أخيرا .. امتلكت مصر لأول مرة في الثالث من ديسمبر عام 1921 اتحادا لكرة القدم .. اتحاد تأسس كإحدى النتائج المباشرة لثورة 1919 وبعد طول معاناة وكفاح وعناد وإصرار على مقاومة الاحتلال الانجليزى وقوة ونفوذ كل الغرباء والأجانب .. وكان إصرار المصريين على أن يديروا الكرة فى بلادهم بأنفسهم دون أى تدخل أو شراكة هو ما أدى إلى تأخر تأسيس هذا الاتحاد إلى درجة أن مصر بدأت تعرف المسابقات الكروية الكأس السلطانية وتبدأ مشاركتها الكروية فى الدورات الأوليمبية قبل أن تملك اتحادا للكرة.

وكان هذا الاتحاد الكروى هو أول اتحاد رياضى فى مصر على الإطلاق ليس خاضعا لأى سلطة إلا المصريين أنفسهم .. بل إنه كان وقتها أول مكان فى مصر يعلن استقلاله سياسيا واقتصاديا وعمليا عن الاستعمار الإنجليزى لمصر .. وهذا فى حد ذاته يمنح كرة القدم فى مصر مكانة لا ترقى إليها أى لعبة أخرى .. بل وهذا أيضا لا يجعل الكرة مجرد لعبة بين ألعاب كثيرة يحبها ويمارسها ويشاهدها ويعرفها المصريون .. دليل إضافى على أن الكرة منذ أن بدأت فى مصر ثم منذ تأسس اتحادها وحتى الآن لم تكن مجرد لعبة.

وقبل أى حديث قطعا سوف يأتى أوانه عن تشكيل هذا الاتحاد وإمكاناته ولجانه ورؤاه وأخطاء وظواهر كثيرة بقينا ندفع ثمنها حتى الآن بعد 90 سنة .. لابد من التوقف أولا عند الرئيس .. أول رئيس للاتحاد فى تاريخ الكرة المصرية .. جعفر والى باشا .. الذى عشق كرة القدم شابا وبقى يحبها ويلعبها طيلة سنوات دراسته للحقوق فى الجامعة.

وعلى الرغم من أنه لم يكن لاعبا مميزا إلا أنه أصبح من الأسماء التى ارتبطت بالكرة المصرية بمزيد من الحفاوة والتقدير والاحترام .. فقد أنهى جعفر والى دراسته للحقوق ثم اتجه للسياسة ونجح فى مختلف مجالاتها دون أن ينسى غرامه بكرة القدم .. أصبح وزيرا للأوقاف فى حكومة عبد الخالق ثروت باشا عام 1922 .. ثم وزيرا للحربية فى الحكومة الثانية لعبد الخالق ثروت عام 1927 .. وعاد وزيرا للأوقاف عام 1928 مع محمد محمود باشا .. وبالتأكيد كانت صداقة عميقة جدا التي ربطت بين الرجلين .. جعفر باشا وعبد الخالق باشا .. فقد كان جعفر باشا وزيرا دائما فى الحكومة التي يقوم عبد الخالق باشا بتشكيلها .. كما أن جعفر باشا أصبح عام 1924 رابع رئيس للأهلي خلفا لعبد الخالق باشا ثروت الذى كان الرئيس الوحيد فى تاريخ الأهلى الذى كان فى نفس الوقت رئيسا للحكومة.

لابد من التوقف أولا عند الرئيس .. أول رئيس للاتحاد فى تاريخ الكرة المصرية .. جعفر والى باشا .. الذى عشق كرة القدم شابا وبقى يحبها ويلعبها طيلة سنوات دراسته للحقوق فى الجامعة.

وما أود التوقف عنده الآن هو أن جعفر والى نال رتبة الباشوية وتوالت نجاحاته السياسية قبل أن يصبح رئيسا لاتحاد الكرة أو رئيسا للنادي الأهلي .. أى أن الكرة لم تكن للباشا وسيلة للارتقاء السياسي أو الاجتماعي أو حتى المالي .. فقد نال جعفر والى لقب الباشوية قبل أن يصبح أول رئيس لاتحاد الكرة في مصر ورابع رئيس للأهلي .. بل إنه أيضا أسهم بمبلغ ثلاثة آلاف جنيه في تكاليف سفر منتخب مصر الكروي للمشاركة في دورة أنفرس الأوليمبية عام 1920 .. مبلغ ضخم جدا وفق حسابات ذلك الزمن البعيد والأهم من ضخامة الرقم أن جعفر باشا لم يكن يعرف أنه بعد عام واحد سيتأسس اتحاد الكرة وأنه سيصبح أول رئيس له.

