فى الحادى عشر من شهر نوفمبر 1918 .. تم الاتفاق على الهدنة وإعلان نهاية الحرب العالمية الأولى .. وكانت أياما صعبة وصاخبة وطويلة التى عاشها المصريون عقب نهاية حرب دفعوا كل فواتيرها رغم أنها ليست حربهم ولا كانت دفاعا عن حياتهم أو بلادهم.

وفى تلك الأيام تولدت الرغبة فى الثورة على الإنجليز بحثا عن مصر أخرى أفضل وأجمل وأكثر أمانا وحرية يريدها ويستحقها المصريون .. فكان هذا الشعور الجماعى هو أول دافع لبدء التفكير فى ثورة 1919 بقيادة الزعيم سعد زغلول .. وأول دافع أيضا لتأسيس اتحاد مصرى لكرة القدم بقيادة الأهلى والزمالك.

وقد يتخيل كثيرون هنا وهناك أننى مجرد صحفى رياضى ساذج يريد بأى شكل أو ثمن البحث عن مكانة وقيمة لكرة القدم فى بلاده .. فما هى العلاقة بين حدث عظيم ورائع مثل ثورة 1919 وبين مجرد محاول تأسيس اتحاد لكرة القدم فى مصر .. وأنا بالتأكيد ألتمس العذر لكل الذين سيتخيلون ذلك لأنه أبدا لم يمنحهم أحد من قبل أى فرصة لمعرفة تاريخ الكرة فى بلادهم .. ولأنهم حين يسمعون اسم اتحاد الكرة الآن لا يدور ببالهم إلا زاهر وأبو ريدة وعبد الغنى وأخطاء ومشكلات ومنتخب مهزوم وقرارات ليست عادلة وقوانين لا يجرى تطبيقها بصرامة وشفافية.

وأنا أدعو الآن كل هؤلاء لأن ينسوا مؤقتا اتحاد الكرة بكل وجوهه وشكله الحالى .. وأن يرجعوا معى سنينا طويلة للوراء حتى يتأكدوا كيف بدأ التفكير فى تأسيس هذا الاتحاد الذى لم يكن مجرد اتحادا للكرة بقدر ما كان تجسيد لغضب المصريين من الإنجليز وعليهم .. وكل من سيرجع معى هذه السنين الطويلة للوراء سيكتشف أننا لسنا فقط أهملنا كتابة تاريخ الكرة فى بلادنا رغم اهتمامنا وعشقنا المؤكد لهذه اللعبة الجميلة .. وإنما نسينا أيضا أننا نملك تاريخا كرويا رائعا ومدهشا اختلطت فيه الكرة بالسياسة بقصص العشق والهوى والانتماء لهذا الوطن .. وتعالوا نعود لما جرى فى ذلك الزمن البعيد.

حين انتهت الحرب العالمية الأولى فى عام 1918 .. كان قد مضى عام وأكثر على أول لقاء بين الأهلى والزمالك فى تاريخ الكرة المصرية .. وبدأت مسابقة الكأس السلطانية التى لم يشترك الأهلى فى موسمها الأول رفضا للعب مع أى أندية إنجليزية فى مسابقة كروية مصرية .. ولكنه عاد وشارك عام 1918 فى الموسم الثانى للبطولة  بعد أن تأكد مسئولوه الأهلى أنه لم يعد هناك مبرر لاستمرار مقاطعة البطولة .. تأكدوا أنها بطولة مصرية وليست إنجليزية .. وأن فكرتها لم تأت من الإنجليز وحلفائهم .. وأن الذى يدير البطولة بالفعل هو إبراهيم علام مسئول الكرة فى نادى الزمالك وسكرتير عام اللجنة المنظمة لها .. وأن الذى قدم الكأس والمال لهذه البطولة هو السلطان حسين .. سلطان مصر الذى مات فى نفس العام .. 1918 .. وكأن المقادير شاءت أن يموت السلطان بعد أقل من عام على انطلاق بطولة الكرة التى حملت اسمه وبدأت باهتمامه وتحت رعايته.

