أصوات البنادق الآلية وطلقات النار التى صاحبت مباراة مصر المقاصة وتليفونات بنى سويف فى استاد الفيوم فى غياب تام للأمن ووسط كارثة محتملة وقاسية لو تحققت نتيجة لا يرضى عنها أصحاب السلاح .. وفوضى الشغب المجنون والغضب الذى فاق كل التوقعات والحدود فى استاد غزل المحلة .. واعتراض الحكام على وضع إعلانات فوق قمصانهم لأن بعضهم يرى ذلك لا يليق بقضاة الملاعب والبعض الآخر يرفض تجاهل الحكام أنفسهم فى توزيع عوائد تلك الإعلانات .. وثلاث استوديوهات جديدة للتحليل الكروى أضيفت إلى الاستوديوهات القائمة مما يعنى رواج إعلامى فى بلد تكاد كل مظاهر الحياة فيه أن تتوقف .. كل هذه الملامح كانت البداية التى تناسبنا ونصلح لها فى افتتاح موسم كروى جديد والنسخة الخامسة والخمسين من الدورى المصرى.

وإذا كانت تلك هى ملاحظات البداية .. فهناك أمور أخرى ينبغى أن تقال ونحن لا نزال فى أول خطوة وأول أسبوع .. أولها هو أننا نبدأ فى أكتوبر بدلا من شهر سبتمبر أو حتى آخر أغسطس كما هو معتاد .. كما أنه فى كل بلدان الدنيا يبدأ الموسم الجديد بمباراة السوبر بين بطلى دورى وكأس الموسم الذى سبق.. ثم يبدأ دورى الكرة ومعه يبدأ موسم حقيقي وجديد.. لكننا فى مصر بدأنا الموسم الجديد باستكمال فواتير الموسم الماضي.. فلم تكن هناك مباراة للسوبر لأن الموسم أصلاً بدأ بالبحث عن بطل لكأس مصر فى موسم مضى.

ومن الممكن التماس العذر لاتحاد الكرة لأن الموسم الماضي شهد ثورة يناير بكل ما صاحبها ونتج عنها من توقف واضطراب وارتباك.. لكنه بالتأكيد يصعب جدًا قبول أو فهم أو احترام أى عذر لنفس اتحاد الكرة وهو يقرر أن يضم الدوري الجديد 19 ناديًا لمجرد أن اتحاد الكرة قرر مجاملة نادى الاتحاد السكندري رافضًا أن يهبط النادي العريق للمظاليم فقرر الإبقاء عليه ومعه رفيقاه فى رحلة الهبوط.. سموحة والمقاولون.

فبقى الثلاثة وصعد ثلاثة آخرون ثم عجز اتحاد الكرة عن ترتيب دورة يتأهل بها ناد رابع ليكتمل عدد أندية الدوري الممتاز إلى عشرين ناديًا.. وبالتالى سنشهد 19 فريقًا فقط فى الدوري الجديد.. وسيصبح لدينا فريق واحد كل أسبوع ليس مطالبًا باللعب.. وقد ينجم عن ذلك فضائح ومهازل فى نهاية الدورى حين يشتد الصراع سواء فى سباق القمة أو حروب الهروب من القاع.

وعلى الرغم من أنه لا أحد يقبل ذلك أو يحترم هذا الفكر والمنهج.. فإنه لم يكن لائقًا ببعض زملائى أن يتورطوا فى الكلام والكتابة والسخرية مؤكدين بمنتهى الثقة والجرأة أنها المرة الأولى فى مصر التى تشهد عددًا فرديًا لأندية دورى الكرة.. فليس ذلك صحيحًا.. وكل من يرجع للحقائق البسيطة الخاصة بتاريخ الدورى فى مصر منذ انطلاقه عام 1948.. ستفاجئه الورقة الأولى بأن أول موسم للدورى المصرى.. ضم أحد عشر ناديًا.. هم حسب الترتيب النهائى للمسابقة.. الأهلى والترسانة والإسماعيلى والزمالك والمصرى والاتحاد السكندرى والأوليمبى والسكة الحديد واليونان والترام وبورفؤاد.

