كان من المتوقع أن تنتهى حكاية كرة القدم فى مصر حتى قبل أن تبدأ بسبب الحرب العالمية الأولى .. فمصر التى شهدت فى عام 1913 أول مسابقة كروية رسمية فى تاريخها بعد أن أصبحت تملك أكثر من ناد فى القاهرة والإسكندرية مثل السكة الحديد والأهلى والمصرى.

وعرف عام 1914 أول مسابقة كروية للمدارس تقيمها الحكومة وتشرف عليها .. ولم تعد الكرة فى ذلك الوقت هى فقط لعبة المتشردين والصعاليك وفقراء البيوت والشوارع والحوارى .. وإنما لعبة تأتى بالفرحة والدهشة والمتعة لكثيرين جدا يزيد عددهم يوما بعد يوم .. تلاميذ صغار وكبار وعمال وموظفين .. بقى السياسيون والمسئولون الكبار والباشوات فى القصور والدواوين الفخمة هم الذين يرفضون الاعتراف بشعبية الكرة أو مكانتها وضرورتها بالرغم من أنهم لم يعودوا يمانعون أو يرفضون لعبها.
ولأن هؤلاء الكبار والأغنياء  لم يكونوا وقتها .. ولا فى أى وقت آخر فى مصر .. هم الأغلبية الذين يشكلون مشاعر المجتمع ويحددون أولوياته واهتماماته .. فقد كان من الطبيعى أن تستعد مصر لتعيش انفجارا كرويا طاغيا فيزيد عدد الأندية والملاعب والساحات وتتوالى المسابقات والبطولات .. ولكن قامت الحرب العالمية الأولى فى ذلك العام .. 1914 .. وكان من الضرورى أن تسكت كل أصوات كرة القدم وتتوقف مبارياتها ويتضاءل الاهتمام بها فى وطن لم يشارك بنفسه فى تلك الحرب لكنه أصبح مضطرا لتسديد كل فواتير هذه الحرب باعتباره وطنا يحتله الإنجليز الذين يخوض الحرب العالمية ضد الألمان.

لكن الذى جرى وقتها .. لم يكن بالضبط هو هذا السيناريو الطبيعى والمتوقع .. فالأصوات عاشقة الكرة سكتت قليلا لكنها سرعان ما عادت تصرخ بعشق الكرة والاحتياج لها .. والمباريات التى توقفت عادت مرة أخرى وتم السماح بإقامتها والمشاركة فيها والفرجة عليها .. وبدلا من أن تصبح الحرب العالمية الأولى بدأت عام 1914 نهاية مبكرة جدا لعلاقة الغرام بين مصر وبين كرة القدم .. تحولت الحرب الكبرى إلى دعوة كبرى للاعتراف بالكرة المصرية كلعبة أولى لكل المصريين.

فقد كان من الطبيعى أن تستعد مصر لتعيش انفجارا كرويا طاغيا فيزيد عدد الأندية والملاعب والساحات وتتوالى المسابقات والبطولات

وساعد على ذلك ثلاث عوامل رئيسية لم ينتبه لها أو يتوقف أمامها بالتأمل والبحث أى أحد من قبل .. العامل الأول كان سلوك الإنجليز ورؤيتهم لمصر وأهلها طوال سنوات الحرب العالمية الأولى .. والعامل الثانى كان عدم اهتمام الكبار والباشوات فى مصر بكرة القدم .. أما العامل الثالث فهو اعتراف ناد جديد فى القاهرة بكرة القدم هو الزمالك وتأسيس ناد جديد فى الإسكندرية هو الاتحاد السكندرى وناد آخر جديد فى بورسعيد هو النادى المصرى .. وكانت هذه العوامل الثلاثة هى السبب المباشر فى تغيير سيناريو مصر والكرة وقت قيام الحرب العالمية الأولى .. وأظن أننا مطالبين الآن بتأمل كل هذا الذى جرى فى ذلك الوقت من أجل أن نعرف ونفهم لماذا الكرة وكيف وقع المصريون جميعها فى غرام الكرة وكيف مارسوا معها هذا الحب الصادق والرائع وحتى الأن.

