الزملاء والأصدقاء وشركاء الفكر والحب والطموح فى ياللاكورة .. جميعهم بمنتهى النبل والصدق يحلمون ويريدون لكرة القدم فى مصر دورا يتخطى حدود اللعب والتسابق على لقب أو بطولة.

يؤمنون بأن شعبية كرة القدم وعدد عشاقها فى مصر لابد أن يتحولوا إلى وسيلة للإسهام فى بناء مصر من جديد سياسيا واقتصاديا واجتماعيا .. هم يريدون رؤية الكرة فى البورصة وفى الشارع وفى المستشفى والمدرسة والجامعة.

وأعرف من الآن أن كثيرين لن يقتنعوا بما يؤمن ويحلم به أصدقائى فى ياللاكورة لأن هؤلاء الكثيرين لم يروا الكرة أبدا إلا مجرد لعبة .. لم يعرفوا ولم يهتموا أو دعاهم أحد من قبل لأن يعرفوا كل ذلك الذى تستطيعه وتقدر عليه كرة القدم .. وقد كنت مثل هؤلاء الكثيرين أرى الكرة أهلى وزمالك ودورى وكأس ومنتخب يفوز أو يخسر حتى بدأت أحاول أن أعرف وأن أفهم .. وأتمنى الآن أن يحاول ذلك كل أحد.

ولن أكتب الآن عن بداية محاولاتي وإنما عن نهاياتها .. ولا أزال أذكر يوم كنت مع جير لونستيد .. مدير أكاديمية نوبل للسلام .. داخل مكتبه البسيط والأنيق فى العاصمة النرويجية أوسلو .. وسألته متى تفوز كرة القدم بجائزة نوبل للسلام  .. وكان من الواضح أن سؤالي صعب جدا لدرجة أن مدير أكاديمية نوبل احتاج لبضع لحظات صمت إضافية .. استغرقها فى تفكير عميق .. قبل ان يقول لى أنها المرة الأولى خلال مشواره الطويل مع الأكاديمية وجوائزها الذى بدأ منذ سبعة عشر عاما .. التي يسأله فيها أى أحد مثل هذا السؤال.

قال جير لونستيد أيضا أنه على الرغم من المفاجأة .. ومن صعوبة السؤال وغرابته .. إلا أنه مضطر لأن يقدم إجابة حاسمة وقاطعة .. وهى أن كرة القدم بالتأكيد لا تستحق الفوز بجائزة نوبل للسلام .. وكانت الإجابة الحاسمة والقاطعة صادمة لى .. ووعدت مدير أكاديمية نوبل بأننى سأطرح نفس السؤال على كثيرين جدا فى العالم حولنا ثم أعود إليه فى أوسلو مرة أخرى نستكمل حوارنا.

وسألته متى تفوز كرة القدم بجائزة نوبل للسلام .. وكان من الواضح أن سؤالي صعب جدا لدرجة أن مدير أكاديمية نوبل احتاج لبضع لحظات صمت إضافية .. استغرقها فى تفكير عميق

وبالفعل تعددت رحلاتى ولقاءاتى وحوارتى مع كثيرين جدا .. بلاتر رئيس الفيفا .. جيل روبينز المديرة التنفيذية لكرة الشوارع بالولايات المتحدة .. يورجين جريسبيك ودانيال بينيرت المسئولان عن كرة الشوارع فى العالم .. جينز أندرسون مدير مؤسسة اللعب فى كوبنهاجن .. جودى ماكفرسون مديرة مؤسسة كرة القدم بدون ربح فى أمريكا .. أولمان جينتشيك مسئول الكرة من اجل التنمية فى كوستاريكا وأمريكا اللاتينية .. كات بايلز مديرة الإعلام عن كأس العالم للمشردين .. وعند آخرين كثيرين اختلفت بلدانهم وألوانهم وعقولهم وميولهم .. معهم تكلمت وتقاسمت هموم البحث عن إجابات وشاركتهم الأفكار والرؤى والنوايا وحتى الأحلام والطموحات.

وكان أكثر من التقيته وأطلت معه الكلام والاصغاء .. أدولف أوجى .. الرئيس السويسرى الأسبق والمستشار الرياضى للأمم المتحدة.
ولا ازال أذكر يوم كنا فى جنيف وهو يحكى لى عن تجربة رآها وعاشها فى مدينة ميدلين فى كولومبيا التى اشتهرت سابقا بأنها واحدة من عواصم المخدرات فى العالم .. وشهدت تلك المدينة قبل سبع سنوات مشروعا رياضيا اسمه جومبايو .. كان الهدف منه الاستعانة بالكرة للبحث عن السلام فى مدينة اعتادت فتح أبوابها لعصابات الإجرام والعنف والإدمان والدم.