وقد رجعت إلى مجلة اللطائف المصورة وبالتحديد عددها الصادر فى الأول من سبتمبر عام 1921 .. وكانت المجلة تحتفل بمرور تسعة أعوام على تأسيس أول اتحاد للكرة فى مصر فأجرت حوارا مع أول رئيس لهذا الاتحاد .. ولم يعد جعفر باشا وقتها هو الرئيس .. فقد أصر على الرحيل عام 1928 بعدما أجرى تحقيقا فى فضيحة لحقت ببعثة مصر الكروية في دورة أمستردام الأوليمبية عام 1928 .. وسميت وقتها بفضيحة جنيف .. فضيحة أو أزمة شغلت مصر كلها فى تلك الأيام وتحول اتحاد الكرة فيها وبسببها إلى ساحة لصراع قاس ولكن غير معلن بين الأهلى والزمالك.

بدأت تلك الأزمة بالإعلان عن فضيحة أخلاقية ارتكبها اثنان من لاعبى المنتخب المصرى العائد من دورة أمستردام الأوليمبية أثناء توقف المنتخب فى مدينة جنيف .. وأقام المنتخب فى لوكاندة العائلات فى جنيف المعروفة باسم الفواياجير .. وهناك ارتكب اللاعبان المصريان .. محمد جمال الدين ومحمد حسن .. فعلا أخلاقيا فاضحا ومشينا .. والمثير فى الأمر أنه على قدر ما اهتمت الصحافة المصرية وقتها بهذه الحادثة.

فكتبت وأطالت وأعادت وانتقدت وسخرت ودافعت وبررت .. إلا أنها لم تذكر مطلقا ما هو هذا الفعل الفاضح والمشين .. وكثيرا ما شعرت بالغيظ والغضب وأنا أتابع صحافة تلك الأيام وكتابها ومحرريها وهم يطلبون من القارئ أن يقف معهم وأن يشاركهم ويقاسمهم إدانة واستنكار هذا الفعل الفاضح دون أن يتطوع أى أحد من هؤلاء الكتاب بشرح ـ ولو بإيجاز واختصار شديد ـ ماذا فعل اللاعبان بالضبط فى لوكاندة العائلات فى جنيف .. حتى التقرير الرسمى للبعثة الكروية المصرية عقب عودتها إلى القاهرة والذى كتبه بنفسه أحمد فؤاد أنور بك سكرتير اتحاد الكرة ورئيس البعثة .. لم يكتب فى تقريره الرسمى ما هو هذا الفعل الفاضح .. والذى أدى إلى طرد البعثة المصرية من اللوكانده وإلى حد أن مدير هذه اللوكانده أبدى استعداده للتغاضى عن بقية حساب إقامة المصريين فى مقابل رحيلهم بأقصى سرعة.

بدأت تلك الأزمة بالإعلان عن فضيحة أخلاقية ارتكبها اثنان من لاعبى المنتخب المصرى العائد من دورة أمستردام الأوليمبية أثناء توقف المنتخب فى مدينة جنيف

وأمام هذه الضجة التى صاحبت فضيحة جنيف .. بات من المتوقع أن يقرر اتحاد الكرة شطب هذين اللاعبين نهائيا من سجلات الاتحاد .. ولكن حيدر بك كان له رأى آخر .. فأحد هذين اللاعبين .. وهو محمد جمال الدين الذى اشتهر بلقب البرنس .. كان يلعب للزمالك .. ولم يوافق حيدر بك على شطب البرنس لأن الزمالك كان يحتاج إليه .. وسرعان ما انقسم اتحاد الكرة بشأن العقوبة المناسبة للبرنس إلى فريقين .. فريق يتزعمه جعفر والى باشا وبقية مسئولى الأهلى وممثليه داخل اتحاد الكرة يريد شطب لاعب الزمالك .. وفريق آخر يتزعمه حيدر بك رئيس نادى الزمالك ووكيل اتحاد الكرة يدعو إلى عدم شطب اللاعب والتجاوز عن خطيئته.

