كتب - ياسر أيوب:

كانت السنوات الأربعة التى فصلت بين المشاركة الكروية لمصر فى دورتى باريس الأوليمبية عام 1924 ثم أمستردام عام 1928 .. حافلة بالحكايا والقضايا وهموم الكرة ومواجعها.

فقد بدأت تتغير خريطة الكرة فى مصر استنادا إلى غياب الزمالك الذى اضطر لأن ينتقل من موقعه حيث دار القضاء العالى ونقابتى المحامين والصحفيين حاليا .. إلى موقع آخر على النيل حيث مسرح البالون حاليا .. وغرق الزمالك فى مشكلاته وأزماته وهو الذى كان المنافس الأوحد فى مصر للنادى الأهلى .. وإذا كان الأهلى فى تلك السنوات الأربع قد فاز بمعظم البطولات والكئوس .. إلا أنه كانت هناك أندية أخرى بدأت تتطلع لأن تتحول من مجرد أندية كومبارس إلى قوى كروية كبرى فى مصر.

فالسكة الحديد كان واحدا من هذه الأندية .. فاز عام 1924 ببطولة الكأس السلطانية .. وفى نفس العام فاز أيضا ببطولة دورى القاهرة متفوقا على الأهلى والزمالك معا .. ثم عاد وفاز بالدورى مرة ثانية عام 1926 .. لكنه عجز عن الفوز بكأس الأمير فاروق أو كأس مصر كما نعرفها اليوم.

وتغيرت الخريطة الكروية أيضا بنادى الاتحاد السكندرى الذى فاز بكأس مصر عام 1926 .. التقى الاتحاد مع الأهلى فى المباراة النهائية وتعادل الفريقان بهدفين لكل منهما .. وفى المباراة الثانية فاز الاتحاد بثلاثة أهداف مقابل هدفين للأهلى .. وعاد الاتحاد إلى الإسكندرية بكأس مصر .. ولم تكن مجرد بطولة مثل أى بطولة أخرى.

وإنما كانت أول بطولة كروية رسمية فى مصر يفوز بها ناد من خارج القاهرة .. وأول تحدى من أندية الأقاليم لاتحاد الكرة فى القاهرة الذى تخيل أنه لا أندية مصرية خارج القاهرة ستلعب الكرة أفضل من أندية العاصمة إلى حد أنه قرر اعتبار دورى منطقة القاهرة بمثابة بطولة الدورى المصرى حيث الأندية القوية كلها فى القاهرة والباقى مجرد كومبارس .. وأثبت الاتحاد السكندرى العكس تماما .. ففاز بكأس مصر بالنيابة عن الإسكندرية وعن كل أقاليم مصر

وغير الإسكندرية والاتحاد السكندرى .. كانت هناك أيضا مدينة الزقازيق عاصمة مديرية الشرقية .. وقد أصبحت الزقازيق فى عام 1926 هى المدينة الثالثة فى مصر .. بعد الإسكندرية وبورسعيد .. التى تشهد نشاطا كرويا واهتماما بكرة القدم مثل القاهرة .. ومثل الاتحاد السكندرى والمصرى البورسعيدى .. باتت الزقازيق تملك نادى المختلط الذى تأسس عام 1925 .. فى شارع عباس بجوار كلوب قناوي.

ومارس منذ تأسيسه ألعاب كرة القدم والمصارعة والملاكمة ورفع الأثقال .. وقد أثار انضمام هذا النادى لاتحاد كرة القدم وقتها أزمة كبرى بعد أن أصر اتحاد الكرة على ضرورة ضم هذا النادى إلى إحدى مناطقه .. وبينما كان الشراقوة يطلبون الانضمام إلى منطقة القاهرة .. فضل الاتحاد ضم النادى الجديد إلى منطقة القناة.

وانحازت جريدة الأهرام للشراقوة فى مطلبهم وكتبت أكثر من مرة تشرح وتفسر وتؤكد أن الزقازيق أقرب جغرافيا إلى القاهرة من بورسعيد أو السويس أو الإسماعيلية .. وأنه إذا كان قد تعذر إقامة منطقة خاصة للشرقية لأنه ليس بها إلا ناد واحد فقط .. فإن المنطقى أن يلعب هذا النادى مع أندية القاهرة .. وفشلت كل هذه المحاولات .. وفشل الشراقوة فى مسعاهم للالتحاق بمنطقة القاهرة.

