قبل أي كلام سأكتبه عن حسن شحاتة .. أود التوقف أولا عند ليلة طويلة وجميلة قضيتها فى بيت القدير والشهير محمود الجوهرى .. كان الرجل وقتها يعيش أوج قوته وانتصاره وكبريائه .. قاد منتخب مصر للفوز ببطولة أمم أفريقيا فى بوركينا فاسو عام 1998 وأصبح نجم النجوم الذى يحترمه الجميع وأول مدرب للمنتخب فى تاريخ الكرة المصرية يهتف الجمهور بإسمه ويتسابق الناس لالتقاط الصور معه أكثر من أى نجم أو لاعب آخر فى الفريق.

وقد ذهبت إليه تلك الليلة لأننى أردت تقديم الوجه الآخر لجنرال الكرة المصرية .. الجوهرى الإنسان وليس المدير الفني لمنتخب مصر .. وبالفعل نجحت فى تقديم جوهرى آخر للناس .. عاشق الموسيقى والغناء الذى جلس أمام البيانو يعزف ويغنى .. الرجل الذى أطال الحديث ليلتها عن الغرام والهوى ورؤيته للمرأة .. تلميذ المدرسة فى حلوان الذى لم يتخيل أبدا أن يأتيه يوم يصبح فيه مدربا يقود مصر لنهائيات كأس العالم ويفوز لها بكأس الأمم الأفريقية بعيدا عن القاهرة.

وفوجئت بالجوهرى يقرر السماح لى بدخول غرفة الأسرار الكروية الخاصة به التى لم يدخلها أحد قبلى .. كل جدرانها كتب عن الكرة وشرائط لأهم وأشهر مباريات الكرة مصريا وعالميا .. وفى تلك الغرفة سألت الجوهرى .. لماذا لا يترك منتخب مصر الآن .. فأطال الرجل النظر لى وهو يجاهد ليمنع نفسه من الصراخ فى وجهى واتهامى بالجنون.

ثم قضينا الخمس دقائق التالية كل منا يتأمل فنجان القهوة أمامه قبل أن يسألنى الجوهرى من جديد عما أقصده من قبل .. فبدأت أشرح له أن رحيله الآن عن المنتخب وهو فى أوج التألق والانتصار سيعنى بقاء الجوهرى أسطورة دائمة لا يطالها أو ينتقص منها أحد .. قلت أيضا أننى لا أشكك فى قدرة الجوهرى ومكانته وموهبته ونجاحاته .. لكننى لا أضمن أن يتأهل الجوهرى مرة أخرى لنهائيات كأس العالم أو يفوز من جديد بكأس الأمم الأفريقية .. وبالتالى فمن الذكاء استئذان الناس الآن فى الغياب حتى يبقى الجوهرى دائما هو الأكثر حضورا فى الذاكرة الكروية المصرية.

قلت أيضا أننى لا أشكك فى قدرة الجوهرى ومكانته وموهبته ونجاحاته .. لكننى لا أضمن أن يتأهل الجوهرى مرة أخرى لنهائيات كأس العالم أو يفوز من جديد بكأس الأمم الأفريقية

احترم الجوهرى وجهة نظري لكنه لم يقتنع بها .. لم يتصور أن يكتب بنفسه نهاية مشواره مع المنتخب .. وأصر على البقاء .. وبقى بالفعل حتى جاءته الخسارة القاسية فى كأس القارات أمام السعودية ليخرج الجوهرى ويترك المنتخب ولكن ليس بإرادته.

ويكرر الجوهرى بذلك الخطأ الشائع الذى يمكن أن نقع فيه كلنا حين لا نهتم بمعرفة الأوقات المناسبة للرحيل والغياب والاستئذان فى الانصراف .. غرورنا يجعلنا دائما نتخيل أنه لا شىء سيتغير .. نتوهم أن كل شىء سيبقى على حاله .. نظن أنه ما من قوة فى الدنيا تستطيع إخراجنا من دائرة الضوء التى نحن فيها نحصد النجاح والبريق واهتمام الناس وشغفهم .. وفجأة .. يتغير كل شىء ونخرج بأسوأ صورة كنا نتوقعها ولا تشفع لنا أى انتصارات أو أمجاد قديمة.

ولأن الجوهرى بالنسبة لى صديق عزيز ورائع .. فقد بقيت العلاقة قائمة بيننا بمنتهى الحب والاحترام .. وقد سألته بعد ذلك بسنوات عما قلته تلك الليلة فى غرفة الأسرار الكروية .. فاعترف لى أخيرا أننى كنت على حق .. وأن الامور كانت ستختلف تماما لو أصغى إلى ليلتها وعمل بنصيحة صديق لم يكن يريد له إلا الخير والمصلحة.

