أرجوكم لا تتخيلوا أننى اخترت هذا العنوان للسخرية من الجلابية وصاحبها أو لأننى مقتنع بأن نزول صاحب الجلابية للملعب كان هو الحدث الأهم فى مباراة لم تكتمل بين الزمالك والإفريقى التونسى استضافها استاد القاهرة فى الثانى من أبريل الحالى فى البطولة الأفريقية..

وإنما قصدت بهذا الاختيار الإشارة لأمور كثيرة أظن أنه بات من المناسب التوقف أمامها بكثير من الهدوء والتأمل ومعاودة النظر والتفكير .. وأقوم بذلك بعد قرار المستشار مصطفى خاطر المحامى العام الأول لنيابات شرق القاهرة منذ أيام قليلة إحالة عشرين متهما فى تلك الأحداث إلى محكمة الجنايات متهمين بإتلاف المال العام والتعدى على موظفين عموميين أثناء ممارسة عملهم وإثارة الفوضى والتخريب ..

وأول ما يستحق التوقف أمامه هو التناول الإعلامى للواقعة كلها .. الإعلام الذى اخترع تعبير وعنوان الجلابية وارتكب ثلاثة أخطاء مزعجة دون أن ينتبه أحد لذلك ..

أول ما يستحق التوقف أمامه هو التناول الإعلامى للواقعة كلها .. الإعلام الذى اخترع تعبير وعنوان الجلابية وارتكب ثلاثة أخطاء

الخطأ الأول للإعلام، كان التسابق على استضافة صاحب الجلابية والاحتفاء به دون أى انتباه إلى أنه كان أحد الذين أخطأوا واقتحموا الملعب .. والخطأ يبقى خطأ سواء كان صاحبه يرتدى جلابية أو مايوه أو مجرد قميص وبنطلون .. وبالتالى كان أى تكريم أو حفاوة إعلامية بصاحب الجلابية تنعكس أيضاً على كل من اقتحم مثله أسوار الملعب وتواجد فى مكان ليس من حقه التواجد فيه.

وفى غمرة التسابق على الاستضافة والصور والكلام .. لم يكن هناك من عنده استعداد للتوقف والتفكير فى أن كل ذلك معناه تكريس الخطأ وتكريم صاحبه ومنح الجائزة لمن خرج على النظام أو القانون .. وكأنه إعلام رياضى تعمد أن يؤكد لكل الناس أنه لن يعترف مستقبلا بأى مشجع ملتزم أو يحترم النظام والقواعد .. ولن يطارد بكاميراته وأضوائه وصالوناته إلا الخارجين فقط على أى قواعد أو حدود.

أما الخطأ الثانى للإعلام، فكان التمادى المباشر أو إتاحة الفرصة للآخرين للسخرية من جلابية واحدة فى أول الأمر، سرعان ما أصبحت سخرية فجة من أى وكل جلابية .. ومن جديد لم يكن هناك من هو على استعداد للتوقف ومراجعة النفس ووضع حد ونهاية لكل هذا العبث .. فلا الجلابية فضيحة أو مهانة .. ولا من يرتديها يستحق ذلك من أى أحد.

كان التمادى المباشر أو إتاحة الفرصة للآخرين للسخرية من جلابية واحدة فى أول الأمر، سرعان ما أصبحت سخرية فجة من أى وكل جلابية

بل ونسى من بدأوا أو أسهموا فى هذا المسلسل الفاضح أن معظمهم من أصول ريفية، حيث الجلباب هو الزى الرسمى والوحيد حتى أزمان قريبة جدا وهو زى كان وسيبقى له تقديره واحترامه .. ثم كان أن تمادى بعض متعصبى النادى الأهلى فى استثمار كل ذلك والتمادى أيضاً للتأكيد على أن لابسى الجلابية هم مشجعى الزمالك أو أن الجلابية باتت أحد شعارات الزمالك .. ونسى هؤلاء المتعصبون أن النادى الأهلى أيضا هناك كثيرون من مشجعيه يرتدون نفس الجلابية.

ويبقى الخطأ الثالث .. للإعلام أيضاً .. هو التجاهل شبه المطلق لما قام به فريق من مشجعى الزمالك، حين قاموا بمبادرة لتنظيف وترميم ومحاولة إصلاح الضرر الذى لحق باستاد القاهرة كنوع من الاعتذار ودلالة على أن جمهور الزمالك لم ولن يكون أبداً راضياً عما جرى فى مباراة ناديهم مع الإفريقى التونسى.

لم أجد الإعلام الذى كان يقاتل من أجل تصوير ولقاء الجلابية وصاحبها يهتم بهؤلاء الذين ذهبوا إلى الاستاد .. لم أجد كل تلك الكاميرات والميكروفونات على استعداد لأى تعب أو جهد لتصاحب شباناً وفتيات ذهبوا متطوعين وبمحض إرادتهم إلى استاد القاهرة للإصلاح والتنظيف والتجميل .. أى أنه إعلام رياضى قبل وتحمس وشجع أن تصبح السخرية من أى جلابية تياراً عاماً ومظاهرة صاخبة ممكن أن يشارك فيها الجميع فى وقت بات فيه أى أحد على استعداد للسخرية من أى أحد آخر.

