على عكس دول كثيرة فى العالم اضطرتها الحرب العالمية الأولى .. منذ عام 1914 وحتى عام 1918 .. للابتعاد مؤقتا عن كرة القدم .. شهدت مصر فى تلك السنوات انفجارا كرويا هائلا لأن الإنجليز لم يسمحوا للمصريين وقتها بأى تجمعات إلا من أجل لعب الكرة أو الفرجة عليها.

فأصبح حتى الذى لم يكن يحب الكرة مضطرا لأن يتابعها هربا من الأحكام والقيود العسكرية .. وباتت الفرجة على الكرة هى الإنقاذ وبراءة أى مصر من عقوبة مخالفة الأحكام العرفية القاسية .. وأدى ذلك إلى تكسير كل الممنوعات التى كانت تحيط بالكرة.

فلم تعد البيوت والمدارس تمنع أولادها من لعبها .. ولا عادت الحوارى والشوارع والميادين تضيق بهؤلاء الذين يلعبون .. وأصبح الكثيرون جدا يعرفون هذه اللعبة ويحفظون قوانينها ويستمتعون بالفرجة على مواهبها ومبارياتها .. ولأن الإنجليز فى سنوات الحرب أيضا .. سمحوا لجنودهم بلعب الكرة وتنظيم مبارياتها من باب الترفيه اللازم فى زمن الحرب .. فقد زادت اللقاءات التى جمعتهم بالمصريين وتوالت المباريات بين فرق القوات البريطانية وبين الأندية المصرية سواء فى القاهرة أو الإسكندرية أو بورسعيد.

وأصبح الكثيرون جدا يعرفون هذه اللعبة ويحفظون قوانينها ويستمتعون بالفرجة على مواهبها

وإذا كان محمد أفندى ناشد قد نجح عام 1895 فى تعليم المصريين البسطاء كيف يفرحوا بالفوز على الإنجليز الأقوياء فى ملاعب الكرة .. إلا أن المصريين فى سنوات الحرب العالمية الأولى تعلموا ما هو أكثر وأعمق من ذلك الدرس البسيط الذى قدمه ناشد أفندى .. تعلموا وتأكدوا أن الكرة ممكن جدا أن تصبح سلاحهم أو وسيلتهم الوحيدة لممارسة الفرحة وللاحساس بالكبرياء.

وباستطاعتنا الآن أن نتخيل أجدادنا المصريين وقتها وهم يتناقلون أخبار الإمبراطورية الإنجليزية التى تحارب فى العالم كله .. ويشاهدون الجنود الإنجليز وحلفائهم وهم يسيرون فى الشوارع المصرية بوجوههم المتجهمة وأحذيتهم الثقيلة وأسلحتهم المخيفة والمرعبة.

وفجأة يصبح هؤلاء الجنود لاعبين عاديين فى ملعب كرة .. ممكن مصافحتهم والكلام معهم وممكن أيضا الفوز عليهم بل والسخرية منهم أيضا .. وهكذا أضفى الإنجليز على الكرة فى مصر .. دون أى قصد أو تخطيط .. مزيدا من الشعبية والمكانة .. وتعلم المصريون وقتها أيضا كيف يمكنهم الاكتفاء بكرة القدم أحيانا والاستغناء بأفراحها وانتصاراتها عن حقوق أخرى غائبة .. فالوطن المحتل وقتها تم اختصاره فى فريق للكرة .. وحقوق التظاهر والتعبير عن الرفض والغضب سواء على الاحتلال أو الظلم أو الأوضاع الصعبة .. تم استبدالها بصرخات الانفعال أثناء الفرجة على الكرة أو ممارسة الفرحة وجنونها إن تحقق الفوز فى نهاية اللعب.

فالوطن المحتل وقتها تم اختصاره فى فريق للكرة .. وحقوق التظاهر والتعبير عن الرفض والغضب سواء على الاحتلال أو الظلم أو الأوضاع الصعبة .. تم استبدالها بصرخات الانفعال

ولم يتوقف أحد من قبل .. بتدقيق وتحليل واهتمام .. أمام هذه الحقائق والصور والتفاصيل التاريخية ليدرك أن مشاهد ومظاهرات الفرحة التى كانت تعيشها القاهرة وكل مدن مصر عقب أى انتصار حالى للمنتخب .. هى مجرد تكرار لما كان يجرى فى القاهرة طيلة سنوات الحرب العالمية الأولى.