ولا أعرف هل كان هناك من قدم نفس النصيحة لحسن شحاتة بعد الفوز بأمم أفريقيا للمرة الثالثة على التوالى العام الماضى فى أنجولا .. أم أنه لم يكن هناك من يجروء أن يطالب شحاتة فى أوج هذا المجد بأن يجمع حاجياته ويرحل دونما انتظار لبطولة رابعة قد تأتى أو لا تأتى .. وأنا واثق أن شحاتة لم يكن ليقبل تلك النصيحة من أى أحد .. فالكرة المصرية تماما مثل السياسة المصرية .. لا تعرف هذه المدرسة ولا تحترمها أيضا.

ويكرر الجوهرى بذلك الخطأ الشائع الذى يمكن أن نقع فيه كلنا حين لا نهتم بمعرفة الأوقات المناسبة للرحيل والغياب والاستئذان فى الانصراف

ففى مصر .. يحب الرئيس والوزير والمحافظ والمسئول والإعلامي البقاء على مقعده حتى يفارقه مضطرا وغالبا بشكل غير لائق تماما .. وفى اتحاد الكرة أو أى ناد .. مستحيل أن يقرر أى مدرب أو لاعب أو إداري أو مسئول الرحيل من تلقاء نفسه .. ولكنه سيبقى حتى يصبح ضيفا ثقيلا غير مرحب به فى أى مكان .. وهى ثقافة مجتمع من الضروري أن تتغير بعد يناير.

من الضرورى أن نعود كلنا فى مصر بشرا لهم حدود ونهاية وسقف لقدراتهم واستمرارهم وليس من الضرورى أن يكون هناك فرعون داخل كل واحد منا يصر على أن يبنى هرما يخلد به إسمه وصورته وسيرته .. فالحياة ما عدت تسمح بذلك ولا الناس أيضا.

ولست أذكر اسم الفيلسوف الرائع الذى قال أن أصدق وأعمق تفسير للخلل النفسى هو أن يشعر الإنسان أن وجوده هام جدا لتستمر الحياة .. وهناك فى العسكرية العالمية يقين بأن القائد العظيم ليس هو الذى يقود جيشه إلى النصر .. فكل القادة مفترض فيها القيام بذلك .. إنما العظيم هو القائد الذى يعرف كيف يحافظ على نفسه وعلى جنوده إن اضطر للانسحاب فينسحب بأقل قدر من الخسائر.

ولست أعرف هل سينسحب حسن شحاتة الآن .. أم سيبقى يريد مطارة أمل ضئيل فى لحاق مصر بنهائيات كأس الأمم المقبلة .. وسواء انسحب أم لم ينسحب .. فهل يمكن اعترافه بأخطاء وقع فيها .. أم أنه سيبقى تلميذا مخلصا فى مدرسة مصرية أخرى شعار أهلها أنهم أبدا لايخطئون .. وبالتالى هم ليسوا أبدا فى حاجة لأى اعتذار يقدمونه لأى أحد.

وقد كان يربكنى ويصدمنى مدربون كبار مثل اليكس فيرجسون وجوزيه مورينيو ومارتشيلو ليبى حين يعتذرون لجماهيرهم حين يخطئون فى إدارة مباراة .. لكن لا أحد يعتذر فى بلادنا .. إنما السبب دائما هو الحكم المتخلف والمناخ المتحيز والأرض والسماء والأمم المتحدة وأى شىء وأى أحد إلا المدرب نفسه.

وهناك فى العسكرية العالمية يقين بأن القائد العظيم ليس هو الذى يقود جيشه إلى النصر .. فكل القادة مفترض فيها القيام بذلك .. إنما العظيم هو القائد الذى يعرف كيف يحافظ على نفسه وعلى جنوده

أما اللاعبون .. فلا أحد بالطبع يفكر فى الاعتزال .. وللأمانة لابد أن أعترف الآن وبكل شجاعة بأننى لو كنت مكان أحد منهم .. ما فكرت مطلقا فى أن أترك مكانى وأذهب إلى بيت بارد تاركا كل هذا الصخب والضجيج والحب والأضواء والأموال .. ولكن الحياة أبدا لا تسمح لنا بكل ما نريده ومن أهم الحكم التي نرددها دون أن نعمل أو نلتزم بها هى تلك التى تعلمنا أن القناعة .. كنز لا يفنى.