وانتقل هذا الصراع من غرفة اجتماعات الاتحاد إلى الصحافة والمقاهي والشوارع .. فقرر جعفر باشا ألا يذهب إلى الاتحاد وأرسل خطابا مغلقا كتب على المظروف من الخارج توصيته بألا يتم فتحه إلا أمام الجمعية العمومية للاتحاد .. وهو ما جرى بالفعل .. ولم يكن هذا الخطاب إلا استقالة الباشا الرئيس ورجائه بعدم انتخابه من جديد رئيسا لاتحاد الكرة.

وكانت هذه أهم مزايا الباشا وأكبر أخطائه أيضا فى نفس الوقت .. ميزته فى احترامه لنفسه وترفعه عن خوض أى معارك جانبية أو لمصلحة ناد أو دفاعا عن لاعب أو محاكمته .. لكن الخطأ الأكبر كان أن جعفر باشا باستسلامه وخروجه واستقالته المفاجئة .. كأنه اختار أن يبقى اتحاد الكرة مجرد ساحة للصراع بين الأهلى والزمالك .. فيبقى اتحاد أضعف من الناديين الكبيرين .. وهو ما كان طيلة التسعين سنة الماضية التى امتلكنا فيها اتحادا للكرة لم يعش يوما واحد يتصور مسئولوه أنهم أقوى من الأهلى أو الزمالك .. بل ولم يعش هذا الاتحاد يوما واحد فى التسعين سنة كمؤسسة تدير بحق الكرة فى عموم مصر وسائر نواحيها وإنما هو مؤسسة للتوفيق بين الناديين الكبيرين وياحة للصراع بينهما كرويا وسياسيا وإعلاميا.

وأنا الآن أتهم جعفر والى باشا بالمسئولية عن هذا .. وتمنيت لو أنه أصر على البقاء وخاض الحرب حتى آخرها ليثبت لمسئولى الأهلى ومسئولى الزمالك أنهم يجلسون حول مائدة الكرة المصرية وليسوا مجرد مندوبين عن الناديين الكبيرين وحساباتهما ومصالحهما .. ولكن الرجل لم يشأ خوض هذه الحرب واكتفى بعمله السياسى وزيرا للأوقاف .. والخطأ الآخر لجعفر باشا والى .. وربما الخطأ الأكبر أيضا .. هو قبوله رئاسة النادى الأهلى فى نفس وقت رئاسته لاتحاد الكرة .. وكان ذلك أول خلط حقيقى فى الأدوار والمهام والواجبات فى تاريخ الكرة المصرية .. رئيس اتحاد الكرة يدير شئون الكرة وكل أنديتها وهو فى نفس الوقت رئيسا لواحد من تلك الأندية.

لكن الخطأ الأكبر كان أن جعفر باشا باستسلامه وخروجه واستقالته المفاجئة .. كأنه اختار أن يبقى اتحاد الكرة مجرد ساحة للصراع بين الأهلى والزمالك

وأنا أعرف وأحترم وأصدق حياد الباشا ونزاهته واستقامته .. ولكن هناك أمور لا تحتمل الشبهات أو هذا الخلط والذى تكرر مستقبلا حين أصبح حيدر باشا رئيسا لاتحاد الكرة وفى نفس الوقت رئيسا للزمالك .. ومن المؤكد أننا كلنا ندفع الآن ثمن هذا الخلط .. ومن هنا تأتى أهمية دراسة التاريخ وقراءته ومعرفته .. فكثير جدا من مواجع وأزمات الكرة المصرية الآن .. لم يصنعها سمير زاهر أو أبو ريدة أو حرب الدهشورى أو شوبير أو مجدى عبد الغنى .. وإنما هى نتاج باقى منذ زمن قديم وتراكم لأخطاء وخطايا لا أول لها ولا أخر .. ولن ينصلح الحال إلا إذا عدنا للوراء وقمنا بمناقشة كل تفاصيل ما جرى وأعدنا الأمور لأوضاعها الحقيقية السليمة دون أى خلط أو تجاوزات أو مجاملات.

ولكننى أعود الآن إلى الاتحاد فى عامه الأول .. والذى بدأ يدير النشاط الكروى فى مصر .. وبدأ يستعد لإقامة أول بطولة رسمية ينظمها هذا الاتحاد الجديد .. بطولة كأس التفوق لنيل كأس الأمير فاروق .. وأعتذر عن هذا الإسم الرسمى الطويل والغريب لبطولة كروية لا تزال تعيش معنا حتى اليوم ولكن تغير اسمها فأصبحت .. كأس مصر.