وبعدها عادت جريدة الأهرام تكتب فى حزن على رفض الاتحاد المصرى والذى كان بموافقته على انضمام النادى إلى منطقة القاهرة .. كان سيحيي مدينة مشتاقة للرياضة منذ زمن بعيد سيما وأنها كانت واثقة من أن لعبة الكرة سترجع لسيرتها الأولى أيام حسين حجازى والأباظيين الرياضيين الكبار .. وفى موسم 1926 .. كانت هناك ثمانية أندية تم تصنيفها رسميا على أنها أندية الفئة الأولى فى سجلات اتحاد الكرة .. الأهلى .. والأهلى الأبيض أى الفريق الثانى للنادى الأهلى .. والزمالك .. والترسانة والسكة الحديد واليونان والقاهرة والزيتون.

ولم يجد الاتحاد المصرى أية أندية تصلح لاعتبارها أندية درجة أولى فى منطقة الإسكندرية .. والمصرى فى بورسعيد .. والمختلط فى الزقازيق .. حتى الاتحاد السكندرى لم يدرجه اتحاد الكرة وقتها ضمن قائمة الأندية الفئة الأولى رغم أنه فى تلك السنة فاز بكأس مصر .. ولكنه كان واضحا أن الخريطة الكروية فى مصر تتغير بالفعل .. وتتنوع القلاع الكروية وتتناثر فى أكثر من مدينة لتتحق العدالة الاجتماعية فى كرة القدم ولا تبقى القاهرة وحدها هى صاحبة كل أضواء وبطولات اللعبة الجميلة

أما الترسانة فقد بدأ يزداد قوة سنة بعد أخرى ليفوز بالكأس السلطانية عام 1928 .. وكانت مباراة نهائية صعبة للترسانة أمام الأهلى .. وقالت الصحافة وقتها أنها مباراة ستجمع بين أقوى ناديين فى مصر .. الأهلى والترسانة .. حيث تواجه الناديان يوم الثالث عشر من شهر أبريل فى المباراة النهائية للكأس السلطانية .. مواجهة صعبة وفاصلة .. وفاز نادى الترسانة بالمباراة وبالكأس .. وفى سابقة أولى من نوعها .. نشرت جريدة الأهرام فى صفحتها الأولى فى اليوم التالى للمباراة صورة لنجم الترسانة .. على رياض .. وتحت الصورة كتبت جريدة الأهرام .. على رياض رئيس فرقة الترسانة التى فازت أمس على فرقة النادى الأهلى فى المباراة النهائية لنيل الكأس السلطانية وهو صاحب رمية سنة 1928.

وكانت المرة الأولى التى تخرج فيها كرة القدم إلى الصفحة الاولى من جريدة الأهرام بهذا الشكل وبهذا الاهتمام .. والصورة الرياضية  الأولى أيضا فى تاريخ الصحافة المصرية .. أما فى صفحة الرياضة .. وتحت عنوان رمية 1928 الرياضية .. كتب إبراهيم علام فى الأهرام يقول : فى الدقيقة الثالثة والثلاثين بعد بداية الشوط الثانى .. أخطأ أحد مدافعى الأهلى .. فصفر الحكم وأوقف الكرة قرب خط منطقة الجزاء .. وإذ بعلى رياض يعدل الكرة ليرميها .. وإذا الناس يلومون على رياض لأنه يتشبه بحجازى فى مثل هذا الموقف .. وإذ بعلى رياض يرمى الكرة رمية أرضية مدهشة جدا لم تترك الأرض فى مشيتها ولم تعط لأى لاعب .. ولا حتى حارس المرمى .. فرصة إيقافها أو مسها بسوء .. فدخلت شبكة الأهلى كأنها حية تسعى .. واستمر اللعب إلى نهاية الوقت دون تغيير النتيجة .. واجتمع الناس حول اللاعبين فى آخر الأمر يشاهدون أبناء الورش الأميرية المصرية يتناولون من يد سعادة مندوب جلالة ملك مصر المحبوب كأس المرحوم ساكن الجنان السلطان حسين

إلى هنا .. لم تكن هناك أية مشكلة .. فأن يلتقى الأهلى والترسانة فى مباراة لنهائى كأس السلطان .. فيفوز أحدهما بالكأس .. أمر عادى وطبيعى جدا .. أما الذى كان مفاجئا .. ومزعجا .. ومربكا جدا .. فهو أن لاعبى الأهلى رفضوا الصعود إلى حيث يقف مندوب الملك لتسلم الميداليات الفضية .. وصعد لاعبان فقط وتسلما كل الميداليات بالنيابة عن باقى لاعبى الأهلى .. وكان هذا هو الحدث الذى طغى على فوز الترسانة بالكأس .. فالناس كلها .. والصحافة كلها .. طيلة الأيام التالية .. لم يعد هناك مايشغلها إلا رفض لاعبى الأهلى تسلم ميدالياتهم.

