لا أزال أتوقف أمام عام 1921 .. العام الذى شهد تأسيس الاتحاد المصرى لكرة القدم .. وشهد أيضا تأسيس ناد جديد فى مصر باسم نادى الترسانة .. وكان الفضل فى تأسيسه لرجل إنجليزى اشتهر وقتها باسم المستر سلاوتر.

وبدأ المستر سلاوتر يضم للنادى الجديد اللاعبين المتميزين فى بقية الأندية مثل عبد الحميد محرم وكامل عبد ربه وطه فرغلى وخلوصى وريحان .. وقد خاض المستر سلاوتر ونادى الترسانة فى سنته الأولى معركة ضارية مع نادى الزمالك على لاعب جديد وشديد الموهبة اسمه أحمد منصور يلعب لنادى القاهرة .. حيث كان حسين حجازى يرغب فى ضم هذا اللاعب إلى الزمالك بينما أراده المستر سلاوتر ليلعب للترسانة.

وخسر الزمالك المعركة فى النهاية لأن المستر سلاوتر استغل كل سلطاته وعلاقاته وتدخل رئيس مصلحة البريد التى كان اللاعب يعمل بها موظفا .. وبالفعل يتم نقل اللاعب من مصلحة البريد إلى الترسانة الأميرية ويصبح مضطرا للعب فى الترسانة ويفقد حلمه الكبير باللعب لنادى الزمالك العظيم إلى جوار النجم الشهير حسين حجازى.

وقبل مواصلة الابحار مع اتحاد الكرة فى كتب التاريخ وحكاياته .. لابد من التوقف أولا عند المستر سلاوتر الذى أصبح .. قبل 90 سنة .. مسئولا عن ناد جديد فى مصر .. وكان من الممكن ألا يهتم المستر سلاوتر بالجمهور أو خلق شعبية لناديه الجديد اعتمادا على أنه ناد ينتمى للترسانة الأميرية وعمالها وموظفيها .. وبالتالى فالترسانة ليس مضطرا للبحث عن جماهير أو شعبية .. تماما مثلما شهدنا طيلة السنين الماضية أندية جديدة تتأسس دون أن يهتم مسئولو أى ناد منها بالبحث عن شعبية أو جمهور يرتبط بهذا النادى.

ومنذ المقاولون العرب إلى سموحة مرورا بأندية الجيش والشرطة والبترول والأسمنت والتليفونات والشركات التى لا أول لها ولا آخر .. ولكن مستر سلاوتر كان مختلفا عن مسئولى وقادة كل هذه الأندية .. فالرجل الإنجليزى أدرك مبكرا جدا أحد أبسط وأهم  قواعد وأساسيات كرة القدم التى تؤكد أن ناد بلا جمهور لا يمكن أن يستمر ويبقى.

أدرك سلاوتر أيضا أن الجمهور ليس أقل أهمية أو ضرورة من اللاعبين والنجوم ونتائج المباريات .. ولهذا فكر سلاوتر فيما لم يفكر فيه أى ناد مصرى آخر من أندية الوزارات والهيئات والشركات التى بقيت تتأسس طيلة التسعين سنة .. فكر فى أن يقدم الترسانة للناس على أنه ناد العمال والبسطاء .. فقد كان هناك وقتها الأهلى بشعبيته التى اعتمدت على وطنية النادى وانتمائه ونجومه الكبار .. والزمالك بعروضه الجميله وموقعه المميز فى شارع فؤاد فى قلب القاهرة بجوار التروماى .. والسكة الحديد بمكانته الكروية وقدرة الشركة والانتماء إلى شبرا وأهلها .. فقرر سلاوتر أن يبحث عن دور جديد للترسانة .. وجمهور جديد أيضا.

فالجماهير فى عالم الكرة يأتى بها الانتماء التاريخى أو الجغرافى أو الانسانى .. أو الانتصارات المتتالية والنجوم الكبار .. المهم أن تعرف وتحدد أولا كيف تمتلك جمهورك ولماذا وكيف سيأتى إليك أولا ثم يسير خلفك طول الوقت .. وقد نجح سلاوتر فى خلق تعاطف الكثيرين مع الترسانة .. نجح سلاوتر فى إقناع بسطاء وعمال كثيرين وومن لا صوت لهم أو نفوذ أو مكانة فى أن الترسانة ممكن أن يكون ناديهم وصوتهم وبيتهم وفرحتهم أيضا.

فى حين أن المقاولون العرب لا يزال يبحث عن جمهور ومن ينتمى له .. والقناة وحرس الحدود والجيش والانتاج الحربى وبتروجيت وإنبى .. حتى سموحة لم ينجح فى تقديم نفسه لأهل الإسكندرية كناد يمثلهم ويلعب بإسمهم لأن سموحة أصلا لم يهتم بامتلاك جمهور أو صناعته .. لا هو ولا أى ناد آخر.

وأعود إلى اتحاد جديد للكرة تأسس فى مصر هذا العام .. 1921 .. اتحاد منح المصريين ذلك الاحساس الرائع بأنهم .. أخيرا ولأول مرة .. يديرون بأنفسهم شئون الكرة فى بلادهم .. وهكذا بدأ أعضاء الاتحاد الجديد برئاسة جعفر والى باشا فى تحويل كل أحلامهم الكبرى المؤجلة إلى حقيقة وواقع يعيشه الجميع مع الكرة فى مصر.

