لم يتوقف أحد من قبل أمام دورة أنفرس الأوليمبية عام 1920 فى بلجيكا .. لم يهتم أحد حتى الآن بأن يعرف حكايات وتفاصيل ومعنى وقيمة مشاركة منتخب مصر لكرة القدم فى تلك الدورة الأوليمبية .. فلم تكن فقط أول مشاركة للكرة المصرية فى الدورات الأوليمبية .. وإنما كانت إلى جانب ذلك.

وأرجوكم أن تنتبهوا .. البطولة الرسمية الأولى فى تاريخ الكرة المصرية .. مما يعنى أنها كانت أول مباراة رسمية لمصر فى كرة القدم .. وبالتالى شارك فيها أول منتخب رسمى كروى لمصر .. وكانت أيضا أول رحلة خارج مصر لمنتخب أو فريق مصرى .. ورغم كل ذلك لم نحفل ولم نحترم ذلك .. وأظن أنه من المناسب الآن تصحيح خطأ عمره واحد وتسعون عاما منذ لعبت مصر مباراتها الأولى فى دورة أنفرس الأوليمبية .. ونرد الاعتبار والاهتمام اللائق بالمباراة الأولى وأول منتخب رسمى لمصر.

وأظن أن البداية المناسبة هى ذكر أسماء هؤلاء اللاعبين الذين ضمهم أول منتخب لمصر ولكل لاعب منهم الكثير جدا من التقدير والامتنان والاحترام أيضا .. كامل طه .. محمد السيد .. عبد السلام حمدى .. على حسنى .. محمد صبرى .. جميل عثمان .. حسين حجازى .. حسن علوبة .. توفيق عبدالله .. السيد أباظة .. زكى عثمان .. حسن على علوبة .. محمد صبحى الأتربى .. رياض شوقى .. محمود مختار صقر .. محمد خيرى .. عباس صفوت .. أما مدير الفريق فكان المهندس الزراعى محمد صبحى .. وكان رئيس بعثة الكرة هو أحمد محمد حسنين.

وقد كانت هناك قصص طويلة وراء اختيار هؤلاء اللاعبين وتشكيل أول منتخب رسمى لمصر .. فالخواجة أنجيو بولاناكى رئيس الاتحاد الرياضى المختلط وقتها والذى كان يدير الرياضة كلها فى مصر .. أصر على أن اختيار منتخب الكرة من صميم اختصاصه ومسئوليته المباشرة باعتباره رئيسا للاتحاد الرياضى المختلط ولأنه كان أيضا عضوا باللجنة الأوليمبية الدولية وسكرتير اللجنة الأوليمبية المصرية .. ولأنه كان أيضا يحمل تفويضا رسميا من الحكومة المصرية بأنه ممثل الكرة المصرية لدى الفيفا واللجنة الأوليمبية الدولية.

وقد رفض الإنجليز السماح لبولاناكى باختيار منتخب الكرة أو حتى بإدارة شئون الكرة بعدما أحسوا أن المصريين فى معظمهم .. باستثناء الباشوات والأغنياء وكبار المجتمع .. لا يحفلون بباقى الألعاب ولا يهتمون إلا بكرة القدم .. وشعر الإنجليز بالخطر من أن يتركوا إدارة شئون وشجون هذه اللعبة لأى حد غير خاضع لهم ولسيطرتهم ونفوذهم .. فسمح الإنجليز لبولاناكى واتحاده المختلط باختيار اللاعبين الذين سيمثلون مصر فى بقية اللعبات على أن يختار الإنجليز بأنفسهم وعن طريق ضباطهم ومساعديهم منتخب الكرة.

ولم يقبل المصريون بذلك وقرروا أن يقاوموا الإثنين معا .. بولاناكى والإنجليز .. وأحسوا أنهم لو سمحوا بذلك .. سيكونون كمن يخون ثورة العام الماضى .. 1919 .. بقيادة الزعيم سعد زغلول .. سيخونون كل المصريين الذين خرجوا إلى الشوارع والميادين فى كل مدن مصر يرفضون الإنجليز ويطلبون استقلال مصر وحريتها .. وإذا كان من المستحيل أن يدير المصريون بأنفسهم سفر منتخبهم للكرة ضمن البعثة الأوليمبية .. وإذا كانوا ممنوعين من أى اتصال مباشر بالفيفا أو اللجنة الأوليمبية الدولية .. فعلى الأقل سيحاربون من أجل ألا يختار أحد غيرهم من يلعبون الكرة .. لأول مرة .. بإسم مصر.

وكم تمنيت لو أن كل هؤلاء المتعصبين الآن سواء للأهلى أو الزمالك أو ضد الناديين معا .. تتاح لهم الفرصة لأن يعرفوا كيف اتحدت الأندية المصرية وقتها .. الأهلى والمختلط الذى هو الزمالك الآن والسكة والقاهرة وأندية الإسكندرية وبورسعيد .. وكيف قررت خوض الحرب ضد الإنجليز وضد بولاناكى وكل الأجانب والخواجات والباشوات حتى يختار المصريون منتخبهم بأنفسهم .. وحتى حين هدد الإنجليز بتجميد نشاط الكرة فى كل هذه الأندية .. لم يخش المصريون ولم يتراجعوا .. فتوالت اجتماعاتهم رغم التهديد .. بقى غضبهم ورفضهم واصرارهم يتضاعف يوما بعد يوم .. كانوا يلتقون فى الطرقات والشوارع وكأنهم يقومون بتهريب ممنوعات بعيدا عن أعين السلطات الإنجليزية.

