أعترف أننى حرت كثيراً وأنا أفتش عن افتتاحية للكتابة عن عودة الدورى الممتاز للكرة .. هل أستعيد أحد المشاهد الرائعة فى ميدان التحرير وأقود مظاهرة صارخاً الشعب يريد .. أو سعيد بعودة الدورى .. أم أمشى فى الشارع أرقص وأغنى كما الفنانة صفاء أبو السعود وهى تردد هتافها الشهير "أهلاً بالعيد" ولكن مع تغيير بسيط ليصبح أهلاً بالدورى ..

أو أستعيد من أيام الطفولة والصبا مشهداً جميلاً لمن يقف فوق منصة عالية أمام باب خيمة الساحر أو الراقصة فى أى مولد شعبى يحث الناس ويدفعهم لشراء تذاكرهم بسرعة حتى يلحقوا بمكان لهم ولا تفوتهم فرصة الفرجة والمتعة ..

ولست هنا الآن لمجرد مناقشة اختيار الافتتاحية المناسبة لكلام جديد عن دورى يعود .. ولكننى فقط أحببت دعوتكم للمقارنة بين عودة الدورى الآن فى مثل هذه الظروف وهذا التوقيت، وبين نفس الدورى حين كان يبدأ ويتوقف ثم يعود فى مواسم كثيرة سابقة ..

ولست هنا الآن لمجرد مناقشة اختيار الافتتاحية المناسبة لكلام جديد عن دورى يعود

حين كانت الكرة هى الحدث الذى لا يفوقه فى الشعبية والأضواء والاهتمام أى حدث آخر .. وقتها كان يكفى أن يكون الدورى هو العنوان .. كان شكل الكرة وحدها كافيا لجذب عيون الناس ومشاعرهم وعيونهم وآذانهم دون بذل أى عناء وجهد إضافى .. وهو ما يعنى أن هناك تغييراً جرى ..

والذى سيتعجل الحكم على الأمور أو مناقشة القضايا من السطح وباستخفاف سيسارع، بالتأكيد على أن هذا التغيير طبيعى جداً لأن الدورى يعود هذه الأيام فى أعقاب ثورة غيرت مصر وأطاحت بنظام قديم بكل وجوهه وأركانه وقواعده .. وبالتالى كان لابد أن يخفت قليلاً ويتراجع صوت الكرة وتقل مساحة الاهتمام بها.

وأنا بالتأكيد أوافق على هذه الرؤية، لكننى لا أظن أن ذلك هو كل التغيير الذى جرى .. فالثورة قامت بالفعل وغيرت شكل الحياة فى مصر نهائياً .. وكان الصخب السياسى والحديث الصادم عن كم الفساد الذى يجرى الكشف عنه يوماً بعد يوم يثير انتباه الجميع ويشغل كل تفكيرهم ووقتهم ..

ولم يعد الكثيرون منا اليوم على استعداد للانشغال بمباريات الكرة والصراع الدائم بين الأهلى والزمالك على حساب حقائق وملفات وقضايا أخرى

لكن يبقى أهم من الثورة هو التغيير الدائم الذى سيشهده المجتمع حتى بعد خفوت صوت الثورة وهدوء الأوضاع والأحوال .. فالناس الآن .. بمن فيهم أنت وأنا .. لم يعودوا كما كانوا فى الموسم الكروى الماضى ..
تغييرات كثيرة وحقيقية جرت داخلنا وحولنا .. فلم نعد مجرد جمهور صاخب للكرة مجنون بها ومتعصب لأنديتها ينسى ويتجاوز كل شىء بمجرد أن يطلق أى حكم صفارة بداية أى مباراة ..

ولم يعد الكثيرون منا اليوم على استعداد للانشغال بمباريات الكرة والصراع الدائم بين الأهلى والزمالك على حساب حقائق وملفات وقضايا أخرى ..

فالجمهور الكروى فى معظمه الآن فى مصر .. لم يعد ليقبل أن يبقى الفساد فى الجبلاية وأن تبقى المجاملات والتجاوزات .. أن يبقى مجدى عبد الغنى مثلاً يدير لجنة شئون اللاعبين رغم أنف الجمعية العمومية .. ولا سيقبل هذا الجمهور أيضاً أن تبقى مشكلة البث التليفزيونى لمباريات الدورى أكثر تعقيداً من أزمة الصراع العربى الإسرائيلى .. لا أحد يتوقع لها نهاية قريبة ولا أحد يعرف أصلا كيف يمكن انهاؤها ..

وسيبدأ هذا الجمهور الكروى .. مقتنعاً بأنه لم يعد هناك فى مصر مكان ومجال للتسويف والتزييف .. للمراوغة والمماطلة .. لأى سياسة تتخيل أن الناس تنسى بسرعة، أو أنها لن تعرف ولن تفهم ولن تحاسب أيضاً.

