فاز الزمالك بأول بطولة كأس الأمير فاروق عام 1922 .. التى كانت أولى البطولات الرسمية التى ينظمها اتحاد جديد للكرة فى مصر .. والمثير فى الامر أن حجم الاهتمام الشعبى والإعلامى بفوز الزمالك بأول بطولة رسمية فى تاريخه وأول انتصار حقيقى .. لم يكن على نفس قدر مباريات ودية يلتقى فيها الأهلى والزمالك.

ففى السابع عشر من نوفمبر عام 1922 .. كانت هناك مباراة ودية جمعت بين الناديين الكبيرين على ملعب الأهلى .. وللأسف الشديد كان حجم الاهتمام بها يفوق كثيرا حجم الاهتمام بأول بطولة كأس رسمية فى مصر .. حتى جمهور الزمالك لم يحفل ولم يترقب مباراة نهائى الكأس قدر اهتمامه بمباراة ودية مع الأهلى .. أى أن مجرد مباراة بين الزمالك والأهلى .. كانت أهم من أية بطولة رسمية .. أهم من أية مباراة أخرى لكرة القدم فى مصر كلها .. وهذا فى حد ذاته يعنى أمرين .. أولهما شهادة براءة للاولترا الأهلاوى والزملكاوى معا وحتى براءة الإعلام التليفزيونى الحالى.

فالحساسية بين الناديين الكبيرين .. قديمة جدا .. سبقت أى بطولة أو لقب .. وبقيت قائمة ودائمة دون أن ترتبط بمستوى أو نتائج أو أرقام لانتصارات وبطولات .. وهذا الجمهور .. العظيم .. الذى احتشد فى أرض الجزيرة لمتابعة تلك المباراة بين الناديين الكبيرين .. لم تكن تعرفه وقتها بقية الملاعب المصرية حين كان الزمالك .. أو الأهلى .. يلعب مع أى فريق ثالث.

أما الأمر الثانى فهو التساؤل عن الإعلام الكروى وقتها .. لأنه هو الذى ارتكب مثل هذا الخطأ ولم يأت أحد طيلة ثمانين سنة مضت يحاول تصحيحه .. لم يأت أى إعلام فى أى عصر يرد للناس العقل والمنطق أو حتى على الأقل يحاول ذلك .. فمنذ أن تم اختصار الكرة فى أهلى وزمالك فقط .. أصبحت كل المدن المصرية الأخرى وأنديتها مجرد كومبارس لا دور له إلا تزيين الصورة واستكمالها وليس ظاهرا فيها إلا الأهلى والزمالك .. وكان هذا هو بداية تقسيم مصر الكروية كلها إلى أحمر وأبيض دون أى مساحات تبقى لأى ألوان أخرى .. حتى سكان المدن والأقاليم خارج القاهرة باتوا تدريجيا يقبلون هذه القسمة فينتمون إلى أنديتهم المحلية ولكنهم فى نفس الوقت يختارون الانتماء الأكبر والأهم سواء للأهلى أو الزمالك.

وهذا الكلام مهم جدا لأنه كان فى ذهن أعضاء أول مجلس لإدارة الاتحاد المصرى لكرة القدم وهو يجتمع للحديث بصوت عال عن البطولة المصرية الأخرى .. والجديدة أيضا .. أى بطولة الدورى .. وإذا كان الاتحاد المصرى قد استعار من الاتحاد الإنجليزى فكرة بطولة الكأس .. فكانت بطولة التفوق لنيل كأس الأمير فاروق .. فقد جاء الدور الآن على بطولة الدورى .. والتى تقرر أن يكون اسمها الرسمى .. بطولة المناطق الدورية .. وفى اليوم التاسع من شهر نوفمبر عام 1922 .. اجتمع الاتحاد المصرى لكرة القدم لبحث أمر انطلاق أول بطولة للدورى فى مصر.

وقد كان من الصعب إقامة الدورى المصرى على غرار الدورى الإنجليزى .. فلا إمكانات الاندية المشاركة فى الاتحاد .. ولا إمكانات الكرة المصرية كلها كانت تسمح بذلك .. وكان من الصعب أن يتحمل النادى القاهرى تكاليف ومشقة السفر والتنقل طيلة أسابيع المسابقة ليلعب مع أندية الإسكندرية أو الوجه البحرى أو فى مدن القناة .. والعكس كان صحيحا أيضا بالنسبة لأى ناد خارج القاهرة .. ثم أن أعضاء مجلس إدارة الاتحاد المصرى لم يكن فى ذهنهم وقتها.

