سيبقى عام 1928 من أهم وأجمل وأصعب وأطوال الأعوام فى تاريخ الكرة المصرية .. عام لا يمكن نسيانه ولن يستطيع تجاهل أحداثه ووقائعه كل من يريد أى حديث عن تاريخ كرة القدم وحكاياها مع مصر .. ففيه كان أحد أهم وأشهر انتصارات الكرة المصرية على المستوى الدولي .. وفيه كان أول ظهور للاعب النجم فى تاريخ مصر .. وفيه تأكدت الحساسية بين الأهلي والزمالك والتسابق بينهما على نجوم الكرة .. وعلى قيادة اتحاد الكرة أيضا .. وفيه كانت أول إشارة لضعف الجمعية العمومية لاتحاد الكرة وأندية كثيرة لكن ضعيفة وعاجزة عن أن تحاسب أو تحاكم أى مسئول .. والمثير فى الأمر أن تلك الوقائع كلها ارتبطت برحلة واحدة سافر فيها منتخب الكرة ضمن البعثة المصرية للمشاركة فى دورة أمستردام الأوليمبية.

وفى أول شهر أبريل عام 1928 .. اجتمع الاتحاد المصري لكرة القدم واعتمد اختيار لاعبى المنتخب المصرى الذين من المقرر سفرهم للمشاركة فى دورة أمستردام الأوليمبية .. منتخب تكون من لاعبى الأهلى والترسانة والاتحاد والأوليمبى والزمالك والمصرى ونادى البوليس .. ولم يضم المنتخب أعظم لاعب مصرى فى ذلك الوقت .. حسين حجازى .. فإدارة الأهلى رفضت التراجع عن قرارها بمعاقبة اللاعب بالإيقاف ثلاثة أشهر.
وقالت مجلة المصور وقتها أن عدم سفر حجازى .. أصبح أحدوثة الجميع فى منتدياتهم وفى مجامعهم الرياضية والسياسية والكل آسف ومتألم .. وكان الألم عظيما للحظة الأخيرة .. ولقد بذل آخر سهم ليسافر حجازى ولكن طاشت السهام جميعا .. ونفذ قرار لجنة الأهلي العليا الذى قضى بإيقافه ثلاثة أشهر.

وعلى أى حال .. سافر المنتخب المصرى فى الثانى عشر من شهر مايو .. ونشرت مجلة اللطائف المصورة صورة للاعبى منتخب مصر لكرة القدم يوم تشرفهم بالمثول بين يدى مولانا الملك .. لاستئذانه فى السفر والتزود بنصائحه الغالية قبل رحيلهم إلى أمستردام .. أما جريدة الأهرام فقد سخرت من تشكيل البعثة وقالت إنها أغنى بعثة عرفت فى مصر وفى غير مصر بعدد إدارييها .. وهى أفقر بعثة عرفت فى مصر وفى غير مصر بعدد لاعبيها .. فقد تكونت من 21 لاعبا و6 إداريين ورئيس ووكيل وسكرتير وأمين صندوق وممرن وحكم .. وكان من الواضح أن كرة القدم .. وبعثتها ونجومها .. استأثرت بكل الاهتمام فلم يعد كثيرون يتذكرون أو ينتبهون إلى أن مصر أرسلت إلى أمستردام لاعبيها للمشاركة فى مسابقات أربع لعبات أخرى غير كرة القدم .. السلاح والمصارعة الرومانية ورفع الأثقال والسباحة .. وعلى الرغم من ذلك .. فقد بقى الاهتمام كله .. والرهانات كلها .. من نصيب كرة القدم وحدها.

وشاءت الظروف والمصادفات أن تلعب مصر أولى مبارياتها فى دورة أمستردام الأوليمبية أمام تركيا ..  مباراة صعبة ومهمة وشديدة الحساسية .. كانت مواجهة أكثر عمقا من مجرد مباراة لكرة القدم .. فلم ينس المصريون بعد أنهم عاشوا طويلا فى وطن كان .. حتى سنوات قليلة مضت .. مجرد ولاية عثمانية يحكمها السلطان التركى الأعظم .. وفى مصر .. كان الأتراك هم السادة .. هم الحكام .. هم الطبقات العليا .. الأرستقراطية .. التى تأمر وتنهى .. وتمنح وتمنع .. فإذا بالمقادير تضع المصريين فى هذه المواجهة الصعبة والمباشرة أمام الأتراك .. وكأنها فرصة جاءت أخيرا ليثبت فيها الفلاحون المصريون انهم ليسوا أقل قوة أو شأنا من الأتراك أسياد الماضى البعيد والقريب.

