بالتأكيد أتمنى نجاح محمد صلاح فى مهمته الجديدة كمدير فنى لنادى الشعلة السعودي .. وسيسعدني قطعا نجاح جديد لمدرب مصري له خبرته وتاريخه الطويل فى الساحة الكروية السعودية الحافلة بالتحديات والطموحات .. ولكنني مع ذلك كله شعرت بضرورة التوقف أمام قرار عودة محمد صلاح للتدريب من جديد .. فالرجل كان قد أعلن مؤخرا أنه اعتزل التدريب بعد تليفونات بنى سويف وأزمته مع غزل المحلة وقرر التفرع للتحليل الكروي.

ولست ضد أن يعود محمد صلاح للتدريب أو يبقى محللا .. أو أى أحد آخر .. ولكن هذا القرار فى حد ذاته يعنى أننا فى مصر لا نزال نعيش هذا الخلط والارتباك بين التدريب والتحليل .. والمسألة هنا أكبر من محمد صلاح مع كامل تقديري واحترامي له .. حيث تبقى مصر وحدها فى العالم كله تعيش وتعرف وتملك ظاهرة قيام مدربي كرة القدم بتحليل مبارياتها فى الاستوديوهات التليفزيونية.

فنحن لدينا المدربون والمحللون فى نفس الوقت بينما لا يشهد العالم حولنا قيام المدربين بالتحليل التليفزيوني إلا فى حالتين فقط .. إما اعتزال التدريب نهائيا والابتعاد عن هذه المهنة والانتقال الحاسم من الملعب إلى الشاشة .. أو أن تتم الاستعانة بمدرب كبير وشهير للتحليل على أحداث ووقائع ومباريات بطولة هامة لا يشارك فيها الفريق الذى يقوده هذا المدرب.

وهناك بالتأكيد وجهات نظر وفلسفة واضحة ودائمة تشرح رؤية العالم لهذا الأمر .. فهم يؤمنون بأنه ليس من اللائق أن يقوم مدرب بتحليل أداء زملاء له يواجههم فى الملعب ويستعرض أخطاءهم أو نواقصهم مما قد يخلق حساسيات بلا داع أو ضرورة .. كما أنه لا يستقيم الأمر أن ينشغل مدرب بأى وظيفة أخرى يمارسها فى وقت مفترض أنه يشهد اهتمام هذا المدرب بالفريق الذى يقوده .. ثم أنه ضد أى منطق كروى أن يقوم أى مدرب بشرح فكره وفلسفته ورؤاه الكروية أمام مدربين آخرين سيعود لمواجهتهم فى الملعب.

وإذا كانت هذه هى فلسفة العالم حولنا .. فمن الضروري التوقف أولا أمام حكايتين قبل العودة لمواصلة مناقشة هذا الملف الشائك والصعب الذى يفيض بالحساسية والظنون والشكوك .. الحكاية الأولى تخص المدرب البرتغالي الأشهر والأعظم فى العالم .. جوزيه مورينيو .. المدير الفني الحالي للنادي الإسباني الملكي الشهير ريال مدريد .. وقد بدأت مؤخرا تتوالى الأخبار والحكايات عن رغبة الاتحاد البرتغالي في استعارة جوزيه مورينيو لقيادة المنتخب البرتغالى فى نهائيات كأس الأمم الأوروبية المقبلة .. حيث تراود مسئولي الاتحاد البرتغالي أحلام ورغبات  استعارة جوزيه مورينيو بشكل مؤقت من الريال الإسبانى لقيادة البرتغال فى نهائيات أمم أوروبا.

وعلى الأرجح لن يوافق ريال مدريد على ذلك .. وقد سبق أن طلب الاتحاد البرتغالي استعارة جوزيه مورينيو لقيادة منتخب بلاده فى المباراتين الفاصلتين للبرتغال أمام البوسنة ورفض ريال مدريد قبول هذا الطلب .. وأعاد هذا الرفض إلى الأذهان موقفا قديما مضى عليه عام تقريبا .. حيث تقدم وقتها الاتحاد البرتغالى بطلب للريال يريد استعارة جوزيه مورينيو لقيادة منتخب البرتغال بشكل مؤقت .. ورفض ريال مدريد هذا الطلب .. وحاول الاتحاد البرتغالى ممارسة أى ضغوط على النادى الإسبانى الكبير إلا أن النادى أصر على الرفض.

واضطر فلورتيتيو بيريز رئيس ريال مدريد للكلام للتوضيح والشرح والتأكيد على أن سبب الرفض ليس شخصيا ولا كراهية أن ينجح المنتخب البرتغالى ويتألق ويتفوق .. وإنما يتعلق هذا الأمر بالمبدأ .. فالريال تعاقد مع جوزيه مورينيو بمبلغ ضخم جدا لقيادة فريق النادى .. ووفر له كل مطالبه واحتياجاته مقابل أن يمنح جوزيه مورينيو للريال وجماهيره البطولة والانتصار والفرحة .. وهذا المبلغ الضخم الذى يتقاضاه مورينيو يستلزم أن يمنح مورينيو الريال كل طاقاته وفكره واهتماماته وانشغاله.

والريال ليس مستعدا على أن يمنح مورينيو موافقة على أن ينشغل حتى ولو بشكل مؤقت بفريق آخر حتى لو كان هذا الفريق هو منتخب بلد مورينيو نفسه .. يومها قال فلورنتينو بيريز أيضا أن مورينيو ملك للريال أربعة وعشرين ساعة فى اليوم .. سبعة أيام فى الأسبوع .. اثنى عشر شهرا فى السنة .. باستثناء الأجازات التى يحصل عليها المدرب البرتغالى .. وأظن ان ما قاله رئيس نادى ريال مدريد هام جدا .. واضح جدا أيضا .. وهو يناقض تماما سلوك الاندية المصرية التى تتعاقد مع مدربين .. تدفع لهم المرتبات الضخمة وتوقع معهم عقودا يرضى بها الجميع .. إلا أن هذه الأندية لم تفكر يوما فى الدفاع عن حقوقها مثلما قام نادى ريال مدريد بذلك ويقوم به دائما هو وكل أندية أوروبا بلا استثناء.

