غرام وانتقام .. هذا هو الوصف المناسب جدا .. والعنوان الدقيق جدا .. لحكاية مصر وتاريخها مع لعبة اسمها كرة القدم .. تاريخ سيبقى دائما شاهدا على أن المصريين وقعوا منذ السنة الأولى واليوم الأول وربما اللحظة الأولى فى غرام هذه اللعبة .. سيبقى نفس هذا التاريخ شاهدا على أن المصريين لم يتعاملوا مع كرة القدم ـ أيضا منذ البداية وربما حتى الآن ـ على أنها مجرد لعبة .. فقد كانت الكرة تعنى دائما لهم ما هو أكثر من مجرد اللعب.

كانت بالنسبة لهم أحيانا تصحيحا لأخطاء تاريخية لم يكونوا هم أصحابها ولكنهم فى المقابل كانوا وحدهم ضحاياها .. وغالبا ما كانت هذه الكرة هى القنبلة الوحيدة التى وجدها المصريون فى أيديهم ليفجروها فى وجه كل من يكرهونه ويغضبون منه أو عليه .. باختصار كانت الكرة دائما ليست إلا فرصة مناسبة وممكنة وضرورية لتصفية الحساب مع الدنيا والمجتمع والظروف.

كانت الكرة فى مصر أحيانا وغالبا ودائما هى الثورة والفرحة .. الغضب والابتسامة .. الرفض والأمل .. الغرام والانتقام ولا يعرف أحد حتى الآن .. وربما ضاعت للأبد فرصة أن يعرف أحد مستقبلا من هو أول مصرى لعب كرة القدم .. لكننا على الأقل نعرف متى وكيف بدأ المصريون يلعبون كرة القدم.

نعرف أن الكرة دخلت مصر يوم دخلها الإنجليز فى سنة 1882 بعد أن قصفوا الإسكندرية واحتلوا مدن القناة ثم دخلوا القاهرة يوم الخميس الرابع عشر من شهر سبتمبر ليبدأ فى هذا اليوم الاحتلال الإنجليزى لمصر  وجاء جنود الاحتلال الإنجليزى إلى مصر .. فى أيديهم السلاح وفى حقائبهم لعبتهم المفضلة .. كرة القدم .. يلعبونها فى ساحات معسكراتهم وثكناتهم التى أقاموها حول القاهرة وفى قلبها وفى الإسكندرية أيضا .. وبدأ الأهالى الذين لهم صلة بالإنجليز ومعسكراتهم يشاهدون هذه اللعبة الجديدة .. فاستهوتهم وأعجبتهم وأغرتهم بمحاولة تقليد الإنجليز.

وبدأ هؤلاء الأهالى فى الشوارع والحوارى أو فى الخلاء يجرون ويتقاذفون بأرجلهم كرة لا تكاد تستقر .. ولم يعد مستغربا  أن يشمر أحد المتفرجين جلبابه وينزل بدوره يحاول أن يضرب هذه الكرة بقدمه فيصيبها مرة ويخطئها مرات ويظل يحاول ويحاول حتى يمتلك أخيرا القدرة على التحكم فى الكرة فيسعده ذلك ويرضيه.

نعرف أن الكرة دخلت مصر يوم دخلها الإنجليز فى سنة 1882 بعد أن قصفوا الإسكندرية واحتلوا مدن القناة ثم دخلوا القاهرة يوم الخميس الرابع عشر من شهر سبتمبر ليبدأ فى هذا اليوم الاحتلال الإنجليزى لمصر

هكذا تصف كتب التاريخ وأوراقه بداية لعبة كرة القدم فى مصر .. ولكن للأسف الشديد اكتفت هذه الكتب والأوراق بهذه السطور القليلة لتحكى عن ولادة وبداية كرة القدم فى مصر .. كتاب وراء كتاب وشهادة بعد أخرى وكلهم يرددون نفس هذه الحكاية .. حكاية الإنجليز الذين جاءوا ولعبوا كرة القدم فى معسكراتهم ورآهم المصريون فاستهوتهم هذه اللعبة وبدأوا فى ممارستهم حتى أحبوها وأدمنوها .. هكذا دون أى تفاصيل أو أى تفسير يشرح لماذا وكيف حدث ذلك كله .. وأصبح الآن من الضرورى جدا أن نملك مثل هذا التفسير لنعرف متى وأين بدأنا نلعب ونحب كرة القدم .. ولماذا انتشرت كرة القدم فى مصر بمثل هذه السرعة.