وكان هناك من بدأ ينتقد الأهلى ولاعبيه على هذا السلوك .. وكان هناك من بدأ يدافع ويجد تفسيرا وتبريرا لعدم صعود لاعبى الأهلى .. ولأن الانتقادات بدأت تكبر يوما بعد يوم .. والتبريرات تتضاءل يوما بعد يوم .. فقد قررت إدارة النادى الاهلى أن تحسم بيدها هذا الأمر .. فقررت أن تعاقب حسين حجازى بالإيقاف ثلاثة أشهر بعد ان ثبت لها أن حسين حجازى هو المسئول الأول عما جرى وأنه هو الذى حرض زملاءه على عدم الصعود لتسلم ميدالياتهم من مندوب جلالة الملك.

وكان هذا القرار يعنى إنقاذ النادى الأهلى من هذه المشكلة وخروجه من هذه الأزمة .. وكان يعنى أيضا عدم سفر حسين حجازى مع المنتخب المصرى للمشاركة فى دورة أمستردام الأوليمبية .. وتخيل كثيرون أن مثل هذا القرار سيعنى أيضا ما هو أهم وأكبر من عدم السفر إلى أمستردام .. إذ قد يكون هذا الإيقاف هو بداية ابتعاد حسين حجازى عن ملاعب الكرة واضطراره إعلان اعتزاله .. وهو ما لم يفكر فيه حسين حجازى أبدا .. كان الرجل مصدوما .. مجروحا وغاضبا .. لكنه لم يتحول بعد إلى لاعب أو إنسان مهزوم .. فلم يفكر فى الابتعاد .. ولا فى الاعتزال .. بقى يريد اللعب والكرة والبقاء لأيام وسنوات أخرى فى ملاعب الكرة .. فتقدم زملاء حجازى وأنصاره بالتماس لاتحاد الكرة يطلبون فيه إلغاء عقوبة إيقاف حسين حجازى.

واستند كل هؤلاء فى ذلك إلى خجل حسين حجازى الذى منعه من الخروج إلى الناس وهو مهزوم وإلى أنه كان حزينا جدا لخسارة النادى الأهلى دون أن يقصد إهانة أى أحد أو يرفض تسلم ميدالية من مندوب جلالة الملك .. واجتمع مجلس إدارة منطقة القاهرة لكرة القدم برئاسة داود راتب بك لبحث هذا الالتماس .. وانتهى الاجتماع بمناشدة النادى الأهلى واتحاد الكرة العدول عن قرار إيقاف حسين حجازى حفاظا على قوة المنتخب المصرى .. أما اتحاد الكرة .. فقد اجتمع فى السادس والعشرين من شهر أبريل .. وقرر إحالة هذا الالتماس إلى النادى الأهلى مع تكليف كل من فؤاد أباظة بك وفؤاد أنور بك بأن يؤكدا لمجلس إدارة النادى الأهلى رغبة اتحاد الكرة فى قبول هذا الالتماس وإلغاء قرار الإيقاف .. المثير فى الأمر أن رئيس اتحاد الكرة .. جعفر والى باشا .. الذى وافق وقبل هذا الالتماس وأرسل للنادى الأهلى يطلب منه إلغاء العقوبة .. كان هو نفسه جعفر والى باشا رئيس النادى الأهلى.

أى أن جعفر والى باشا كرئيس لاتحاد الكرة .. أرسل رسالة يطلب فيها موافقة جعفر والى باشا رئيس النادى الأهلى .. على إلغاء عقوبة إيقاف حسين حجازى لاعب النادى الأهلى .. وكان هذا أول نموذج واضح للخلط فى الأوراق والخلط بين الأدوار والذى عانت منه وبسببه الكرة المصرية كثيرا وجدا منذ ذلك التاريخ وحتى الآن.