وربما حتى هذه اللحظة .. إلا الأهلى والزمالك .. وكان البديل الذى وجده أعضاء مجلس إدارة الاتحاد أمامهم حاضرا وجاهزا هو النموذج الذى تلعب به الفرق الإنجليزية الموجودة فى مصر .. فقد كان لهذه الأندية الدورى الخاص بها .. ولكن كانت أندية كل منطقة تلعب فيما بينها أولا .. ثم تتلاقى الأندية الفائزة ببطولة مناطقها فى مباريات فاصلة لتحديد بطل المسابقة كل موسم.

وهكذا قرر الاتحاد المصرى لكرة القدم تنظيم أول مسابقة للدورى المصرى على غرار مسابقة الدورى الإنجليزى العسكرى فى مصر .. وبالفعل تقرر أن تبدأ هذه البطولة فى الموسم الرياضى الجديد .. 1922 / 1923 .. وتم تقسيم مصر إلى أربع مناطق كروية هى القاهرة .. والإسكندرية .. والوجه البحرى .. والقناة .. بحيث تلعب أندية كل منطقة دورى خاص بها .. ثم يتقابل أبطال المناطق فى نهاية المشوار لتحديد بطل الدورى المصرى فى آخر كل موسم.

وقد كان من الواضح أن أعضاء مجلس إدارة الاتحاد المصرى اختاروا الاسم الرسمى لبطولة الدورى وهم ليسوا مقتنعين به .. فالاسم طويل جدا .. وصعب .. وغير مألوف .. بطولة المناطق الدورية .. ولهذا كان أعضاء مجلس إدارة الاتحاد فى اجتماعاتهم ومناقشاتهم .. يقولون بطولة الليج .. أى الدورى باللغة الإنجليزية .. اللغة شبه الرسمية فى مصر وقتها .. ولغة الاتحاد الأم .. الاتحاد الإنجليزى لكرة القدم .. الذى اقتبس منه الاتحاد المصرى الجديد كل شىء وكل النظم والقوانين واللوائح والترتيبات والمسابقات.

وبعد أيام قليلة من هذا الاجتماع .. كان صاحب السمو .. الأمير عمر طوسون .. فى زيارة خاصة للنادى الزراعى بالدقى .. وبالمصادفة كان هناك وكيل الاتحاد المصرى .. فاستوقف وكيل الاتحاد سمو الأمير .. وطلب منه مساعدة الاتحاد وتقديم درع خاص ببطولة الدورى التى أقرها الاتحاد والتى ستبدأ قريبا فى الموسم الرياضى الجديد .. وفى يوم الثلاثاء الحادى والعشرين .. قام الاتحاد المصرى لكرة القدم بتشكيل لجنة خاصة بهذا الدورى تضم كلا من جناب المستر سلوتر رئيسا وكان الرجل فى ذلك الوقت رئيسا لنادى الترسانة أيضا .. وحضرة إبراهيم أفندى علام سكرتيرا .. وحضرة رياض شوقى أفندى سكرتيرا مساعدا وأمينا للصندوق .. وإسماعيل يسرى أفندى .. وعبد الحميد محرم أفندى .. وعلى صادق أفندى .. أعضاء فى تلك اللجنة.

وكان أول أهداف هذه اللجنة هو حث كل الأندية المصرية على الاشتراك فى هذه البطولة الجديدة .. والاستعانة بالصحافة المصرية لحث ودفع هذه الأندية للمشاركة .. كما قررت اللجنة تقسيم الأندية المشتركة فى أول دورى مصرى إلى فئتين .. فئة أ .. وفئة ب .. وفى وقت لاحق .. اجتمعت لجنة الدورى مرة أخرى وقررت تحديد الأندية المصرية التى لها حق المشاركة فى أول بطولة للدورى فى مصر .. الفئة أ .. وكانت تلك القائمة تضم ستة أندية .. الأهلى والزمالك والسكة الحديد والترسانة والقاهرة والزيتون.