العامل الأول كان رؤية الإنجليز للمصريين ولكرة القدم .. ففى الثانى من نوفمبر عام 1914 .. أعلن الجنرال ماكسويل .. قائد الجيوش البريطانية .. أن حكومة جلالة ملك بريطانيا العظمى أمرته بمراقبة القطر المصرى الذى صار من تاريخه تحت الحكم العسكرى .. كان ذلك بلغة أخرى .. اكثر سهولة ووضوحا .. إعلانا للحماية البريطانية على مصر .. وفى أول يوم من أيام الحماية .. ساق الجنرال ماكسويل تحذيرا للمصريين أكد فيه .. أن أحسن ما يمكن للأهالى عمله للمصلحة العامة هو الامتناع عن كل عمل من شأنه تكدير صفو السلام العام أو التحريض على التنافر.

ولم يكن الأمر مقصورا على تحذير المصريين من تكدير الصفو العام .. بل كان القصد الحقيقى هو إفهام المصريين ـ ولو بقوة السلاح كما حدث أحيانا ـ أنهم يواجهون إمبراطورية بأسرها .. جيشها وعتادها وغرورها وقسوتها .. وحرب عظمى تخوضها .. وليس كما اعتادوا فى السنوات الماضية .. مجرد حامية بريطانية لا يتجاوز عدد أفرادها الستة آلاف ضابط وجندى.

وأظن أننا مطالبين الآن بتأمل كل هذا الذى جرى فى ذلك الوقت من أجل أن نعرف ونفهم لماذا الكرة وكيف وقع المصريون جميعها فى غرام الكرة

ولم تكن مواجهة الإمبراطورية .. مهمة سهلة بالنسبة للمصريين .. الذين أحسوا بالقمع والقهر والضعف .. ففاضت نهاراتهم بالصمت وامتلأت لياليهم بالخوف .. ثم كان التجنيد الإجبارى للمصريين الصغار وخطفهم بقوة السلاح وإرسالهم لميادين القتال .. والموال الحزين .. يا عزيز عينى وأنا بدى أروح بلدى .. والأسعار التى باتت فوق قدرة المصريين على التعايش أو الاحتمال .. وكل ذلك خلق حالة من اكتئاب مصرى جماعى.

وبسرعة أدرك قادة الإنجليز أن مصر بمثل هذه الظروف والقيود والأحكام العرفية .. أشبه بوعاء مغلق يتكوم داخله البخار المضغوط والذى قد يؤدى إلى الانفجار فى أى وقت .. فقرر الإنجليز السماح المؤقت بما ليس منه خوف أو ضرر للإمبراطورية وجيوشها وحربها العالمية .. فكانت كرة القدم .. وأصبح لعب الكرة والفرجة عليها هو الأمر الوحيد الذى سمح به الإنجليز وقتها للمصريين الممنوعين من التظاهر .. أو التجمهر .. أو حتى التجمع بأعداد قليلة فى الشوارع أو الميادين .. فأصبح حتى الذى لا يحب كرة القدم .. ولم يكن يعرفها من قبل .. مضطرا للبحث عنها بعدما أصبحت هى الوسيلة الوحيدة للخروج الآمن من البيوت .. وللاستمتاع بزحام الناس ودفئهم .. وللفرجة بحثا عن متعة لا يعاقب عليها القانون .. ولا يرفضها الإنجليز .. فكان ذلك أشبه بانفجار فى شعبية كرة القدم فى مصر.

العامل الثانى الذى ساعد على انفجار شعبية الكرة كان عدم اهتمام أو غرام الكبار والباشوات بها .. وعلى سبيل المثال .. غابت الكرة تماما دون أى ذكر أو إشارة .. عن أضخم احتفال رياضى شهدته مصر منذ بدأت مصر تعرف الرياضة بشكلها الحالى .. احتفال أقامته مصر فى الرابع من شهر أبريل عام 1914 بمناسبة مرور عشرين عاما على تأسيس اللجنة الأوليمبية الدولية .. احتفال استمر ثلاثة أيام وشارك فيه الرياضيون وعشاق الرياضة .. سواء كانوا مصريين أو أجانب .. من المدنيين أو العسكر.