وقبل الشروع فى الإجابة عن كل هذه الأسئلة وقبل محاولة البحث عن تفسير للبداية وللحكاية كلها .. فلابد أولا من تصحيح خطأ شهير وشائع جدا فى بلادنا وفى ذاكرتنا وتفكيرنا وكتاباتنا وهو أن بداية تعلق المصريين بكرة القدم وإقبالهم على ممارستها إنما كان بقصد مقاومة الإنجليز والتفوق عليهم ولو فى مجال كرة القدم .. وأن حكاية كرة القدم فى مصر ولدت من رحم الاحتلال ورفض الوجود الإنجليزى ومقاومته .. وكثيرون هم الذين كتبوا كثيرا عن المصريين الذين تعلموا لعب الكرة ليفوزوا على الإنجليز .. ولم يكن ذلك صحيحا بكل أسف .. وليس هناك أى سند تاريخى يؤكد ذلك.

الصحيح فقط هو أن كرة القدم تحولت فى وقت من الأوقات إلى قنبلة غضب ألقاها المصريون فى وجه الإنجليز .. ولكن ذلك لم يحدث إلا بعد سنوات طويلة من الاحتلال .. ولم يكن الغضب من أو على الإنجليز هو أول ما دفع المصريين للتعلق بهذه اللعبة الجديدة وممارستها .. بل ولم تشهد الكرة طيلة سنواتها الأولى فى مصر أى ملامح للثورة أو الغضب .. على العكس تماما .. فاضت تلك السنوات الأولى بالبهجة والفرحة والشغف والحب حتى جاءت مواسم الغضب فى سنوات أخرى وظروف أخرى تختلف تماما عن سنوات البداية والتكوين وفى واقع الأمر.

وبعيدا عن أكذوبة أو خرافة مقاومة الاحتلال الإنجليزي بسلاح كرة القدم .. لم تنتشر هذه اللعبة في مصر إلا نتيجة سببين أساسيين .. أولهما يتعلق بالمصريين أنفسهم .. أولئك الذين بشهادة التاريخ وتفاصيله ووقائعه لم تتح لكبارهم أو صغارهم قبل الاحتلال الإنحليزى أى فرصة لممارسة الرياضة أو اللعب الحقيقى .. أما السبب الثانى فهو يتعلق بكرة القدم نفسها .. تلك اللعبة السهلة والجميلة والرخيصة التى وجد فيها الفقراء والصغار المصريون العزاء بعد سنوات طويلة من الحرمان.

أما الإنجليز فلم يكن الغضب منهم أو عليهم سببا فى انتشار كرة القدم .. بل إنهم هم الذين ساعدوا على هذا الانتشار وأبدوا استعدادهم لأن يتعلم المصريون الصغار كرة القدم طالما لن يتعلموا المطالبة بحقوقهم وبمستقبل أفضل لبلادهم واستقلالها وحريتها فالمصريون كانوا مهيئين تماما لاستقبال هذه اللعبة الجديدة .. ولن ندرك ذلك أو نفهمه إلا لو أعدنا تأمل وقراءة رؤية المصريين للرياضة وألعابها قبل أن يأتى الإنجليز إلى مصر بلعبة كرة القدم.

الصحيح فقط هو أن كرة القدم تحولت فى وقت من الأوقات إلى قنبلة غضب ألقاها المصريون فى وجه الإنجليز .. ولكن ذلك لم يحدث إلا بعد سنوات طويلة من الاحتلال

ولن نجد أفضل من إدوارد وليم لين ليحكى لنا عن ذلك .. فهو الشاب الإنجليزى الذى جاء إلى مصر سنة 1825 وهو لا يزال فى الرابعة والعشرين من عمره وتعلم اللغة العربية وارتدى الزى التقليدى المصرى واختلط بالناس وعاش فى وسطهم ثم كتب بعد سنواته الطويلة فى مصر ما رآه وعرفه عن مصر والمصريين .. وفى هذا الكتاب يقدم إدوارد وليم لين شهادة عامة عن المصريين ويؤكد أن الكسل يعم كل طبقات المصريين باستثناء من يضطرون إلى كسب قوتهم بالعمل اليدوى الشاق.