وقام اتحاد الكرة فى نهاية الموسم بإقامة دورة ثلاثية بين آخر ثلاثة أندية لتحديد من يهبط منها فكان نادى الترام ولم يقم الاتحاد بتصعيد أى ناد من الدرجة الثانية بدلاً من نادى الترام ليقام الموسم الثانى للدورى المصرى بعشرة أندية فقط.

فإنه لم يكن لائقًا ببعض زملائى أن يتورطوا فى الكلام والكتابة والسخرية مؤكدين بمنتهى الثقة والجرأة أنها المرة الأولى فى مصر التى تشهد عددًا فرديًا لأندية دورى الكرة

ثم يأتى موسم 55/1956 ليصبح عدد أندية الدورى أحد عشر ناديًا.. فالموسم الذى قبله شهد أزمة كبرى بين الأهلى واتحاد الكرة بعد مباراة الأهلى والترام.. وقرر مجلس إدارة الأهلى الانسحاب ليس من الدورى فقط وإنما من كل أنشطة اتحاد الكرة أصلاً بعدما تأكد من موقف الاتحاد العدائى السافر له الذى أراد إعادة مباراة الأهلى والترام التى فاز بها الأهلى 3/2 رغم أن تقرير الحكم لم يدن الأهلى ولاعبيه.

واجتمع الاتحاد فى 6 مايو وقرر منح الأهلى مهلة حتى يتراجع عن قراره بالانسحاب.. ولم يستجب الأهلى.. فقرر اتحاد الكرة شطب الأهلى من سجلاته.. وقام بتخيير لاعبى الأهلى بين الانتقال لناد آخر أو الاعتزال.. وبعد أربعة أيام اجتمع لاعبو الأهلى وقرروا عدم ترك النادى حتى لو أدى الأمر لاعتزالهم الكرة نهائيًا.. ولأن لاعبى الأهلى وقتها كانوا القوام الأساسى لمنتخب مصر الذى يستعد للمشاركة فى دورة ألعاب المتوسط.. فقد قرر اتحاد الكرة مد المهلة للأهلى حتى يشارك لاعبوه مع منتخب مصر.. وانتهت ألعاب المتوسط وقرر اتحاد الكرة عدم استكمال المسابقة مع صعود المنصورة من الدرجة الثانية ليبدأ الدورى الجديد بأحد عشر ناديًا.. وبالمناسبة لا تزال المهلة التى منحها اتحاد الكرة للأهلى عام 1955 قائمة حتى الآن ولم يصدر بشأنها أى قرار رسمى سواء بالعفو أو العقاب ولم يقم أحد بإغلاق هذا الملف إلى اليوم.

وفى موسم 76/1977.. عاد العدد الفردى من جديد ليصبح خمسة عشر ناديًا.. إذ أنه من الواضح أن إلغاء الهبوط أو تحديد عدد الأندية المشاركة فى الدورى الممتاز لم يكن من الأمور التى تحظى بأى احترام وتقدير من أى أحد.. فمن بين أربعة وخمسين موسمًا للدورى الممتاز فى مصر.. شهدت مصر 16 موسمًا ضم فيها الدورى 14 ناديًا.. و12 موسمًا ضم فيها الدورى 12 ناديًا.. وعشرة مواسم ضم فيها الدورى 16 ناديًا.. وثمانية مواسم ضم فيها الدورى عشرة أندية.. وثلاثة مواسم ضم فيها الدورى 24 ناديًا.. وموسمين فقط ضم فيهما الدورى 11 ناديًا.. وموسمًا واحدًا ضم فيه الدورى 15 ناديًا.