وأنا أدعو الآن كل هؤلاء لأن ينسوا مؤقتا اتحاد الكرة بكل وجوهه وشكله الحالى .. وأن يرجعوا معى سنينا طويلة للوراء حتى يتأكدوا كيف بدأ التفكير فى تأسيس هذا الاتحاد

البطولة التى بقيت حتى الآن هى الشىء الوحيد الذى يذكر المصريين بسلطان تولى حكم بلادهم وهو فى الحادية والستين من العمر ولم يحكمهم إلا أقل من ثلاث سنوات فقط كانت كلها سنوات حرب وشقاء ومعاناة لم تشهد أية بهجة إلا بهجة كرة القدم .. وبالفعل لم يبق من زمن وعصر السلطان حسين كامل إلا ذكرى تلك المسابقة التى حملت اسمه .. لا الجمعية الزراعية التى أسسها وأصبحت فيما بعد وزارة الزراعة .. ولا الجمعية الخيرية الإسلامية التى رعاها بعد غياب مؤسسها الشيخ محمد عبده .. ولا جمعية الإسعاف الخيرية التى رعاها وأنفق على تطويرها من ماله الخاص .. ولا مجلس الشورى الذى كان رئيسا له وخلق له مكانة رفيعة وأعطاه رأيا نافذا وصوتا مسموعا لم يملكه هذا المجلس منذ تأسيسه .. وحدها بقيت كرة القدم .. وبطولة الكأس السلطانية .. هى كل ما يسكن ذاكرة المصريين عن شخص وزمن سلطان اسمه حسين كامل.

وقد يكون من المناسب هنا التأكيد على أن أحد الذين قاموا بتحكيم مباريات بطولة الكأس السلطانية منذ بداية انطلاقها هو الإنجليزى ستانلى راوس .. رئيس الفيفا منذ عام 1961 وحتى عام 1974 .. وكان حارس مرمى ثم انتقل للتحكيم بعد اعتزاله وقام بتحكيم مباريات بطولة الكأس السلطانية فى نهايات الحرب العالمية الأولى ثم عاد بعدها إلى لندن ليواصل طريقه ويصبح أحد أفضل حكام العالم ثم يصبح رئيسا للفيفا .. ولم ينس الرجل أبدا فترة تواجده فى مصر والخبرات التحكيمية التى اكتسبها بإدارة مباريات الأندية المصرية مع أندية الجيش البريطانى .. ولكن نحن الذين نسينا للأسف .. فلم نكتب ونجمع تفاصيل حكاياتنا مع الكرة .. ولا تعاملنا مع هذا التاريخ بالاحترام الكافى.

وبعدما انتهت الحرب .. بقيت الأندية تواصل اللعب كما مارسته طيلة سنوات الحرب مع فارق وحيد فقط .. جمهور المصريين الذى كان يشاهد مباريات الكرة فى القاهرة والإسكندرية وبورسعيد والسويس فى سنوات الحرب .. كان يبحث عن المتعة فى ملعب كرة ويهرب من الخوف من الحرب ومن غضب الإنجليز وعقابهم على كل من يتظاهر أو يشارك فى أى تجمعات .. لكن نفس الجمهور بعد الحرب بقى يشاهد هذه المباريات ليهتف لمصر.

تحولت ملاعب الكرة ومبارياتها طيلة عام 1918 وحتى قيام ثورة 1919 إلى مظاهرات حب لمصر وتحريض على الثورة .. تغيرت الهتافات والصرخات من إعجاب بلاعب أو لعبة أو هدف أو فوز .. إلى صرخات لمصر .. وانتبهت الأندية ومسئولوها .. الأهلي كأول ناد مصري في مصر .. والزمالك بعدما حربه الجميلة والرائعة عام 1917 واستعان بفتوات بولاق أياما طويلة طرد خلالها كل الأجانب من النادى وبدأ ثورته الكبرى لتمصير الرياضة كلها فى مصر .. والسكة الحديد الذى استغنى عن اللاعبين الإنجليز وأصبح فريقا مصريا .. وأندية الإسكندرية وبورسعيد والسويس التى قامت بدور خرافى ورائع لم يهتم به أحد حتى الآن ضد الإنجليز ومقاومة وجودهم واحتلالهم لمصر.

وأخيرا قام المصريون بثورتهم بقيادة سعد زغلول .. كانوا يطالبون باستقلال مصر وأيضا وفى نفس اللحظة يطالبون باتحاد مصري لكرة القدم .. لماذا .. لأن الوضع الرياضي وقتها أن كل اللعبات الممكن ممارستها كانت إما ألعابا راقيا يلعبها المصريون من أبناء الطبقة الحاكمة التي يختلط فيها المصريون بالإنجليز والأتراك .. أو كرة القدم التى أصبحت وحدها هى لعبة الشعب.