وأتخيل أن الدورى الحالى الذى عاد لاستئناف مبارياته .. سيكون مجرد مرحلة مؤقتة وعابرة يتحول بعدها النظام الكروى كله فى مصر

وأتخيل أن الدورى الحالى الذى عاد لاستئناف مبارياته .. سيكون مجرد مرحلة مؤقتة وعابرة يتحول بعدها النظام الكروى كله فى مصر ويشهد ثورته الحقيقية التى تأخرت كثيراً .. وهى الثورة التى ستظهر نتائجها بداية من الموسم الكروى المقبل ..

وأهم نقطتين أو مطلبين للثورة الكروية سيكونان المادة 18 فى قانون الفيفا .. وقواعد البث التليفزيونى .. فالناس لن تسكت بعد الآن ولن تسمح ببقاء معظم تلك الأندية الوزارية والحكومية ليس هناك أى مبرر لبقائها واستمرارها ..

والمادة 18 التى سيطالب الناس بتطبيقها، ستجبر أى وزارة أو هيئة سواء كانت عسكرية أو مدنية على اختيار ناد واحد فقط يلعب بإسمها .. سواء كانت قوات مسلحة أو شرطة أو بترول ..

ولا أتوقع بعد عودة الحياة لطبيعتها وشفافيتها وتحت قيادة نظام صارم وواضح أن تبقى أندية تابعة لشركات حكومية مثل غزل المحلة والاتصالات والمقاولون .. لن تبقى إلا الأندية التى تلعب لأن وراءها جمهور يريدها أن تبقى وأن تلعب ..

ولن تبقى إلا الأندية التى تربح من جماهيريتها وانتصاراتها ومبارياتها وليست الأندية التى فقط تبقى لمجرد أن هناك وزير أو محافظ أو مسئول يدفع فواتير اللعب دون أى هدف ودون أن يسأله أو يحاسبه أحد عن المال الذى يجرى إنفاقه أو بعثرته فى هواء الملاعب ..

أما البث التليفزيونى .. فلا أحد انتبه حتى الآن إلى أن الفترة المقبلة لن تشهد ذلك الصخب الروتينى الزائف حول شارة البث .. وسيصبح سعرها ثابتاً وواضحاً ودائماً وليس عرضة للتغيير حسب المصلحة أو الهوى ..

أيضاً لن يعود هناك من يقول أن الكرة للمصريين مثل رغيف العيش، وكان من يقولون ذلك لا يدافعون عن حق المصريين فى مشاهدة كرة القدم ومبارياتها .. ولكنها كانت عبارة جميلة وبليغة حقيقة يراد بها باطل معظم الوقت ..

لن يعود هناك من يقول أن الكرة للمصريين مثل رغيف العيش، وكان من يقولون ذلك لا يدافعون عن حق المصريين فى مشاهدة كرة القدم ومبارياتها

وإذا وضعنا هذين العاملين متجاورين .. أى تحرير شارة البث من السلطة إلى جانب السماح للأنديى ببيع حقوق بث مبارياتها دون أى تدخل حكومى أو ضغوط سياسية .. فهذا يعنى بوضوح أن الدورى المصرى لن يبقى بحالته التى نراها الآن والتى ليس لها مثيل فى الدنيا كلها ..

فالدورى فى أى مكان فى العالم تتسابق وتتنافس على إذاعته قنوات وشبكات كثيرة وفى النهاية واحدة فقط هى التى تفوز بحقوق إذاعة مبارياته .. وهو الأمر الطبيعى الذى سيحدث فى مصر ولن يستمر الوضع الحالى الذى يسمح بإذاعة الدورى المصرى على أكثر من شاشة .. وبالتالى سيرتفع سعر هذا الدورى ولن يعترض أحد وقتها من أصحاب المصالح الشخصية والخاصة .. فلا أحد بعد اليوم سيجروء على التلاعب بمصالح الناس وأموالهم وحقوقهم من أجل أى نفع شخصى أو مكسب ذاتى.

ومن أجل ذلك .. سأتابع بقية الدورى الحالى بإحساس عابر السبيل أو المسافر فى صالة الترانزيت، يحلم بالوصول لمدينته الحقيقية .. وأنا أحلم فى الموسم المقبل بدورى حقيقى .. ليس من ناحية المستوى الفنى ونتائج المباريات وصراع المدربين والنجوم .. وإنما من ناحية الشكل والمعنى السياسى والاقتصادى والاجتماعى أيضاً ..

فأنا أحب هذا الدورى .. أراه طول الوقت بطولة كانت تتغير وتتشكل وتتأثر بكل الأحوال فى مصر .. سواء قبل ثورة يوليو أو بعدها .. فى فترة جمال عبد الناصر ثم هزيمة يونيو 1967 التى أوقفته .. وانفتاح السادات السياسى والاقتصادى بعد انتصار أكتوبر .. ثم فى زمن مبارك قبل أن يتحول الدورى إلى مجرد وسيلة حاول استغلالها حزب ومسئولون فاسدون ولجنة سياسات .. والآن أنتظر شكلاً ومعنى جديداً لدورى مصر بعد ثورة يناير .. فهذا الدورى باختصار .. هو اختصار ثلاثة وستين عاما من عمر مصر الجديدة.