بعد أن تضمنت دورة أنفرس الأوليمبية عام 1920 .. أول مشاركة وأول مباراة رسمية لكرة القدم المصرية بكل ما استدعاه ذلك من تأسيس واختيار أول منتخب رسمي وحقيقي يلعب الكرة بالنيابة عن كل المصريين .. مضت أربعة أعوام وجاء عام 1924 حيث الدورة الأوليمبية التالية فى باريس .. أربعة أعوام شهدت تأسيس الاتحاد المصرى لكرة القدم عام 1921.

وبدء نشاط الكرة الرسمى ببطولتى كأس الأمير فاروق ودورى المناطق .. وتأسيس واستقرار الحال لعدد كبير من الأندية .. وكان من الطبيعى والمنطقى أن تكون مشاركة مصر الكروية فى باريس أكثر تنظيما واستقرارا ووضوحا من المشاركة الأولى التى شهدت حروبا وصدامات وتحدى مصرى للسيادة البريطانية ورغبة الأجانب فى منع المصريين من حرية تشكيل منتخب أول لبلادهم .. إلا أن الوضع عام 1920 .. بدون اتحاد ومسئولين مصريين وأندية كثيرة ومسابقات رسمية .. كان أفضل كثيرا منه عام 1924.

ففى الرابع عشر من شهر أبريل عام 1924 .. صدرت جريدة الأهرام وعلى صفحاتها مقال طويل يسخر من عدم المبالاة أو عدم الاكتراث الذى أدى إلى سفر الوفد الأوليمبى المصرى لدورة أنفرس عام 1920 دون أن يعرف عنه المصريون شيئا ولا تابعوا أخباره أو نتائجه .. وعاشت مصر عام 1920 وكأنه ليست هناك بعثة أوليمبية باسمها فى دورة أنفرس فى بلجيكا .. وتمنت جريدة الأهرام أن يختلف الحال تماما مع بعثة مصر الأوليمبية فى باريس عام 1924.

وبعدما تحدثت الأهرام عن استعدادات اللجنة الاوليمبية الدولية وعن استعدادات باريس لاستضافة هذه الدورة .. أكدت جريدة الأهرام أنها سوف تتابع هذه الدورة ومشاركة المصريين فيها خاصة وأن الأهرام زفت إلى قرائها بشرى إنشاء 112 خط تليفون خصصتها اللجنة الأوليمبية الدولية لموالاة الصحف بالأخبار .. وأمدت اللجنة الدولية عددا من أسلاك التليغراف.

ويبدو أن ذلك كان التغيير الإيجابى الوحيد الذى طرأ على الرياضة المصرية حيث بدأت الصحافة تتابع وتهتم .. ولكن من تتاح له فرصة متابعة بقية الأحوال والتفاصيل قبل السفر إلى فرنسا للمشاركة فى دورتها الأوليمبية .. سيدرك بسهولة أننا لم نتغير .. وأننا منذ عام 1924 وحتى اليوم .. لا نزال نخلط فى الاختيار ما بين المجاملات وبين ما كان يجب أن تفرضه الظروف والاحتياجات ولوازم اكتمال التفوق وتحقيق النصر .. وأن بعثة مصر فى عام 1924 ضمت كثيرين ممن لم يكن هناك داع أو مبرر أو ضرورة لسفرهم.

ودب الخلاف بين الأهلى والزمالك ومن منهما يملك فى المنتخب لاعبين أكثر من الآخر .. كأنه ليس منتخب مصر وإنما منتخب يتقاسمه الأهلى والزمالك .. كما أن المسئولين أرادوا السفر كمكافآة أو نزهة بأكثر مما هو واجب والتزام .. بالإضافة إلى أن وزارة المعارف لم تتعاون بالشكل الكافى وتسمح للطلبة بالسفر بعد تأجيل اختباراتهم فى مدارسهم .. حتى إن النجم الكبير والمهم .. محمود أفندى مختار  .. الذى سيكتسب فيما بعد لقبا شهيرا هو التتش .. لاعب النادى الأهلى والذى كان أحد أعمدة المنتخب المصرى لكرة القدم .. كاد لا يسافر لأنه لم يستطع تأجيل امتحان نيل شهادة الكفاءة .. وتقرر أن يسافر بدلا منه لاعب سكندري لم يكن فى نفس مستوى وعطاء أو موهبة محمود مختار .. لولا تدخل سعد باشا زغلول كصاحب للدولة ورئيس للوزراء وقراره الجريء بسفر مختار على الرغم من رفض محمد سعيد باشا وزير المعارف.