ففى القاهرة .. كانت مظاهرات الفرحة فى منطقة الجزيرة كلما فاز الأهلى على الإنجليز .. وفى وسط المدينة كلما فاز الزمالك .. وفى الإسكندرية كلما فاز نادى الحديثة أو نادى الأبطال وهما الناديان اللذان أسسا نادى الاتحاد السكندرى عام 1918 .. وفى بورسعيد كلما فاز نادى الموظفين أو النادى الأهلى المصرى وهما الناديان اللذان أسسا المصرى عام 1920 .. وبكرة القدم ومن أجل انتصارات المصريين على الإنجليز كرويا .. أصبحت لهذه الأندية الأربعة وجودها ومكانتها ودورها السياسى والاجتماعى والإنسانى أيضا.

فالأهلى لم يتأسس أصلا عام 1907 من أجل الكرة وإنما كمجرد مكان يجتمع فيه طلبة المدارس العليا ومن أجل أن يمتلك المصريون ناديا يفتح لهم أبوابه بعيدا عن الإنجليز وأنديتهم .. ولم يعرف الأهلى الكرة إلا عام 1911 وبدأ يتألق بها فى الحرب العالمية الأولى ويكسب الإنجليز.

الأهلى لم يتأسس أصلا عام 1907 من أجل الكرة وإنما كمجرد مكان يجتمع فيه طلبة المدارس العليا ومن أجل أن يمتلك المصريون ناديا يفتح لهم أبوابه بعيدا عن الإنجليز

وتكرر نفس الأمر مع الزمالك الذى تأسس عام 1911 كناد للبلجيك ثم للفرنسيين وبقية الغرباء الذين رفض الإنجليز تواجدهم فى أنديتهم تماما مثل المصريين  .. وبدأ الزمالك يعرف الكرة عام 1914 وجاءت سنوات الحرب ليتألق فيها الزمالك ويفوز على الإنجليز .. وكانت الكرة مع أشياء وتفاصيل أخرى هى التى أضفت على الأهلى قيمته الوطنية والجماهيرية أجل الكرة.

كانت الكرة أيضا هى التى أدت إلى تمصير الزمالك بالكامل عام 1917 وطرد كل الأجانب والغرباء ليصبح ناديا لكل مصر .. كما كانت الكرة ايضا هى وسيلة المقاومة والغضب على شاطىء بحر الإسكندرية وبورسعيد أيضا.

ولابد أن يرجع لتلك الفترة ويستعيد كل تفاصيلها كل من يريد أن يعرف لماذا وكيف ومتى بدأت مثل هذه الحساسية وهذا الصراع بين الأهلى والزمالك .. ولماذا أصبح الاتحاد السكندرى هو سيد البلد وساكن قلب الإسكندرية كلها بينما الأوليمبى على سبيل المثال لا يعنى شيئا كبيرا لنفس المدينة .. ولماذا كل هذا العشق الخرافى فى بورسعيد للنادى المصرى .. ولكن قبل إجابة هذه الأسئلة الثلاثة .. لابد من الإشارة أولا إلى أن الأمر لم يبق مقصورا على الأندية وحدها .. وإنما بدأت أيضا جهود لتأسيس أول منتخب كروى مصرى ليلعب مع الإنجليز ويكسبهم.

صحيح أن ناشد أفندى شكل عام 1895 منتخبا لمصر وأطلق عليه التيم المصرى .. لكن ناشد أفندى فى حقيقة الأمر جمع هذا المنتخب الأول من أصدقائه الذين يعرفهم أو من الذين كان يلعب أمامهم فى الميادين والحوارى .. فلم تكن هناك وقتها أى فرق رسمية أو أندية .. ولكن الأمر اختلف تماما أثناء الحرب العالمية الأولى بعد هذا الانفجار الكروى وتأسيس كل هذه الأندية وكل هذا الهوى الشعبى بكرة القدم.

تكرر نفس الأمر مع الزمالك الذى تأسس عام 1911 كناد للبلجيك ثم للفرنسيين وبقية الغرباء الذين رفض الإنجليز تواجدهم فى أنديتهم

وبالفعل، تأسس هذا المنتخب الأول وتم الإعلان عنه فى شهر أبريل عام 1916 .. وجاء الخامس من مايو 1916 ليلعب منتخب مصر الجديد أولى مبارياته أمام منتخب تم تشكيله من كل أفضل لاعبى القوات البريطانية العاملة فى مصر .. وأقيمت المباراة على ملعب الزمالك مكان دار القضاء العالى حاليا .. وفاز المصريون بأربعة أهداف مقابل هدفين للإنجليز.