والأهم من ذلك أنهم كانوا يدركون أنه أول منتخب لمصر ولابد من اختيار الأفضل أيا كانت الأندية التى ينتمى إليهم اللاعبون الذين سيتم اختيارهم .. حتى نجحوا بالفعل فى اختيار أفضل خمسة عشر لاعبا وقتها فى مصر .. واضطر الإنجليز فى النهاية للاستجابة واعتماد هذا الاختيار .. ورغم ذلك .. نجد الآن من يتبجح ويمتلك جرأة الجهل ليتهم الزمالك بأنه نادى الخواجات والأجانب أو يسخر من الأهلى ومبادئه ووطنيته ويتهمه بأنه نادى ماسونى .. أو لا يحترم جهود ورقى أبناء الإسكندرية وبورسعيد ولا يحزن للحال التى وصل إليها الآن الاتحاد والمصرى والسكة الحديد.

وبهؤلاء اللاعبون الذين تم اختيارهم .. سافر أول منتخب مصرى فى التاريخ لكرة القدم ضمن بعثة مصر الأوليمبية .. كان لاعبو الكرة أعضاء فى البعثة مثل لاعبى المصارعة ورفع الأثقال والجمباز والسلاح وألعاب القوى .. ولكن تميز لاعبو الكرة بإحساسهم بأنهم ليسوا تابعين للاتحاد المختلطة وكل من فيه من خواجات وأجانب .. ولا هم خاضعون لسيطرة الإنجليز وسطوتهم .. لكنهم كانوا منتخبا شكلته ثورة 1919 واختارته أندية مصرية قررت مقاومة المستعمر مهما كان ثمن ذلك ومواجعه أو نتائجه .. وقررت اللجنة المنظمة لدورة أنفرس الأوليمبية والحكومة البلجيكية الاحتفال بمصر التى كانت أول دولة من قارة أفريقيا تشارك فى الدورات الأوليمبية .. فلم تكن مصر هى التى سافرت لتشارك .. وإنما قارة كاملة بأسرها تنضم للجنة الأوليمبية الدولية ودوراتها.

وتقرر أن يكون الاحتفال عبارة عن مباراة ودية فى كرة القدم بين بلجيكا ومصر .. وبالفعل أقيمت هذه المباراة التى فازت فيها مصر بأربعة أهداف مقابل هدفين للبلجيك .. ومثل مصر فى تلك المباراة الودية أمام بلجيكا .. كامل طه ومحمد السيد وعبد السلام حمدى وعلى حسنى وحسين حجازى وحسن علوبة وتوفيق عبدالله وعباس صفوت والسيد أباظة ورياض شوقى ومحمد خيرى .. ثم تم افتتاح الدورة الأوليمبية وبدأت مسابقات كل الألعاب .. حتى جاء يوم الثامن والعشرين من شهر أغسطس عام 1920 لتلعب مصر أولى مبارياتها الرسمية على الإطلاق .. كانت المباراة أمام إيطاليا .. وللأسف لم تفز مصر .. خسرت بهدف واحد لها مقابل هدفين لإيطاليا .. ومثل مصر فى هذه المباراة كامل طه ومحمد السيد وعبد السلام حمدى وعلى حسنى ومحمد صبرى وجميل عثمان وحسين حجازى وحسن علوبة وتوفيق عبدالله والسيد أباظة وزكى عثمان.

وقد كان توفيق عبدالله .. إلى جانب كونه لاعبا فى المنتخب .. هو الذى يشرف بشكل أساسى على تدريب المنتخب على الرغم من أنه وقتها كان لا يزال فى الثالثة والعشرين من عمره .. وهو صاحب واحدة من الحكايات الجميلة المجهولة فى تاريخ الكرة المصرية .. فقد سافر إلى دورة أنفرس وهو لاعب فى الزمالك .. وبعد تألقه فى مباراتى بلجيكا ثم إيطاليا .. احترف فى إنجلترا ولعب هناك لنادى ديربى كاونتى موسمين ثم موسم مع نادى كودين بيث فى اسكتلندا .. ثم موسم آخر مع نادى بريد جيند تاون فى ويلز .. ثم يختتم رحلة احترافه مع نادى هارت بول يونايتد الإنجليزى .. وبعدها ينتقل محترفا فى الولايات المتحدة الأمريكية عام 1924 ويلعب هناك لأربعة أندية فى أربع سنوات قبل أن يرجع إلى مصر ويلعب للأهلى موسمين ينتقل بعدها للزمالك موسما واحدا يسافر بعده ويحترف فى كندا .. ويعتزل اللعب ويصبح مدربا للزمالك فى الثلاثينات ويبدأ تدريب منتخب مصر رسميا منذ 1940 حتى يصبح مدربا عاما يساعد الإنجليزى كين ويعود مرة أخرى مدربا لمنتخب مصر فى دورة هلسنكى الاوليمبية عام 1952 .. وهى حكاية من ألف حكاية أخرى لا يعرفها الناس .. لأننا أبدا من قبل لم نهتم ولم نحرص على كتابة تاريخ الكرة فى بلادنا.