وفى هذه الدورة .. لعبت مصر فى مسابقة كرة القدم أولى مبارياتها أمام فرنسا .. وانتهى الشوط الأول بتقدم فرنسا بهدفين إلا أن مصر نجحت فى التعادل فى الشوط الثانى بهدفين للسيد حودة وعلى رياض .. وكانت المباراة الثانية أمام المجر .. وتقدمت مصر بهدف لإبراهيم يكن فى الشوط الأول .. وأضاف كل من حسين حجازى والسيد إسماعيل هدفين آخرين لتنتهى المباراة بفوز كبير لمصر بثلاثة أهداف مقابل لاشىء للمجر.
وتناولت الصحافة الفرنسية وقتها الانتصار المصري بمزيد من التقدير والاهتمام وبالتأكيد على أن مصر فى طريقها لتصبح قوة كروية عظمى .. إلا أن الطبيعة أو العادة المصرية لم تسمح بدوام ذلك كله .. إذ جاءت المباراة الثالثة لتخسر مصر أمام السويديين بخمسة أهداف مرة واحدة.

أما بعيدا عن كرة القدم .. فقد شاركت مصر فى ثمانى لعبات أخرى .. اثنتان فى سباقات الجرى وخرجتا من الدور الأول .. وملاكم واحد خسر مباراته الأولى .. وأيضا مصارع واحد ورباع واحد .. وفريق للدراجات لم يفز فى تصفيات سباق الخمسين كيلومترا وانسحب من سباق المائة وثمانية وثمانين كيلومترا .. وتكرر نفس الأمر مع السلاح وإن كان المصارع إبراهيم مصطفى والرباع حامد سامى قد فاز كل منهما بالمركز الرابع فى لعبته.

وعاد المصريون من باريس إلى أنديتهم ومسابقاتهم وسابق حياتهم .. وعادت من جديد أزمة نادى الزمالك لتخرج مرة أخرى إلى النور واهتمام الناس وفضولهم .. وجاء شهر أكتوبر عام 1924 ليقرر مجلس إدارة نادى الزمالك .. الانسحاب رسميا من كل أنشطة ومسابقات الاتحاد المصرى لكرة القدم .. وفى الخامس من شهر نوفمبر .. اجتمع مجلس إدارة الاتحاد المصرى لبحث أمر انسحاب نادى الزمالك .. وأعلن اتحاد الكرة أنه طالما أصر الزمالك على الانسحاب .. فإن اتحاد الكرة لن يسمح للاعبى الزمالك بالانضمام إلى أية أندية أخرى هذا الموسم.

وعاد الزمالك يتقدم لاتحاد الكرة برجاء السماح للاعبيه بالانضمام إلى أية أندية أخرى .. واجتمع الاتحاد المصرى مرة أخرى وقرر أنه بعد مراجعة الزمالك .. والتأكد نهائيا من انسحابه .. فإن اتحاد الكرة سيسمح للاعبى الزمالك بالانتقال إلى ما يشاءون من الأندية الأخرى بشرط الانتهاء من ذلك قبل الخامس عشر من شهر نوفمبر.

فى نفس الوقت .. لم يعد أحد يعرف ما الذى بدأ يفكر فيه ويخطط له مسئولو الزمالك .. هل سينتقلون إلى الأرض الجديدة .. ويعيدون بناء ناديهم من جديد .. أم ستكون هذه الخطوة هى نهاية نادى الزمالك .. ولم يهتم أحد بذلك .. فالكل وقتها انشغل بمصير لاعبى نادى الزمالك .. ولكن لم ينشغل أحد بنادى الزمالك نفسه الذى انتقل بالفعل من أرضه القديمة التى اشتهرت به والتى دارت فوقها أعظم وأشهر وأجمل ملاحم الكرة المصرية فى سنواتها الأولى .. إلى أرض جديدة تطل على النيل ولكن بلا تاريخ .. أو ناس .. وبعيدة جدا عن قلب الأيام والناس .. وقلب القاهرة.