ولهذا لم يكن من المستغرب أن تصدر جريدة الأهرام فى يوم المباراة .. الثامن والعشرين من شهر مايو عام 1928 .. وفى صفحات الرياضة برواز أتخيل أنه كان الأول من نوعه فى تاريخ الصحافة المصرية على الإطلاق .. فتحت عنوان دعوة لإخواننا المسلمين .. كتبت جريدة الأهرام تقول .. نطلب إلى كل رياضى مصرى أن يقف حول منتصف الخامسة بعد ظهر اليوم متجها نحو القبلة داعيا رب العالمين أن ينصر عبيده وأبناء عبيده لاعبى الكرة من المصريين على إخوانهم الأتراك فى ميدان أمستردام.

وأخيرا .. بدأت المباراة المرتقبة .. ومثل منتخب مصر فيها كل من .. حمدى وأحمد سالم وأباظة وأحمد سليمان والحسنى والصورى وجميل الزبير ومختار التتش ومحمود إسماعيل وعلى رياض والسيد إسماعيل .. ولعب المصريون .. أجادوا وتألقوا .. وفازوا على الأتراك بسبعة أهداف مقابل هدف واحد .. أحرز محمود مختار التتش ثلاثة أهداف منها .. وهدف واحد لكل من على رياض والسيد إسماعيل ومحمود إسماعيل وجميل الزبير.

وفاضت الفرحة والبهجة فى القاهرة ومصر كلها .. ولأن المباراة أقيمت فى يوم وقفة عيد الأضحى .. فقد شعر المصريون بأنهم امتلكوا عيدين .. عيد الأضحى .. وفى اليوم الذى سبقه عيد الفوز على الأتراك .. وكما شهدت هذه المباراة قبل أن تقام .. الصحافة المصرية لأول مرة تناشد المصريين الدعاء بالتوفيق لمنتخب مصر لكرة القدم قبل أن يلعب .. شهدت هذه المباراة أيضا لأول مرة ملك مصر يهتم بكرة القدم إلى هذا الحد .. وأن يبادر جلالته بإرسال برقية كتبها كبير أمناء القصر قال فيها : حضرة فؤاد بك أنور رئيس البعثة المصرية بأمستردام .. سر جلالة الملك .. ولى نعمتنا الأعظم .. من تلغرافكم الرقيق وكلفنى أن أشكركم وكذلك الفريق المصرى .. وأن يهنئكم بالانتصار الذى أحرزتموه .. ومع تمنيات جلالته لكم بالعيد السعيد والنجاح المستمر .. فإن جلالته يضيف عبارات محبته الأبوية.

وبهذه الفرحة وبكل هذه الاستثناءات والمشاعر .. لعبت مصر مباراتها الثانية أمام البرتغال .. وفازت مصر بهدفين مقابل هدف واحد .. لتتأهل مصر بهذا الفوز للدور قبل النهائى حيث لعبت أمام الأرجنتين .. والتى خسرتها مصر بستة أهداف نظيفة لمصلحة الأرجنتين .. وعادت مصر لتلعب أمام إيطاليا فى مباراة تحديد المركزين الثالث والرابع .. وكانت الخسارة الثقيلة من نصيب مصر .. فقد أحرزت مصر ثلاثة أهداف مقابل أحد عشر هدفا أحرزها الإيطاليون فى مرمى مصر.

ولم يتوقف المصريون كثيرا وطويلا أمام هذه الخسارة الثقيلة .. فكرة القدم بالنسبة لهم كانت قد حققت هدفها الأسمى من المشاركة فى دورة أمستردام الأوليمبية وهو تحقيق هذا الفوز الساحق على الأتراك  بسبعة أهداف كاملة ..والذى لم يكن فى حقيقته مجرد فوز كروى بقدر ما كان فوزا وانتصارا سياسيا واجتماعيا وتاريخيا أيضا .. ثم إن الانتصارات الأخرى التى حققها المصريون فى اللعبات الأخرى فى نفس دورة أمستردام الأوليمبية .. جعلت كثيرين لا ينتبهون للخسارة فى ملاعب كرة القدم.