وأقيم الاحتفال فى الإسكندرية وسافر لها خصيصا الخديو عباس حلمى للمشاركة فى الاحتفال .. ومع الخديوى والوزراء وأصحاب المناصب الرفيعة والمقامات السامية والوجاهة المهنية أو المالية أو العائلية .. حضرت لعبات كثيرة ولكن غابت كرة القدم .. وكان ذلك فى مصلحة الكرة وليس ضدها .. فهؤلاء الكبار جميعهم هم الذين خافوا من نتائج الحرب وهم الذين توقفت حياتهم وتجمدت كل أنشطتهم خوفا وقلقا .. فاختفت من على الساحة كل ألعابهم .. التنس والبولو وبقية ألعاب الطبقة الراقية .. فلم يبق ظاهرا إلا الكرة وحدها ولم تعد الصحافة فى أوقات كثيرة تجد أحداثا رياضية تتوقف أمامها إلا الكرة ومبارياتها.

العامل الثانى الذى ساعد على انفجار شعبية الكرة كان عدم اهتمام أو غرام الكبار والباشوات بها

ولكننى أود التوقف قليلا أمام ذلك الاحتفال الذى دعا إليه أنجيو بولاناكى سكرتير اللجنة الأوليمبية المصرية وعضو اللجنة الأوليمبية الدولية .. وأقيم الاحتفال فى أرض بمنطقة الشاطبى التى أراد بولاناكى أن يبنى عليها استاد أوليمبى ضخم تستضيف فيه مصر دورة أوليمبية .. وشهد هذا الاحتفال لأول مرة فى العالم وفى التاريخ رفع العلم الأوليمبى ذى الحلقات الخمس بألوانها الجميلة .. وكان البارون دى كوبرتان رئيس اللجنة الأوليمبية الدولية سعيدا جدا بذلك .. وتمضى أيام وسنوات بعد هذا الاحتفال لينتقل مشروع الاستاد الأوليمبى إلى أرض أخرى .. وينجح النقراشى باشا فى اهداء أرض الشاطبى إلى الاتحاد السكندرى عام 1929 .. ويصبح مقر الاتحاد السكندرى هو أول مكان فى الدنيا يشهد الاحتفال برفع أول علم أوليمبى فى التاريخ.

ويبقى العامل الثالث الذى أسهم فى انفجار شعبية كرة القدم فى مصر بعد انطلاق الحرب العالمية الأولى .. وهى الأندية الثلاثة .. الزمالك الذى تأسس عام 1911 لكنه بدأ يلعب الكرة عام 1914 وكان هذا القرار بمثابة إحدى المحطات الهامة والاستثنائية جدا فى تاريخ الكرة المصرية .. والاتحاد السكندرى الذى كان اتحادا فرضته ظروف الحرب ومواجعها بين أندية صغيرة فى مدينة الإسكندرية مثل نادى الحديثة الذى أسسه توفيق الحدينى عام 1908 ونادى الأبطال المتحدة الذى أسسه الشقيقان عبده وشكرى الحمامى عام 1910 .. والمصرى الذى كان ايضا فى بورسعيد اتحادا بين أكثر من ناد مثل الأهلى والموظفين .. وقد تأسس هذا الناديان فى بورسعيد وقت انطلاق الحرب العالمية الأولى عام 1914.

ويبقى العامل الثالث الذى أسهم فى انفجار شعبية كرة القدم فى مصر بعد انطلاق الحرب العالمية الأولى .. وهى الأندية الثلاثة

وقد لا يعرف الكثيرون أن الأهلى حين بدأ يلعب الكرة عام 1911 اختار اللون الأحمر لأنه كان علم مصر فى ذلك الوقت .. أما الاتحاد السكندرى والمصرى البورسعيدى فقد اختارا اللون الأخضر الذى أصبح هو لون علم مصر بداية من عام 1922 .. فهذا الناديان إلى جانب الأهلى والزمالك .. قدموا لنا أجمل وأغلى وأهم وأرق حكايات ومشاوير الكرة فى مصر.