أى أن كل الاحتمالات بقيت طول الوقت قائمة ومتاحة حسب المزاج والهوى والظروف.. مجاملات وقرارات عشوائية وأوامر وضغوط عليا سياسية واجتماعية وتوازنات انتخابية وإعلامية كانت طول الوقت تسمح بتغيير شكل الدورى وعدد أنديته.. ولست هنا أدافع عن أى قرار لسمير زاهر ورجاله.. فأنا أراهم ارتكبوا كل القرارات الخاطئة وكادوا فى أوقات كثيرة يحيلون الدورى المصرى إلى سلعة غير قابلة للاستخدام.. وإنما أتحدث عن تاريخ وواقع حدث بالفعل.. فسمير زاهر ليس مسئولاً وحده عما وصلنا إليه من ضعف وتردٍ وارتباك.. إنما هو ميراث قديم ودائم أسهم فيه كثيرون جدًا ممن أداروا الاتحاد.

والمشكلة الآن ليست فقط فى التسعة عشر ناديًا الذين سيبدأ بهم الدورى الجديد.. إنما هى فيمن سيهبط آخر الموسم.. فاتحاد الكرة قبل الدورة الثلاثية أعلن عن هبوط ستة أندية من عشرين.. ولكنه لم يحدد عدد الهابطين من تسعة عشر.. ولا الأسس.. ولا احتمالات انضمام هؤلاء الهابطين إلى أى من مجموعات الدرجة الثانية وأين سيكون مكانهم.. أى أننا نبدأ مسابقة جديدة ونحن لم نتفق بعد.. بشكل نهائى وواضح ومحدد.. على عدد الهابطين وكيف سيتم تحديدهم وأسس اختيارهم.

وعلى الأرجح قد يضطر الاتحاد فى نهاية الموسم الجديد إلى إلغاء الهبوط أصلاً وإقامة دورى من مجموعتين بعد انتهاء مهلة الكاف لإقامة دورى المحترفين فنحن آخر من يصلح لهذا الاحتراف والتحديد والتخطيط الذى نتعامل معه باعتباره نوعًا من الترف لا نقدر عليه ورفاهية ليست لها مكان فى حياتنا وملاعبنا.

ولست هنا أدافع عن أى قرار لسمير زاهر ورجاله.. فأنا أراهم ارتكبوا كل القرارات الخاطئة وكادوا فى أوقات كثيرة يحيلون الدورى المصرى إلى سلعة غير قابلة للاستخدام

وقد لا يكتمل هذا الدورى الذى سيبدأ بعد قليل أصلاً.. لدواعٍ أمنية أو سياسية أو لأى سبب آخر.. فقرار إلغاء المسابقة قرار سهل دائمًا.. ففى ثلاث وستين سنة.. لم يجر استكمال المسابقة تسعة أعوام.. مرة فى عام 1952 لأن منتخب مصر شارك فى دورة هلسنكى الأوليمبية.. ومرة فى عام 1955 بسبب انسحاب الأهلى ورفضه اللعب مرة أخرى مع الترام.. وأربعة مواسم بسبب حرب يونيو.. أربع سنين تخيل الجميع فيها أن الرئيس جمال عبد الناصر هو الذى أمر بذلك حتى فوجئ الراحل الكبير محمد لطيف بالرئيس عبد الناصر يسأله عن سبب إلغاء دورى الكرة.. فعاد الدورى من جديد دون أن يجرى تحقيق واحد بحثًا عمن اتخذ هذا القرار وماذا كانت رؤيته وأسبابه ودواعيه.

وتم إلغاء الدورى بعد ذلك عام 1972 بعد الشغب الذى صاحب مباراة للأهلى مع الزمالك وضربة الجزاء الشهيرة التى احتسبها الديبة ضد مروان كنفانى حارس مرمى الأهلى.. وتم إلغاء المسابقة عام 1973 بسبب حرب أكتوبر.. وأخيرًا تم إلغاء المسابقة عام 1990 لأن منتخب مصر تأهل لنهائيات كأس العالم فى إيطاليا.