فقد فازت مصر فى هذه الدورة بميدالية ذهبية لسيد نصير فى رفع الأثقال .. وميدالية ذهبية لإبراهيم مصطفى فى المصارعة الرومانية .. وميدالية فضية لفريد سميكة فى الغطس من المنصة الثابتة وأيضا ميدالية برونزية لنفس اللاعب فى الغطس من منصة متحركة .. ونشرت مجلة اللطائف المصورة فى عددها الصادر يوم العشرين من شهر أغسطس عام 1928 تحقيقا مصورا قالت فيه  : لمصر أن تتيه فخرا بأبنائها الذين رفعوا شأنها بين الدول وخلدوا اسمها فى سجل المجد الرياضى .. أولئك الذين فازوا فى الألعاب الأوليمبية التاسعة فى أمستردام .. أولهم البطل العالمى السيد نصير .. وثانيهم إبراهيم مصطفى .. وثالثهم سلفاتورى شيكوريل الذى كان السابع على العالم فى لعبة السيف ورابعهم شاوول مويال الذى لمع بين أبطال العالم فى لعبة السيف أيضا.

والجدير بالذكر أن سلفاتورى شيكوريل .. كان هو صاحب محال شيكوريل الشهيرة فى وسط القاهرة وأحد لاعبى مصر فى لعبة السيف وقد فاز فى الدور النهائى وكان السابع فى الترتيب النهائى للعبة فى الدورة الأوليمبية .. أما شاوول مويال .. الموظف فى شركة فاكوم أويل بالقاهرة .. فقد كان التاسع فى نفس الترتيب .. وإذا أضفنا لهذه الإنجازات الأوليمبية .. انتصار إدمون صوصا .. الذى أصبح بطل العالم للبليارد .. وإسحاق حلمى الذى نجح أخيرا .. وباقتدار .. فى ان يكون أول سباح مصرى يعبر المانش .. فسيصبح من السهل أن ندرك أن عام 1928 كان أعظم السنوات فى تاريخ مصر الرياضى على الإطلاق.

ولكن بالنسبة لكرة القدم .. لم يبق عام 1928 هو عام الفرحة الصافية والباقية .. فما إن انتهت دورة أمستردام الأوليمبية وعادت بعثة كرة القدم إلى القاهرة عقب رحلة طويلة زارت خلالها لوكسمبرج وسويسرا ثم فرنسا حيث عادت البعثة بحرا من ميناء مرسيليا .. حتى كانت هناك مشكلات وهموم لا أول لها ولا آخر بدأت تعيشها كرة القدم فى مصر .. فى مقدمتها كانت انتخابات اتحاد كرة القدم.

ومن المثير فى الأمر أن صحافة مصر فى عام 1928 بدأت تشكو من أسلوب انتخابات اتحاد الكرة .. وكيف تباع أصوات الناخبين فى أية جمعية عمومية أو قبلها بجنيه واحد مقابل الصوت .. أو بوعد بمنصب ووظيفة أو خدمة أو مجاملة ما .. إلى جانب قيام بعض السلطات بخدمة أفراد معينين والضغط على الأندية .. الصغيرة والفقيرة منها غالبا .. من أجل أن تعطى أصواتها لصالح هؤلاء الأفراد .. إلى جانب أندية كثيرة ليس لها وجود أو عطاء حقيقى فى عالم كرة القدم .. إنما هى أندية من ورق لا تظهر إلا فى الجمعيات العمومية وفى أوقات إجراء كل انتخابات.

ولا يملك أى أحد إلا أن يبدى دهشته واستغرابه حين يكتشف أن الصحافة فى مصر تكتب عن ذلك .. تصرخ وتشكو من ذلك .. تطلب وتلح فى تغيير ذلك منذ عام 1928 إلا أن ذلك لا يتغير ولا يتبدل أبدا .. ولا تزال صحافة الرياضة المصرية تكتب هذا الكلام وتصرخ بهذه الشكاوى حتى اليوم .. وعلى أى حال أجريت الانتخابات .. وانتهت بجعفر والى باشا رئيسا للاتحاد .. وشغل منصبى الوكيلين سمو الأمير عباس حليم ومحمد حيدر بك .. وأحمد فؤاد أنور فى منصب السكرتير العام .. ومحمد نجاتى أباظة بك أمينا للصندوق .. وإبراهيم علام أفندى ومصطفى العروسى أفندى مراقبين للحسابات.