولة العثمانية بإعلان مصر إمارة مستقلة فى إدارتها الداخلية .. ثم انتهت العلاقة القانونية بين مصر والدولة العثمانية بعد إعلان الحماية البريطانية على مصر عام‏1914.

ثم صدر تصريح 28 فبراير عام 1922 والذى بمقتضاه أصبحت مصر دولة مستقلة ذات سيادة لأول مرة فى تاريخها .. ولم يستمتع المصريون بأنهم لأول مرة أصبحوا يستخدمون كلمة مصريين إلا فى مباراة لكرة القدم .. وكانت فى دورة أمستردام الأوليمبية عام 1928 .. وبالمصادفة كانت أمام الأتراك أنفسهم .. مصر ستلعب أمام تركيا التى كانت حتى سنوات قليلة مضت هى مالكة مصر وسيدتها.

ولم يستمتع المصريون بأنهم لأول مرة أصبحوا يستخدمون كلمة مصريين إلا فى مباراة لكرة القدم

والأتراك فى مصر كانوا هم السادة والحكام ووجوه الطبقات العليا الأرستقراطية .. فجاءت هذه المباراة كفرصة أولى وأخيرة ليثبت فيها الفلاحون المصريون انهم ليسوا أقل قوة أو شأنا من الاتراك أسياد الماضى البعيد والقريب .. ولهذا لم يكن من المستغرب أن تصدر جريدة الاهرام فى يوم المباراة .. الثامن والعشرين من شهر مايو عام 1928 .. وتحت عنوان دعوة لإخواننا المسلمين .. كتبت جريدة الأهرام تقول .. نطلب إلى كل رياضى مصرى أن يقف حول منتصف الخامسة بعد ظهر اليوم متجها نحو القبلة داعيا رب العالمين أن ينصر عبيده وأبناء عبيده لاعبى الكرة من المصريين على إخوانهم الأتراك فى ميدان أمستردام.

ولعب المصريون .. أجادوا وتألقوا .. وفازوا على الاتراك بسبعة أهداف مقابل هدف واحد لتركيا.. وفاضت الفرحة والبهجة فى القاهرة ومصر كلها .. ولأن المباراة أقيمت فى يوم وقفة عيد الأضحى .. فقد شعر المصريون أنهم امتلكوا عيدين .. عيد الأضحى .. وفى اليوم الذى سبقه عيد الفوز على الأتراك .. وكما شهدت هذه المباراة قبل أن تقام .. الصحافة المصرية لأول مرة تناشد المصريين الدعاء بالتوفيق لمنتخب مصر لكرة القدم قبل ان يلعب.

شهدت هذه المباراة أيضا لأول مرة ملك مصر يهتم بكرة القدم إلى هذا الحد .. وأن يبادر جلالته بإرسال برقية كتبها كبير أمناء القصر قال فيها: حضرة فؤاد بك أنور رئيس البعثة المصرية بأمستردام .. سر جلالة الملك .. ولى نعمتنا الأعظم .. من تلغرافكم الرقيق وكلفنى أن أشكركم وكذلك الفريق المصرى .. وأن يهنئكم بالانتصار الذى أحرزتموه.

وهكذا بقيت الكرة فى حياة وأيام هؤلاء المصريين الرائعين المدهشين الصابرين الأقوياء .. دلالة على الحب والانتماء والكبرياء وليست أبدا وسيلة لتغييب عقولهم أو مبرر لانشغالهم عن قضاياهم وبلادهم

وكان من الواضح أن المصريين بعد هذا الانتصار الكروى .. أحسوا بفخر وزهو أنهم مصريون .. وهكذا بقيت الكرة فى حياة وأيام هؤلاء المصريين الرائعين المدهشين الصابرين الأقوياء .. دلالة على الحب والانتماء والكبرياء وليست أبدا وسيلة لتغييب عقولهم أو مبرر لانشغالهم عن قضاياهم وبلادهم .. والدليل أنه حين قامت الثورة فى التحرير .. كانت الكرة حاضر منذ أول يوم .. فالكرة ليست هى هؤلاء النجوم الذين لم يأتوا وإنما كانت هؤلاء الملايين من العشاق الذين لم يمنعهم عشق كرة القدم من الغضب ومواجهة الألم والرصاص والموت من أجل مصر.