وكانت الخطوة الأولى هى اقتباس نصوص قانون الاتحاد الإنجليزى لوضع أول قانون لأول اتحاد مصرى .. لم يكن القانون فقط .. وإنما اقتبس المصريون ايضا كل نظم المسابقات الكروية الإنجليزية .. فتأسست بطولة دورية للمناطق .. وأيضا بطولة للكأس .. ولكن بدأ الاتحاد الجديد نشاطه الرسمى ببطولة الكأس قبل بطولة المناطق الدورية.

وقرر الاتحاد أن يطلق على بطولة الكأس الجديدة اسم الأمير فاروق نجل الملك فؤاد .. والذى احتفلت مصر بمولده فى الحادى عشر من فبراير عام 1920 .. ورأى الاتحاد الجديد أنه من المناسب ومن اللائق .. وربما كان من الضرورى أيضا .. أن تحمل أول بطولة مصرية رسمية تقام فى مصر عام 1922 .. اسم ابن ملك مصر .. ولكن كان من اللائق ومن الضرورى أيضا استئذان الملك فى اسم البطولة.

إلا أن الملك فؤاد الأول لم يوافق فقط على بدء أول بطولة رسمية للاتحاد المصرى لكرة القدم تحمل اسم طفله الصغير وولى عهد مصر .. وإنما قرر أيضا تقديم كأس هذه البطولة من ماله الخاص .. بل وكان هناك ما هو أهم من ذلك .. فالملك فؤاد بعد أن وافق على البطولة واسمها .. وانطلقت البطولة بالفعل .. قرر أن يستقبل بنفسه رئيس وأعضاء مجلس إدارة الاتحاد المصرى لكرة القدم ويسلمهم الكأس التى سيفوز بها من ينتصر فى المباراة النهائية .. وتم ذلك اللقاء صباح السادس من أبريل عام 1922.

ولم تكن قيمة ذلك الاستقبال فى مجرد لقاء مع الملك واستلام كأس فاخرة تقام عليها أولى بطولات الاتحاد المصرى .. وإنما كانت أول مرة فى التاريخ يستقبل فيها ملك مصر ممثلى ومسئولى وقادة الكرة فى مصر .. أول مرة تفتح فيها أبواب القصور الملكية للعبة الشعبية التى لا يلعبها إلا البسطاء والفقراء.

فالسلطان حسين سبق أن قدم بإسمه كأسا أقيمت عليها الكأس السلطانية .. لكنه لم يفكر أبدا فى استقبال أحد ولا تخيل مسئول كروى واحد أنه ممكن أن يلتقى السلطان .. لكن الملك فؤاد استقبل الجميع اعتزازا بأول اتحاد مصرى رياضى فى مصر .. اتحاد كرة القدم .. وفرحة بأول بطولة سيظمها هذا الاتحاد .. بطولة التفوق لنيل كأس الأمير فاروق .. وسرعان ما تناسى الناس وتغاضوا عن هذا الاسم الرسمى الطويل وشاعت هذه البطولة باسمها الحقيقى والمباشر .. بطولة كأس الأمير فاروق ثم كأس الملك فاروق عام 1938 أى بعد عامين من جلوس فاروق على عرش مصر ثم بطولة كأس مصر بعد قيام الثورة فى يوليو عام 1952.

وبالفعل .. بدأت هذه البطولة الجديدة .. وانطلق أول مواسمها بالتحديد فى التاسع عشر من فبراير عام 1922 .. وكان افتتاحها على ملعب الزمالك بين نادى التوفيقية ونادى منتخب المدارس .. أما بقية الأندية التى شاركت .. فلم يكن ينقصها القوة ولا الأمل أو العزم والطموح للفوز بأول كأس لأول بطولة مصرية تقام فى مصر .. وقد كانت بالفعل أندية قوية ورائجة وشهيرة أيضا .. فإلى جانب الأهلى والزمالك .. كان هناك السكة الحديد والمصرى والاتحاد .. لكن الزمالك كان يملك ميزة إضافية لا تملكها بقية الأندية .. كان يملك اللاعب والنجم الكبير حسين حجازى.

ونجح حسين حجازى فى قيادة نادى الزمالك وقتها .. منذ أولى مباريات الزمالك فى هذه البطولة والتى أقيمت على ملعبه يوم العاشر من شهر مارس عام 1922 .. وحتى المباراة النهائية للكأس .. ومثلما تقرر أن يستضيف الزمالك على ملعبه أولى مباريات البطولة .. تقرر أيضا أن يستضيف على ملعبه نهائى البطولة .. وهنا لابد من التوقف أمام أول نهائى لبطولة كأس الأمير فاروق.

فالشائع حتى الآن أن النهائى كان بين الزمالك وبين نادى الشرودرز الإنجليزى وفاز الزمالك بالمباراة وبأول كأس .. كلهم قالوا وكتبوا ذلك حتى بات كأنه حقيقة واقعة لا تقبل التشكيك أو المراجعة .. لكن شيرين فوزى .. وبكثير جدا من التعب والجهد والبحث والصبر .. نجح فى الوصول إلى الوثائق والأوراق التى أكدت أن أول نهائى لكأس مصر كان بين الزمالك وبين الاتحاد السكندرى .. وفيها فاز الزمالك بخمسة أهداف أحرزها جميل عثمان وسيد أباظة وحسين حجازى وأحرز على رياض هدفين .. وبهذه الأهداف أصبح الزمالك .. ولأول مرة .. بطلا رسميا لمصر.