لابد أن نتوقف أيضا أمام أول دورى عام شهدته مصر عام 1948 .. والتساؤل عن مصير الأندية التى شاركت فى أول دورى وماذا جرى لها ومعها.. لا يزال الأهلى باقيًا ومعه الزمالك والإسماعيلى والمصرى والاتحاد.. أى خمسة أندية من أحد عشر ناديًا.. واختفت من الدورى الممتاز أندية الترسانة والأوليمبى والسكة الحديد وبورفؤاد والترام واليونان.. وكلها أندية لها قيمتها ومكانتها واعتبارها.. فالترسانة والأوليمبى مثلاً ناديان من سبعة أندية هى التى نجحت فى الفوز بهذا الدورى إلى جانب الأهلى والزمالك والإسماعيلى والمحلة والمقاولون.

كما أن السكة هو صاحب أول ملعب رسمى لكرة القدم فى مصر مثلما كان الأوليمبى هو أول ناد فى تاريخ مصر يتأسس من أجل كرة القدم وحدها.. وما بين أول موسم وأحدث موسم.. ظهرت أندية أخرى كثيرة واختفت.. منها من كان مرشحًا للاختفاء بعد ظهور مفاجئ.. ومنها من كان اختفاؤه أمرًا قاسيًا ومزعجًا بحسابات الكرة والشعبية والمكانة.. ونحن للأسف الشديد.. لم ننشغل أبدًا من قبل بدراسة هذا الأمر.. صعود وظهور وانهيار واختفاء أندية الكرة فى الدورى المصرى.

انشغلنا فقط مؤخرًا بالحديث أحيانًا والصراخ أحيانًا أخرى عن الأندية الشعبية فى مواجهة أندية الوزارات والهيئات والشركات.. ثم عدنا ونسينا حتى هذا الموضوع ولم يعد يشغلنا إلا المادة 18 من قانون الفيفا والتى نستخدمها إن احتاجت بعض الأندية إلى الضغط على اتحاد الكرة ثم تعود وتحتفظ بها فى أدراج مكاتبها إن انقضت المصلحة وتحققت المطالب.

أما لماذا تولد الأندية وتلعب الكرة وتنجح ثم تنهار وتختفى.. فلا أحد اهتم بذلك الأمر من قبل.. ولعله قد يكون من المناسب هنا التوقف أمام الأندية التى اجتمعت لتؤسس أول اتحاد للكرة فى مصر.. الأهلى والزمالك والترسانة والتوفيقية والقاهرة والسكة الحديد والعباسية والنيل والزيتون والأهرام و(أرارات) وصلاح الدين ومنتخب المدارس ومصر والمصرى بدرب الجماميز وشركة الملابس المصرية والقسم الطبى بالجيش المصرى والمستقبل.. ومن خارج القاهرة كانت أندية الاتحاد الرياضى السكندرى والنادى الحديث والمحروسة ومحرم بك والنادى المصرى فى بورسعيد ونادى الزقازيق ونادى بنها.

ولم يعد يشغلنا إلا المادة 18 من قانون الفيفا والتى نستخدمها إن احتاجت بعض الأندية إلى الضغط على اتحاد الكرة

وبنظرة تأمل سريعة لا تحتاج إلى كثير من الوقت أو الجهد.. سنجد أن معظم تلك الأندية المؤسسة لم يعد لها وجود.. وقد يكون ذلك طبيعيًا لأن الدنيا كلها تشهد ذلك.. وهناك أندية أسست اتحادات الكرة فى إنجلترا وفرنسا وإسبانيا وإيطاليا ولم يعد لها وجود الآن.. ولكن ليس بعدد كل هذه الأندية التى اختفت وانهارت فى مصر.. ولا أظن أن ذلك كان بمحض المصادفة وتأثير الأيام والسنين.. وإنما هى منظومة كروية خاطئة منذ أن بدأت.. منظومة تأسست بنظرية ومبدأ اختصر كل أندية مصر فقط فى الأهلى والزمالك.