وأظن أن اقل تكريم ممكن الآن .. هو ذكر أسماء لاعبى هذا المنتخب المصرى .. محمود مرعى وإبراهيم عثمان ومحمد السلحدار ورياض شوقى وسليمان فائق وعباس صفوت وطه فرغل وكامل عبد ربه وحسين فوزى ونيقولا عرقجى .. وكابتن المنتخب حسين حجازى الذى لم يلعب تلك المباراة لمرضه .. وسيأتى لاحقا وقت للتوقف أمام حسين حجازى .. أعظم لاعب كرة مصرى على مر العصور .. اللاعب الوحيد فى تاريخ مصر الذى أسس فريقا يحمل اسمه هو .. فريق "حجازى إلفن" .. أى حجازى 11 أو عدد لاعبى أى فريق للكرة .. واللاعب الوحيد الذى حين لعب للأهلى أصبح الناس يطلقون على الأهلى فرقة حجازى ونفس الأمر حين انتقل إلى الزمالك.

ولم تكن بالتأكيد كل لقاءات المصريين مع الإنجليز تنتهى بفوز المصريين .. ولكن من الطبيعى ألا يحتفظ الناس فى ذاكرتهم إلا بالانتصارات فقط .. فلا أحد يحب تذكر الهزائم والمواجع .. إلا هزيمة الزمالك أمام فريق سكوتش هورس .. فهذه المبارة رغم الخسارة بقيت من أهم المباريات فى تاريخ مصر.

وبدأت الحكاية بهذا الفريق الذى كان فى الحقيقة منتخب إسكتلندا لكرة القدم الذى طلبت منه إدارة جيوش الحلفاء أن يطوف بالبلدان التى يسيطرون عليها ويلعب فيها مباريات كروية من باب الترفيه .. وأن يسافر ويلعب فى كل مكان باسم سكوتش هورس .. أى الحصان الإسكتلندى.

هزيمة الزمالك أمام فريق سكوتش هورس .. هذه المبارة رغم الخسارة بقيت من أهم المباريات فى تاريخ مصر.

وجاء الدور على مصر .. وتقدم الزمالك بطلب رسمى لإدارة السلطات البريطانية ليلعب مباراة ودية مع سكوتش هورس .. ووافقت السلطات على ان تكون المباراة فور وصول الفريق إلى القاهرة .. وبالفعل أقيمت المباراة على ملعب نادى الزمالك .. وفاز سكوتش هورس 1-0.

وأحس لاعبو الزمالك ومسئولوه بالغضب .. فقد كانوا يودون الفوز وكان يرون أنفسهم يستحقون الفوز على النادى الكبير الذى لا يقهر .. فكان تصميم الجميع فى الزمالك على ان يلعبوا مع نفس الفريق مرة أخرى.

وبدأ الزمالك يستعد جديا لهذه المباراة الثانية التى باتت مباراة الثأر والانتقام .. بل إن الرغبة فى الثأر والانتقام دفعت بإدارة الزمالك لتستعير النجم الكبير .. عبد الحميد محرم .. قلب دفاع النادى الأهلى .. ليشترك معه فى هذه المباراة .. فمنذ بداية الكرة فى مصر ومسئولو الأهلى والزمالك يدركون أن هناك أمور أهم من التسابق والتنافس بين الناديين .. ورغم قلب الدفاع الأهلاوى .. إلا أن الزمالك خسر المباراة الثانية بستة أهداف.

ولم تكن النتيجة هنا هى الأهم وإنما كان الدرس الذى تعلمه المصريون جميعهم سواء كانوا لاعبون أو مشاهدون

ولم تكن النتيجة هنا هى الأهم وإنما كان الدرس الذى تعلمه المصريون جميعهم سواء كانوا لاعبون أو مشاهدون .. درس كان باختصار أن كرة القدم ليست مجرد سباقات فى الجرى بالكرة طوال تسعين دقيقة .. وإنما خطط ومناورات وفكر كان حتى تلك الأيام غائبا عن بال لاعبى مصر جميعهم وكل المشاهدين أيضا .. بل إن عبد الحميد محرم .. النجم الكبير والشهير وقلب دفاع النادى الأهلى ومصر كلها .. قال ضاحكا بعد الهزيمة إنه اكتشف أن المصريين فى ذلك الوقت .. لم يكونوا يلعبون كرة القدم الحقيقية.

وهكذا .. بدأ المصريون لأول مرة يعرفون أن لعب الكرة .. يحتاج إلى مدربين حقيقيين .. وخطط وفكر وعقل يدير أقدام هؤلاء اللاعبين وهم يجرون فى كل ملعب.