ثم قامت اللجنة بوضع أول جدول لأول دورى فى مصر .. فتقرر أن تقام أول مباراتين بوم الخامس والعشرين من شهر ديسمبر عام 1922 .. المباراة الأولى بين الزيتون والأهلى على ملعب الأهلى .. والثانية بين القاهرة والزمالك على ملعب الزمالك .. ثم يلعب القاهرة مع الزيتون على ملعب القاهرة يوم الثالث من شهر يناير عام 1923 .. وفى اليوم التالى يلعب السكة الحديد مع الترسانة .. وفى السادس عشر من شهر يناير يلعب الزمالك على ملعبه مع الترسانة .. وفى اليوم التالى يلعب الأهلى مع السكة الحديد على ملعب السكة الحديد .. وفى الثانى والعشرين من شهر يناير .. يختتم الدور الأول بمباراة بين الأهلى والزمالك على ملعب الأهلى.
وفى نفس الاجتماع .. قررت لجنة الدورى أيضا أنه لا يجوز لأى لاعب أن يلعب لأكثر من ناد فى هذه المسابقة أو فى بقية المسابقات الرسمية بما فيها بطولة الكأس السلطانية .. وأن يكون رسم الاشتراك فى بطولة الدورى خمسين قرشا للنادى الذى سيلعب فى مباريات الفئة أ .. وثلاثين قرشا للنادى الذى سيلعب فى الفئة ب. وتصدر الزمالك البطولة منذ انطلاقها.

ولان معظم الأندية .. وأقواها أيضا .. أو لأنه باختصار كان الأهلى والزمالك يلعبان وينتميان ويسكنان منطقة القاهرة .. فقد تقرر منذ البداية اختصار الوقت والجهد وصرف النظر عن إقامة مباريات بين أبطال المناطق الأربعاء وتم الاتفاق غير الرسمى على أن يصبح بطل منطقة القاهرة هو بطل الدورى فى مصر .. هكذا مرة واحدة .. وهكذا أصبح الزمالك بطلا للدورى باعتباره النادى الذى فاز ببطولة منطقة القاهرة فى أول مواسمها .. ولكن بعد أن كان شريكا للترسانة فى أول حادثة شغب فى تاريخ الكرة المصرية.

ففى السادس عشر من يناير عام 1923 .. التقى الزمالك والترسانة على ملعب الزمالك .. وشهدت المباراة شجارا واشتباكات بالأيدى والأقدام تبادلها لاعبو الفريقين وتداخل فيها الجمهور الكبير الذى كان حاضرا .. حتى إن الصحافة المصرية لم تجد ما تصف به هذه المباراة إلا بكلمة واحدة .. المأساة الرياضية .. التى سالت لها دموع الناظرين الذين تتلهف نفوسهم على اللعبة واللاعبين.

وعلى الرغم من ذلك فقد اكتملت المباراة وفاز بها الزمالك بهدفين نظيفين .. واجتمع اتحاد الكرة لمناقشة هذا الشغب وبقية أزمات ومشكلات المسابقة الجديدة .. ولكن خشى اتحاد الكرة اتخاذ أى قرار أو عقوبة ضد أى أحد .. فأصبح ذلك تراثا يتناقله مسئولو اتحاد الكرة جيلا بعد جيل .. ونحن للأسف نظلم الاتحاد الحالى لأننا لا نعرف التاريخ ولا نعيد قراءته .. وهكذا انتهى اجتماع الاتحاد عام 1923 بتجاهل أحداث الشغب والمسئولين عنها والاكتفاء باستعراض أهم الملاحظات والانتقادات والأخطاء التى شابت مباريات الدور الأول من أول بطولة للدورى فى مصر.

وتلخصت هذه الملاحظات والأخطاء فى أن بعض الفرق كانت تلعب مبارياتها ولاعبوها يرتدون فانلات بألوان مختلفة رغم أن قانون الكرة يمنع ذلك .. وأن هناك بعض اللاعبين يشاركون فى هذه المباريات الرسمية وهم حفاة أو يستخدمون أحذية من الكاوتشوك .. وقد تنبه على الحكام مستقبلا اتخاذ اللازم حيال هؤلاء اللاعبين المخالفين للنظام والقانون وإخراجهم من الملعب ومنعهم من استكمال المباريات مع أنديتهم .. أما أهم الأخطاء فكانت التكلم أثناء المباريات وذكر الكلمات القبيحة .. وقرر اتحاد الكرة التصدى لكل ذلك حتى يفهم كل الناس .. فى الملاعب وفى المدرجات .. أن الغرض الحقيقى من كرة القدم هو ترقية الحالة الاجتماعية والأدبية .. وهو الأمر الذى غالبا لم يحدث حتى الآن.