كان المشروع عبارة عن دورات متتالية لكرة الشوارع .. يلعب فيها الأولاد والبنات ثم يأتي الأساتذة والخبراء يبدأون معهم فى الشوارع حوارا تختلط فيه الكرة بالأخلاق والفضائل والقيم بالتأكيد على مخاطر ومواجع الإدمان والجرائم وشرورها.

وبعد قرابة السنة بدأ كثيرون من الأولاد يرفضون الانضمام لأى من العصابات المنتشرة فى المدينة .. وعدد كبير منهم عاد ليواصل تعليمه أو يبحث عن عمل يتكسب منه العيش والرزق.

ويقول أدولف أوجى .. أن ما جرى فى مدينة ميدلين فى كولومبيا كان فى حقيقته انتصار لكرة القدم .. قال أيضا أن ما جرى فى ميدلين يستحق ما هو أعمق وأكبر وأهم حتى من جائزة نوبل للسلام .. فأن تسهم الكرة فى بداية تغيير حقيقى فى ثقافة شعب وفى سلوك وفكر أجيال جديدة قادمة فى دولة ما .. فهذا سلام حقيقى يستحق التوقف والاهتمام والاحترام.

وإذا كانت ميدلين فى كولومبيا وانتصار الكرة على المخدرات هناك هى إجابة المستشار الرياضى للأمم المتحدة .. فإن جيل روبينز .. المديرة التنفيذية لكرة الشوارع بالولايات المتحدة .. لها رأى آخر .. فهى تعتقد أن الكرة فى حد ذاتها قد لا تساوى شيئا .. المشكلة هى ما الذى يمكن أن يفعله الناس بالكرة .. هل يصنعون بها السلام أم يعلنون الحرب.

ما جرى فى مدينة ميدلين فى كولومبيا كان فى حقيقته انتصار لكرة القدم .. قال أيضا أن ما جرى فى ميدلين يستحق ما هو أعمق وأكبر وأهم حتى من جائزة نوبل للسلام

وقد اعتمدت جيل على عشق الناس للكرة فى تغيير سلوك الأطفال الفقراء والمهمشين وبصفة خاصة أطفال المهاجرين إلى الولايات المتحدة الأمريكية سواء كان آباؤهم قادمين من أفريقيا أو أمريكا اللاتينية .. ودعوة هؤلاء الأطفال لمواصلة تعليمهم دراسيا وأخلاقيا .. وأن يبدأوا الثقة في أنفسهم وفى قدراتهم بعيدا عن العنف والخروج على القانون.

ونجحت المؤسسة منذ تأسيسها قبل عشرين عاما فى مدينة أتلانتا تغيير  حياة ومستقبل أكثر من مائة ألف طفل فى أكثر من خمسة وسبعين مدينة أمريكية .. ومن أتلانتا فى الولايات المتحدة إلى كوبنهاجن فى الدانمارك .. حيث تأسست مؤسسة اللعب لاستخدام الرياضة من أجل نشر الثقافة والمعرفة ومن أجل تعليم الجميع كيف ينالون حقوقهم السياسية والثقافية والاجتماعية .. ويديرها صديق قديم وعزيز هو جينز أندرسون.

وكان جينز يردد دائما أننا نحن الذين نصنع الخير أو الشر بكرة القدم .. وإذا كنا نقتنع بأن كرة القدم نفسها بريئة من كل هذه الحروب أو حوادث العنف والشغب التى نشبت ووقعت بسببها .. فإن كرة القدم بنفس هذا المنطق .. بريئة أيضا .. من كل أعمال الخير التى كانت الكرة طرفا فيها .. وإنما يستحق التحية وأية جائزة الذى قام بهذه الأعمال وليست بالتأكيد كرة القدم نفسها.

قال جينز أيضا أن هناك منظمات صغيرة قامت بأدوار كبيرة ونجاحات حقيقية فى صنع السلام مثل مدارس متعة كرة القدم والتى تأسست فى إقليم البلقان حيث الصراعات الدموية هناك وحيث باتت الكراهية والرغبة فى الثأر والانتقام تسكن تحت جلد الجميع .. أو مشروع ماتارى الداعى إلى تغيير حياة الأطفال التعساء الذين يعيشون فى العشش والأكواخ على أطراف العاصمة الكينية نيروبى.