ثم يصبح إدوارد وليم لين أكثر تحديدا فيقول بعين من رأى ووعى من عايش وعرف أن المصريين عموما لا يعرفون الألعاب الرياضية تلك التى تتطلب جهدا جسديا .. قد يتنازع فلاحان مع بعضهما لمجرد التسلية أو مقابل رهان فيلجآن إلى النبوت .. وقليل منهم يميل إلى المصارعة حيث يتخلون عن كل ثيابهم باستثناء السروال ويدهنون أجسامهم بالزيت .. وأحيانا يتبارزون فى الاحتفالات والمواكب بحيث يكون الرجلان عاريين إلا من سروالين يستران جسديهما ويحمل كل منهما سيفا ضالعا وترسا صغيرا .. وتكثر المبارزات من هذا النوع عامة بين الفلاحين المصريين.

وهناك لعبة الجريد التى ورثها المصريون من المماليك والجنود الأتراك حيث ينقسم المشاركون إلى فريقين .. كل فريق يضم اثنى عشر أو عشرين شخصا أو أكثر .. كل منهم يحمل أعواد الجريد المملوءة بالشوك ويلقيها على لاعبى الفريق الآخر .. وكانت اللعبة تصبح مميتة أحيانا .. ويؤكد إدوارد وليم لين أنه شاهد بنفسه فى إحدى المرات فرسا وثلاثة رجال يموتون خلال ساعة واحدة أثناء ممارسة هذه اللعبة ورغم ذلك .. يؤكد إدوارد وليم لين أن المصريين فى عمومهم لم يكونوا يحبون مثل هذه الألعاب .. كانت تستهويهم أكثر الألعاب التى تتماشى مع مسلكهم الرزين وطبيعتهم الرصينة فيستمتعون بلعب الشطرنج والدومينو والطاولة.

ورغم أن بعض الفقهاء وقتها وضعوا الشطرنج والدومينو فى خانة الألعاب المحرمة إلا أنها رغم ذلك بقيت ألعابا شائعة باعتبارها تناسب مزاج المصريين وطبيعتهم وإذا كان البعض لن يرحب برؤية إدوارد وليم لين باعتباره انجليزيا حتى وإن كان صادقا ـ وأغلب الظن أنه كان صادقا ـ فإن هناك صورة أخرى مصرية هذه المرة يرسمها لنا إبراهيم علام الناقد القديم والكبير الذى اشتهر باسم جهينة والذى تم تكليفه رسميا من المجلس الأعلى لرعاية الشباب التابع لرئاسة الجمهورية فى الخمسينات بكتابة تاريخ الرياضة فى مصر.

ولا تختلف صورة جهينة لحالة الرياضة واللعب فى مصر قبل مجيء الإنجليز عن تلك التي رسمها إدوارد وليم لين كثيرا .. فقد قال جهينة إن عامة الشعب كانوا يلجئون إلى الموالد والسيرك والأعياد وينصبون خياما يقومون فيها بعرض ألوان من المصارعة والأكروبات وألعاب الكرات اليدوية وغيرها مثل الشباط وصيد السمك وصيد العصافير وشد الحبل والتحطيب  هذا عن ألعاب الكبار.

ورغم أن بعض الفقهاء وقتها وضعوا الشطرنج والدومينو فى خانة الألعاب المحرمة إلا أنها رغم ذلك بقيت ألعابا شائعة باعتبارها تناسب مزاج المصريين وطبيعتهم

أما الصغار فى مصر القرن التاسع عشر .. فكانت ألعابهم تتراوح بين ألعاب خاصة بالأولاد وحدهم مثل لعبة شبر شبير والحكشة واللجم وكرة النصارة .. وألعاب يشترك فى ممارستها الأولاد والبنات مثل لعبة الاستغماية والتعلب فات والحيرانة والغراب النوحى .. وألعاب خاصة بالبنات وحدهن مثل الجاموسة والدة .. وكلها ألعاب توارثها أطفال مصر جيلا وراء جيل .. أحبوها ومارسوها واكتفوا بها طويلا مثلما اكتفى الكبار بالشطرنج والطاولة والدومينو.

وما قاله إدوارد وليم لين وجهينة يتفق تماما مع تراث المصريين وتاريخهم فيما يتعلق بالألعاب وبالرياضة .. بل إن ما قاله الاثنان عن مصر القرن التاسع عشر يكاد يتطابق مع ما قاله معظم المؤرخين عن مصر فى كل تاريخها وسنوات ماضيها الطويل .. وهو أن المصريين لا يلعبون.

