في أول أيام عيد الأضحى المبارك .. فوجئ الكثيرون فى ليبيا بالمستشار مصطفى عبد الجليل .. رئيس المجلس الانتقالي وقائد الثورة التي أطاحت بالقذافي .. وقد قرر الاحتفال بالعيد بالطريقة التى يحبها ويهواها .. وهى ممارسة كرة القدم .. وكانت صورة قائد الثورة وهو يلعب الكرة فى العيد بمنتهى الحماسة والحب والاهتمام .. من الصور التى استدعت التوقف والتأمل والاهتمام .. وأجبرت الكثيرين على العودة إلى الوراء سنينا طويلة حين كان قائد الثورة الليبية مجرد لاعب كرة فى نادى البيضاء وظل يلعب له ستة عشر عاما فى مركز لاعب خط الوسط المدافع .. وكان أهم إنجاز له مع فريقه هو المشاركة فى نهائي كأس ليبيا عام 1979 أمام أهلي طرابلس .. وخسر البيضاء الكأس لكنه فاز فى نفس العام ببطولة دورى الدرجة الثانية فى ليبيا .. واعتزل المستشار مصطفى عبد الجليل كرة القدم عام 1985 دون أن يتخيل أو يتوقع أنه بعد ستة وعشرين عاما من اعتزال اللعب .. سيعود من جديد إلى ملعب كرة قدم ليلعبها وهو قائد لثورة أطاحت بالقذافي وأنهت نظامه وبدأت عصرا جديدا لليبيا وأهلها.

ولم يكن مشهد قائد الثورة وهو يلعب الكرة احتفالا بعيد الأضحى هو المشهد الكروى الوحيد الذى يستحق التوقف أمامه والاهتمام به .. فقد كانت هناك مباراة ثانية أقيمت مؤخرا فى ملعب الاتحاد فى طرابلس .. مباراة ودية شارك فيها لاعبون كثيرون من مختلف الأندية وقصدهم الوحيد هو الاحتفال بنجاح الثورة وعودة كرة القدم الليبية للحياة مرة أخرى .. إلى هذا الحد بلغت قناعة الليبيين بأن كرة القدم لم تعد فى بلادهم وحياتهم مجرد لعبة وإنما شىء أكبر وأعمق وأصدق من ذلك.

كما شهد الأسبوع الماضي أيضا مباراة ثالثة حضرها قائد الثورة الليبية وسافر من أجلها إلى دبى .. مباراة أقيمت لمصلحة أطفال ليبيا وشارك فيها نجوم كبار مثل مارادونا وكانافارو وكريسبو ورابح ماجر .. ويجعلنى كل ذلك أؤكد من جديد أن كرة القدم فى زماننا الحالى لم تعد مجرد لعبة للتسلية أو التسابق على انتصار أو بطولة .. ولا مجرد ساحة مكشوفة ومفتوحة للتعبير عن كل مشاعر الانتماء والحب أو الرفض والغضب .. أو صناعة لها أسواقها ومنتجاتها وأموالها .. وإنما أصبحت الكرة إلى جانب ذلك كله وسيلة ممكنة ومتاحة تساعد على قراءة وفهم أى مشهد سياسى أمامنا وحولنا.

وإذا كان كتاب وإعلاميون وسياسيون أمريكيون كبار يلجأون أحيانا للعبة الجولف لتحليل مشاهد وأزمات سياسية حتى داخل البيت الأبيض نفسه .. فإنه ليس هناك ما يمنع من اللجوء للكرة لتقوم بهذا الدور فى بلدان أخرى وعلى وجه التحديد فى عالمنا العربى المسكون بعشق وسحر وجنون كرة القدم .. وعلى سبيل المثال يمكن أن تختصر كرة القدم جوانب كثيرة جدا من قصة طويلة ومعقدة وحافلة بالأسرار والغرائب هى حكاية القذافى مع ليبيا والليبيين .. فالكرة تبقى شاهدة على ثلاث صور تتعلق بالقذافى .. صورته كقائد وديكتاتور .. وصورته كزعيم مغضوبا عليه ثار عليه شعبه حتى أسقطه وقتله .. ثم صورته بعد أن مات وكيف أدى سلوك من قتلوه ووحشيتهم إلى تغيير جديد فى رؤية الناس للقذافى.