وفى نهايات عام 1924 .. باتت المقارنة بين نادى الزمالك والنادى الأهلى .. صارخة وظالمة وموجعة للغاية .. لنادى الزمالك بالطبع وليس النادى الأهلى .. ففى الوقت الذى بدأ النادى الأهلى يضيف إلى أرضه مساحات جديدة يقتطعها من مصلحة الأملاك زادت فى عام 1924 على العشرة أفدنة .. ويزداد نجاحا ورسوخا واستقرارا.

كان نادى الزمالك مضطرا لأن يجمع بقاياه وزواياه على عربات تجرها الخيول لينقلها من أرض المجد والتاريخ الجميل فى وسط المدينة إلى أرض جديدة وغريبة على النيل .. وبعدما كان الزمالك هو أول ناد فى مصر يقود الثورة رافضا سيطرة الأجانب والخواجات على الرياضة المصرية ونشاطاتها وأنديتها .. لم تسمح المقادير والظروف للزمالك بالاستمتاع بنتائج ثورته بعكس النادى الأهلى الذى اجتمعت جمعيته العمومية عام 1924 لتقرر ـ ولأول مرة ـ طرد الأجانب من النادى وقصر عضويته على المصريين فقط.

أما فى ملاعب الكرة .. فلم يعد الزمالك هو الأقوى أو الأكبر .. بعدما هجره معظم لاعبيه ونجومه الكبار وتخاطفتهم أندية أخرى فى مقدمتها الأهلى والسكة الحديد .. وكان من نتيجة ذلك أن أصبح الأهلى فى نهايات عام 1924 هو النادى الأول والأوحد فى مصر .. وتكالب الجميع على النادى الأهلى بقصد تنظيم مباريات ودية يلعب فيها الجميع أمام النادى الأهلى.

وبدأ اتحاد الكرة يشكو من كثرة هذه المباريات الودية التى تعرقل عمل الاتحاد ونشاطاته .. فقد كان الاتحاد المصرى وقتها ينظم ما يقرب من ثلاثمائة وخمسين مباراة رسمية فى الموسم الواحد  .. وفى الرابع والعشرين من شهر نوفمبر عام 1924 .. كتبت جريدة الأهرام تحذر من النشاط الكروى الودى للنادى الأهلى والذى بات أحيانا يطغى على النشاط الرسمى .. وقالت جريدة الأهرام .. لكم كنا نلوم الزمالك لانفراده بكبرى الحفلات الحبية والحفلات المختلفة لأغراض غير رسمية .. ولكم نلوم الأهلى اليوم.

وانتقل الزمالك بالفعل إلى أرضه الجديدة المقام عليها مسرح البالون الآن .. أرض محدودة المساحة لم تكن تحتمل أو تتسع لكل نشاطات وطموحات النادى الكبير .. مجرد أربع حجرات وملعب لكرة القدم بجواره حجرتان لخلع الملابس .. واضطر الزمالك للاكتفاء بكرة القدم وحدها يلعبها ويحاول بها وفيها الدفاع عن اسمه وتاريخه وكبريائه .. وللتنازل عن ألعاب الملاكمة والمصارعة ورفع الأثقال رغم الأمجاد التى سبق أن حققها الزمالك فى هذه الألعاب.

أما الخسارة الأكبر التى تعين على نادى الزمالك أن يتحملها نتيجة انتقاله من شارع بولاق إلى شاطئ النيل .. فكانت خسارة لاعبه الأعظم والأكبر والأشهر .. حسين حجازى .. فالمقر الجديد لنادى الزمالك كان يبعد جدا عن نادى البليارد الذى كان يواجه نادى الزمالك فى المقر القديم .. وكان من الصعب أن يتسع المقر الجديد لطاولة بليارد .. ليمارس فوقها حسين حجازى لعبته الثانية بعد كرة القدم .. فقرر النجم الكبير الانتقال من الزمالك إلى أى ناد آخر .. السكة الحديد أو الأهلى الذى كان البليارد وقتها أحد ألعابه ونشاطاته الرسمية .. وانتقل حسين حجازى بالفعل .. وفى نفس العام .. 1924 .. إلى نادى السكة الحديد الذى لعب له موسما واحدا قبل انتقاله إلى النادى الأهلى.