ففى زمن الفراعنة .. عرفت مصر ألعابا كثيرة مثل رمى الكرة والمصارعة والملاكمة والسباحة والعدو والقفز والفروسية والتجديف والمبارزة .. ولكن كان الملوك والأمراء والنبلاء هم وحدهم المسموح لهم  بالتسابق بالعربات .. وركوب الخيل .. والصيد .. وغالبا ما كان الملوك يحبون أن يشاهدوا جنودهم يتصارعون ويتقاتلون مع العبيد حيث كانت المصارعة وحدها هى اللعبة الشعبية التى لا تليق بالملوك فيكتفون فقط بمشاهدتها .. وفيما يخص الكرة .. فقد كانت هناك لعبة الكرة المقدسة التى لا يلعبها إلا الملك حين كان يضرب الكرة بعصا أو صولجان وفى المقابل يقف كاهنان يحاولان تلقفها .. وغير الكرة المقدسة كان اللعب بالكرة معروفا عند قدماء المصريين .. إما للكبار على شكل لعبة البولو كما يلعبها العالم اليوم .. أو للصغار يتقاذفونها ويتخاطفونها بالأيدى وكانوا يصنعون تلك الكرة من ألياف البردى أو النخيل أو من قش الشعير ثم يخاط عليها بقطع من الجلد.

وكان الكل يلعب بهذه الكرة حتى الفتيات كان مسموحا لهن بممارسة هذه اللعبة .. فالكرة كانت لعبة أساسية فى مصر .. ربما لأنها كانت ترمز للشمس أصل الحياة .. وربما لأن الكرة كانت كما يشير روبرت هندرسون ترمز إلى طقوس الإخصاب عند الفراعنة .. بل إن هندرسون يؤكد فى كتابه بعنوان الكرة والمضرب والكاهن أن أى لعبة كرة فى التاريخ استمدت معناها وأصولها وأساسياتها من الممارسات المصرية المقدسة  وإلى جانب لعب الكرة .. كان مسموحا أيضا لأطفال الفراعنة بممارسة الألعاب البهلوانية أو الراقصة .. وكان ممكنا أيضا أن يلعب الأطفال من عامة الشعب لعبة الذراعين التى اشتهرت فيما بعد وأصبحنا نعرفها باسم لعبة القوة أو " الرست " ولكنهم كانوا يلعبونها وقوفا لا جلوسا .. كما كان مسموحا لهم أيضا بلعب البلى والكرة النطاطة .. وكانوا أيضا يمارسون الجرى والقفز.

أما الألعاب الرياضية الحقيقية فلم يكن يمارسها إلا طبقة الجند حيث كانت هذه الألعاب أساسية فى التدريب العسكرى  ولكن .. ومع كل هذه البحوث .. لم يتوقف أحد أمام حقيقة أن المصريين فى عمومهم لم يكونوا يلعبون حتى فى زمن الفراعنة أول من اخترع اللعب .. الملوك والأمراء والفرسان والجنود وحدهم هم الذين كان لهم حق اللعب.

ففيليب فينكس مثلا أكد أن الرياضة فى ذلك الزمن البعيد كانت مقصورة على النبلاء دون عامة الشعب .. وهى صورة لم يحدث ما يستدعى تغييرها حتى بعد انتهاء زمن الفراعنة ومجئ البطالمة ثم الرومان .. فحتى الغرباء الذين جاءوا إلى مصر .. كانوا بدورهم لا يعترفون بممارسة الرياضة إلا كحق للملوك والأمراء وحدهم كما أكد هوميروس فى الإلياذة وكثيرون غيره.

فالكرة كانت لعبة أساسية فى مصر .. ربما لأنها كانت ترمز للشمس أصل الحياة .. وربما لأن الكرة كانت كما يشير روبرت هندرسون ترمز إلى طقوس الإخصاب عند الفراعنة

بقيت الرياضة بنفس ألعابها وبقيت أيضا ممارستها مقصورة على الملوك والأمراء والنبلاء .. ومن الواضح أن الناس لم يعد يزعجهم ذلك .. لا ظروفهم الصعبة ولا مقادير حياتهم المتقلبة والمضطربة كانت تسمح لهم بمثل هذا الترف والبحث عن حقهم الضائع فى اللعب بينما يعانون مشقة البحث عن حقوق أهم وأجدى .. الأمان ولقمة العيش والسقف والمأوى.