وأبدأ بالقذافى القائد والزعيم الثائر الذى انقلب إلى ديكتاتور ظالم وقاتل .. وهنا تصلح كرة القدم تماما لتفسير كثير من جوانب وخفايا هذا الرجل .. فالقذافى كان عاشقا لكرة القدم .. واتضح أنه كان أحد المشجعين المتعصبين لنادى ليفربول الإنجليزى .. لكنه فى نفس الوقت كان يكره نجوم كرة القدم فى بلاده .. يمنع وسائل الإعلام من أن تنشر صورهم أو تنطق وتكتب أسماءهم خوفا أن تزيد شهرتهم وأن يتعلق بهم الناس.

فالقذافى كان يريد أن يكون وأن يبقى هو النجم الأوحد .. يخاف ويغار حتى من شهرة لاعبى كرة القدم .. ولم يشأ القذافى أيضا أن يطال الكرة فى بلاده أى تطوير أو تكتسب أى مكانة على الساحة الأفريقية حتى لا تبقى ليبيا مرتبطة أفريقيا بأى شىء أو أحد إلا القذافى نفسه .. ولهذا لم يمانع القذافى من أن يحيل الكرة فى بلاده إلى مدرسة خاصة يتعلم فيها نجلاه .. الساعدى ومحمد .. الإدارة والقرار والقيادة وممارسة المغامرة والجنون.
كما أن القذافى كان الوحيد فى تاريخ الكرة العالمية الذى اشترى لإبنه صفة اللاعب المحترف .. فكان الساعدى هو أول لاعب محترف فى التاريخ يدفع الملايين لنادى يوفنتوس من أجل أن يوقع معه عقد احتراف .. رغم أن القذافى ظل حتى النهاية يهاجم سياسة الاحتراف أصلا ويصف النجوم المحترفين بأنهم مجرد عبيد.

أما محمد فلم يكن مجرد نجل القائد ووريثه الكروى أو حتى رئيسا لاتحاد الكرة واللجنة الأوليمبية أيضا .. بل إن المدرب الأرجنتينى بيلاردو فوجىء بأنه ليس من حقه كمدير فنى للمنتخب الليبى أن يختار تشكيل المنتخب وإنما كان محمد طول الستة أشهر التى قضاها بيلاردو فى ليبيا هو الذى يضم أو يستبعد ما يشاء من اللاعبين فاستقال بيلاردو ثائرا وغاضبا ومصدوما أيضا.

هذا غير جرائم أخرى ارتكبها القذافى وأبناؤه ورجاله .. لعل أشهرها يوم أمر القذافى رجال شرطته بالذهاب إلى ملعب 11 يونيو فى طرابلس أثناء مباراة هامة بين الاتحاد وأهلى طرابلس فى عام 1979 .. وقام رجال الشرطة بالقبض على المشجعين فى المدرجات وشحنهم داخل أتوبيسات كانت فى انتظارهم أمام بوابات الاستاد لأن القذافى احتاج إلى رجال يحملون السلاح يواصل بهم الحرب ضد تشاد .. ومنع القذافى كل الجماهير المقبوض عليهم بإبلاغ عائلاتهم بما جرى فى أحد المشاهد التى لا يمكن نسيانها فى تاريخ الكرة العالمية.

كما أن القذافى ابتكر أغرب أسلوب لمواجهة شغب الملاعب .. ففى عام 1996 شهد الملعب تجاوزات متبادلة بين جمهوري الأهلى والاتحاد .. ففوجئ الجميع أثناء استكمال المباراة بعدد من الجنود السمر المسلحين بالمدافع الرشاشة يقتحمون الملعب وسط دهشة الجميع بمن فيهم رجال الشرطة ويطلقون الرصاص العشوائى على المدرجات قبل أن يختفوا بسرعة .. وفى اليوم التالى استلم الأهالى جثث أبناءهم بعد توقيع إقرارات بأن أولادهم كانوا يثيرون الشغب .. هذا غير جريمة قتل اللاعب والمدرب قتل اللاعب المدرب بشير الريانى حيث يقال أن الساعدى القذافى هو الذى قتله فى استراحته الخاصة دون أن يجرؤ أحد بالمطالبة بأى تحقيق أو محاكمة.