وربما تكون واحدة من تلك المؤسسات التى تحدث عنها جينز أندرسون .. هى مؤسسة "العبوا كرة القدم" .. التى أسستها فى عام 2001 الصديقة الجميلة جودى ماكفرسون فى الولايات المتحدة الأمريكية .. وبهدف استخدام سحر وشعبية كرة القدم وبالتحديد لدى الأطفال والصغار لتعليمهم كيف يبنون مستقبلهم وكيف يصنعونه أيضا .. كيف ينبذون العنف والكراهية والتعصب ويعيشون الحياة ويمارسون الحلم فى غد أفضل وأجمل.

هناك منظمات صغيرة قامت بأدوار كبيرة ونجاحات حقيقية فى صنع السلام مثل مدارس متعة كرة القدم والتى تأسست فى إقليم البلقان حيث الصراعات الدموية

وقد بدأت هذه المؤسسة ـ ولا تزال ـ تدير مشروعاتها فى الولايات المتحدة .. وغانا .. والسنغال .. وجنوب أفريقيا .. وزامبيا .. ومالاوى .. والكاميرون .. والصين .. وبدأت هذه الموسسة تنجح .. وبدأت حياة كثير من الأطفال فى تلك البلدان تتغير .. وكثيرا ما تحدثت جودى معى عن أحلامها الخاصة والمتمثلة فى إقرار السلام عن طريق كرة القدم .. وفى زرع الحب بدلا من الكراهية وفى صنع المستقبل الأفضل عن طريق كرة القدم.

وأظن أنه من المناسب التوقف عند كأس العالم للمشردين .. الفكرة التى ولدت فى مدينة كيب تاون فى جنوب أفريقيا عام 2001 .. حيث انعقد هناك مؤتمر دولى عن المشردين فى العالم .. واتفق الصحفى النمساوى هارالد شميدت والاسكتلندى ميل يونج على تنظيم كأس عالم لكرة القدم للمشردين. كان الغرض والقصد هو لفت انتباه العالم لهؤلاء المشردين.

كانت الفكرة ـ ولا تزال ـ شديدة النبل والعمق معا .. فأن يجتمع هؤلاء المشردون ليلعبوا كرة القدم .. هى الدلالة على أن هؤلاء الأطفال محرومون من أشياء كثيرة تأتى كرة القدم فى المرتبة الأخيرة فى قائمتها .. ومعنى ان ينال الطفل المتشرد حق لعب كرة القدم .. أنه قد أصبح له بيت وسقف ينام تحته .. وأصبح من حقه أن يتعلم .. وان يلقى العناية والرعاية اللازمة ليواجه أوجاعه .. وأصبح يملك الثياب التى يرتديها ويستر بها جسده العارى وعورات زماننا وحكوماتنا.

وقد نجحت الفكرة .. وكنت ـ لحسن الحظ ـ احد متابعيها منذ بدايتها .. وربطتني علاقة الود والاحترام بكل قادتها والمسئولين عن إدارتها .. وقالت لى كات بايلز .. مديرة إعلام المؤسسة وواحدة من المسئولين عنها .. أن ما حققته كرة القدم لآلاف الأطفال المشردين فى العالم .. كان ولا يزال انجازا هائلا .. لكنه ضاع وسط الحديث الدائم عن كرة القدم وأموالها وفسادها .. فلم يكن هناك من يود أن يبتعد عن نجوم كرة القدم وحكاياتهم وانتقالاتهم وفضائحهم .. ليتابع عن قرب كيف يمكن لكرة القدم أن تسهم فى توفير بيوت وكساء وتعليم ودواء للأطفال المشردين الفقراء فى أكثر من ثمانية وأربعين دولة.

فلم يكن هناك من يود أن يبتعد عن نجوم كرة القدم وحكاياتهم وانتقالاتهم وفضائحهم .. ليتابع عن قرب كيف يمكن لكرة القدم أن تسهم فى توفير بيوت وكساء وتعليم ودواء للأطفال المشردين

قالت لى كات أيضا أنها تتمنى يوما ما ياتى ويقترب .. يدرك فيه الناس أنهم يعيشون عصرا باتت كرة القدم فيه هى السلاح الحقيقى المتاح للجميع لمواجهة أزمات كثيرة .. ولصنع السلام الحقيقى على هذه الأرض.