وقد يكون من المناسب هنا التأكيد على أن أحد الذين قاموا بتحكيم مباريات بطولة الكأس السلطانية منذ بداية انطلاقها هو الإنجليزى ستانلى راوس .. رئيس الفيفا منذ عام 1961 وحتى عام 1974

وكان الذين يلعبون كل الألعاب الأخرى لا يعنيهم أن يدير مصريون ألعابهم ولم ينزعجوا أن يبقى الاتحاد الرياضى المختلط فى الإسكندرية هو الذى يدير كل شىء يخص الرياضة فى مصر وقتها .. أما الكرة وأنديتها وجمهورها .. فكانوا رافضين لكل هذا .. وأرادوا ألا يدير اللعبة فى بلادهم إلا المصريون .. أرادوا الاستقلال بلعبتهم عن الإنجليز .. رفضوا أى تدخل انجليزى أو أجنبى .. وهكذا تلاقت الرؤيتان .. رؤية سياسية أدت إلى ثورة سعد زغلول .. ورؤية كروية أدت إلى المطالب العلنية بضرورة تأسيس اتحاد كصرى لكرة القدم.

وبالطبع كان الإنجليز منتبهين لثورة سعد زغلول .. واجهوهها وقمعوها وحاربوها بكل ما استطاعوا من قوة وظلم وسلاح .. لكنهم انتبهوا أيضا إلى ثورة الكرة .. أدركوا أن الكرة فى مصر باتت لا تقل خطورة أو تأثيرا عن خطب سعد زغلول السياسية .. فقرروا أنه من الضرورى جدا ألا تنجح ثورة 1919 .. وضرورى أيضا ألا يكون هناك اتحاد مصرى لكرة القدم.

وفى هذه الظروف .. وصلت اللجنة الأوليمبية المصرية دعوة للاشتراك فى دورة أنفرس الأوليمبية عام 1920 .. تسلم الدعوة أنجيو بولاناكى باعتباره عضو اللجنة الأوليمبية الدولية ممثلا لمصر وهو أيضا سكرتير عام اللجنة الأوليمبية المصرية .. وبدأ بولاناكى التنسيق مع السلطات المصرية لترتيب هذه المشاركة فكتب مباشرة إلى رئاسة الحكومة يطلب موافقتها وسماحها له بتشكيل واختيار البعثة المصرية التى ستشارك فى تلك الدورة.

ووافق رئيس الحكومة على ذلك وأحال طلب أنجيو بولاناكى إلى المستشار المالى للحكومة .. الإنجليزى المستر باترسون .. مع موافقة الحكومة على صرف خمسين جنيها لكل لاعب سيشارك فى تلك الدورة الأوليمبية .. تسلم المستر باترسون هذه الموافقة ومعها التوصية .. فأحالها بدوره إلى المستر سيمسون .. مراقب الرياضة البدنية فى وزارة المعارف .. فقرر سيمسون تفويض أنجيو بولاناكى فى تشكيل البعثة المصرية فى كل الألعاب .. إلا كرة القدم.

وفى هذه الظروف .. وصلت اللجنة الأوليمبية المصرية دعوة للاشتراك فى دورة أنفرس الأوليمبية عام 1920

فقد كانت الحكومة وكان الإنجليز على استعداد لأن يحكم أنجيو بولاناكى فى مصائر وأحوال أى لعبة فى مصر إلا كرة القدم .. بل ولم يكن الإنجليز يعارضون أن يختار المصريون من يمثلهم فى دورة أنفرس الأوليمبية إلا كرة القدم .. وفوجئت الأندية المصرية لكرة القدم بدعوة باللغة الإنجليزية تصلها تحمل توقيع المستر سيمسون تطلب عقد اجتماع للجنة الأوليمبية لكرة القدم بعد يومين فى السادسة مساء يوم 17 مارس عام 1920 بمدرسة التجارة المتوسطة بشارع قصر العينى .. فوجىء المصريون بإن الإنجليز .. قرروا أخيرا إعلان الحرب المسلحة ضد كرة القدم فى مصر.