أما الكرة والثورة الليبية .. فقد كان مشهدا له قيمته ودلالته .. فكرة القدم كانت شريكة للثورة ومنذ اليوم الأول .. وعلى عكس باقى ثورات الربيع العربى .. لم يكن لاعبو الكرة الليبية فى صف السلطة او حتى على الحياد .. بل كانوا ضد القذافى ونظامه ومظالمه .. باستثناء النجم الأكبر والأشهر طارق التايب الذى بقى مؤيدا للقذافي حتى وقت قريب جدا ليضطر بعد ذلك للتحول وشرح مقاصده والاعتذار عن عدم تأييد الثورة والناس ولكن بعد خسارته لكل شيء.

وقد كانت الكرة الليبية جزءا أساسيا من ثورة الناس .. المنتخب الليبى رفض الزى الأخضر ورفض أى علاقة بالقذافي وأولاده حتى وهم لا يزالون يحكمون وأصر على اللعب بإسم منتخب ليبيا الحرة وبرفع علم الثورة فى التصفيات المؤهلة لنهائيات أمم أفريقيا .. وكان لاعبو المنتخب يعرفون أنهم بذلك يضعون رؤوسهم داخل مشانق القذافى فى حال فشلت الثورة أو لم تكتمل .. ولهذا لم يكن غريبا أو مفاجئا أن يتابع الفيفا كل ذلك باهتمام واحترام أيضا .. ولم ينتبه الكثيرون فى العالم العربي وإعلامه إلى أن الفيفا اعترف بنجاح الثورة الليبية قبل حلف الناتو وأى حكومة غربية أو عربية .. أول اعتراف رسمي بالثورة الجديدة جاء هذه المروة من الفيفا وليست الأمم المتحدة حيث سمح الفيفا فورا بتغيير العلم الليبي على موقعه الرسمي.

أما المشهد الثالث .. وبعد هذا السلوك القاسى والفج الذى تجسد فى التمثيل بجثة القذافى بعد مقتله وعدم احترام البعض لجلال الموت .. حتى وإن كان موت ظالم وطاغية .. فكانت صور القذافى التى عادت ترتفع فجأة وبكثرة فى مدرجات الكرة الجزائرية على سبيل المثال.

ففى ملعب قسنطينة .. تعاطف الجمهور الجزائرى رغم تأييده للثورة وللحق وللحرية مع القذافى غضبا من هذا التمثيل بجثته .. ورفعوا لافتات كبيرة عليها صور القذافي مكتوبا تحتها يرحمك الله يا زعيم .. وفى ملعب الشلف .. كتب الجمهور اسم القذافى باللون الأحمر وتحته .. ستبقى راسخا فى قلوبنا .. وهو نفس التعاطف الذى لاقاه القذافى فى نواح كثيرة عربية وعالمية بعد هذا الذى جرى.

أما المفاجأة .. فكانت إعلان النجم الإيطالى جنتيلى .. المدافع الصلب والشهير جدا والذى كان أحد صانعي انتصار إيطاليا وفوزها بكأس العالم للكرة عام 1982 .. برغبته فى تدريب المنتخب الليبى احتفالا بسقوط القذافى ونظامه الديكتاتورى .. فقد اتضح أن جنتيلى ينتمى لأب إيطالى وأم ليبية .. ولم ينس جنيلى أبدا أنه نصف ليبى وكان فخورا بذلك لكنه لم يكن راضيا بما يقوم به القذافى .. وقد طلبوا من جنيلى أن يقود المنتخب الليبى قبل أن يسقط القذافى ورفض الرجل مهما كانت قيمة العرض وحجم الاغراءات .. ولكنه الآن هو الذى يريد لأنه يريد أن يعود ليبيا وأن يقود منتخب جديد فى ليبيا الجديدة بكل أحلامها السياسية والاقتصادية والاجتماعية التى تجسدها كلها لعبة كرة القدم.