لكنه لم يصبح إعلاماً على استعداد أن يجعل من مبادرة مشجعى الزمالك مظاهرة أخرى يتسابق فيها وبعدها الجميع للاعتذار عن أى خطأ أو للإسهام فى إصلاح وتجميل أى شىء نملكه كلنا ومن المفترض أن نحافظ ونخاف عليه كلنا.

ويبقى من الضرورى الإشارة إلى خطأ آخر لم يقع بعد ولكننى أنتظره وأتوقعه قريباً جداً .. وهو أن تبدأ الأصوات تتعالى والكتابات تتوالى والمناشدات التليفزيونية والإلكترونية تتابع تطلب عدم استكمال محاكمة هؤلاء المتهمين العشرين الذين تمت إحالتهم إلى محكمة الجنايات.

لم أجد كل تلك الكاميرات والميكروفونات على استعداد لأى تعب أو جهد لتصاحب شباناً وفتيات ذهبوا متطوعين وبمحض إرادتهم إلى استاد القاهرة للإصلاح

البعض سيبدأ فى التأكيد على أنهم صغار وأن أى حكم قضائى سيعنى ضياع مستقبلهم .. وليس من الضرورى محاكمتهم ولابد من العفو عنهم ومسامحتهم لأنه كان انفعالاً طائشاً أدى إليه حبهم لناديهم وحزنهم على خروجه من البطولة الأفريقية.

نفس التعابير التى تقال منذ سنوات سواء كان الذين فى القفص ينتمون للزمالك أو الأهلى .. ونستجيب لها فلا يتوقف أى خطأ ويبقى أى خروج على أى قانون أو نظام ممكناً ومباحاً دون خشية حساب أو عقاب .. والبعض الآخر سيحيل الأمر كالعادة إلى زمالك وأهلى .. فيبدأ بعض المتعصبين للأهلى فى المطالبة بأقسى محاكمة فى الدنيا وتوقيع أشد العقوبات الحاسمة والرادعة ضماناً ألا يتكرر ذلك مستقبلاً ..

بينما يبدأ بعض المتعصبين للزمالك فى الدفاع عن المتهمين مع الإشارة إلى حوادث سابقة مماثلة كان المتهمون فيها ينتمون للأهلى ولم تجر محاكمتهم أو توقيع أى عقاب عليهم .. وأنا أتمنى بالفعل كسر هذه الدائرة .. وأن تتم هذه المحاكمة وتنتهى ومن تثبت إدانته ينال العقاب الذى يستحقه دون زج بأحاديث جانبية سواء عن المستقبل الدراسى أو الوظيفى أو ظروف عائلية أو حتى انتماء لنادٍ أو لون أو أى شىء آخر.

خطأ آخر حدث ويحدث وسوف يبقى يحدث إن لم ننتبه إليه بالشكل الكافى .. وأقصد به هذا التعميم الغريب الذى نمارسه كلنا دون تفكير أو تدقيق ..

يخطىء أحد مشجعى الأهلى فنقول أو نكتب بسرعة: جمهور الأهلى أخطأ .. يخرج أحد مشجعى الزمالك على النظام .. فنجرى كلنا نتهم جمهور الزمالك بالخروج على النظام .. وهو تعميم اعتدنا عليه فى مصر منذ سنين طويلة لسببين ..

حين نقول جمهور الأهلى أو الزمالك .. فمن المستحيل محاكمة جمهور بأكمله

الأول هو حرصنا الدائم على عدم محاسبة أى أحد أو معاقبته .. إذ أنه حين نقول جمهور الأهلى أو الزمالك .. فمن المستحيل محاكمة جمهور بأكمله .. وبالتالى فلا قضية هناك ولا محاكمة ممكنة .. أما السبب الثانى فهو أن هذا التعميم يسمح دائما لجمهور نادٍ بالسخرية الجماعية من جمهور النادى الآخر .. فحين يصبح جمهور الأهلى هو المتهم .. سيصبح جمهور الزمالك سعيداُ جداُ بذلك .. وحين يصبح جمهور الزمالك كله هو الذى تجاوز .. سيسمح ذلك لجمهور الأهلى بالسخرية والهجوم ..

وأنا أرجو أن ننتبه كلنا إلى ذلك من الآن .. والذين أحالتهم النيابة للمحاكمة مؤخراُ، هم عشرون مشجعا للزمالك وليس جمهور الزمالك أو الزمالك نفسه .. والذى يرتكب أى خطأ أو حتى جريمة، هو واحد وأكثر من الجمهور أو الألتراس وليس كل الجمهور أو كل الألتراس أو الوايت نايتس.