الأندية عندنا تسمح لمدربيها بالانشغال طول الوقت بأعمال أخرى وحمل هموم وأعباء أخرى لا علاقة لها بالأندية وفرقها .. بل إن أى مدرب فى مصر لم يخطر بباله أصلا استئذان ناديه قبل التعاقد مع أى قناة أو شاشة للعمل بالتحليل الكروي التليفزيوني .. وإن صارحتهم بذلك .. نظروا إليك فى دهشة واستغراب وكأنك تطالبهم بما هو ليس مفروضا عليهم او هو من صميم واجبهم والتزامهم .. أما مسئولو الأندية فلا يخطر ذلك ببالهم أيضا ويتصورون أن غاية ما يستطيعون ويقدرون عليه هو أن يطلبوا من مدربيهم ألا ينشغلوا كثيرا بالتحليل التليفزيوني على حساب اهتمامهم بأنديتهم التي تعاقدت معهم لقيادة فرقها.

أما الحكاية الثانية فهى تخص المدير الفنى للنادى الأهلى .. مانويل جوزيه .. وكانت حين تلقى عرضا من إحدى القنوات التليفزيونية ليشارك فى الاستوديو الخاص بها لتحليل مباريات الدورى المصرى .. ورفض مانويل جوزيه العرض من حيث المبدأ .. ولم يكن الرفض نفسه هو المهم .. أهم منه كان وسيبقى ما قاله جوزيه تبريرا لهذا الرفض.

فقد قال جوزيه أو تساءل كيف يقوم بتحليل مباريات الدورى المصرى على شاشة التليفزيون .. فهذا التحليل سيلزمه بشرح وجهة نظره الخاصة فى نقاط القوة والضعف فى أى فريق .. وسيشرح أفضل الأساليب وطرق اللعب اللازمة لأى فريق .. وما هو المطلوب من أى مدرب يقود فريقا فى الدورى المصرى ليقدم أداء أقوى ويحقق نتيجة أفضل .. فكيف يقوم جوزيه بذلك وهو فى نفس الوقت يقود فريق الأهلى الذى يواجه فى الدورى كل هذه الفرق ومدربيها .. وسخر جوزيه من الفكرة قائلا أنه لو قبل هذا العرض فسيصبح كمن يقوم بتقديم أسراره وحساباته وأفكاره مجانا للمدربين المنافسين وسيوضح لهم عيوبهم ونقاط ضعفهم قبل مواجهة الأهلي وكأن جوزيه يمنحهم دروسا خاصة مجانية يشرح لهم فيها كيف يفوزون على الأهلى وعليه هو شخصيا.

وأظن أنها حكاية تستحق هى الأخرى التوقف أمامها كثيرا وطويلا .. فجوزيه قدم أسبابا للرفض الأولى أن يحترمها ويلتزم بها كل مدربى الدورى المصرى الذين لا يزالون يجمعون بين تدريب الكرة وبين التحليل التليفزيوني .. وربما لم يدر بخلد أى منهم ما قاله مانويل جوزيه وما فكر فيه البرتغالي العجوز عاشق الفلسفة وبالغ الذكاء .. وبعيدا عن هاتين الحكايتين بكل معانيهما ودلالاتهما .. أعود لهذا الملف الشائك وأشرح لماذا هو شائك أصلا .. فنحن فى الإعلام الكروى المصرى أصبح يصعب علينا طرح أى قضية دون تصور أنها بقصد الإساءة إلى شخص بعينه أو لتلبية مصالح وحاجات شخصية وليس من أجل المصلحة العامة .. وبالتالى حين أفتح أنا أو غيرى مثل هذا الملف.

فغالبا سيكون هناك من يتصورون أننى ضدهم شخصيا أو أحاربهم أو أكره نجاحهم التليفزيون أو الفنى فى الملعب .. وكل ذلك ليس صحيحا .. فأنا بالفعل لست ضد أى أحد .. ولا تعنيني أى أسماء بعينها وإنما أفتح ملفا يخص ظاهرة عامة .. وبالتأكيد لست ضد هذه المكاسب الكبيرة التى يأتى بها التحليل الكروى لهؤلاء المدربين الذين أحبهم وأحترمهم جميعا على المستوى الشخصي .. ولكننى فقط ضد هذا الخلط فى الادوار والأوراق .. ضد أى أحد يحاول ويصر على القيام بدورين معا فى وقت واحد .. الذى يمارس التمثيل أو الكتابة للسينما مبدعا ويبقى يكتب عن السينما ناقدا .. الذى يريد أن يكون إعلاميا معارضا للسلطة وفى نفس الوقت لا يمانع من مغازلة السلطة طول الوقت وصداقة كبار رجالها .. الذى يريد أن يكون داخل الملعب لاعبا أو مدربا وفى نفس الوقت يريد الجلوس وسط الجماهير أو أمامهم محللا وناقدا.

فأنا أخشى على أصدقائى المدربين من دهشة عموم الناس واستغرابهم وربما سخريتهم أيضا .. فقد بدأ جمهور الكرة فى مصر يعتاد رؤية مدربا على الشاشة يقوم بتحليل مباراة بين فريقين ويشرح كيف سارت المباراة وما هى الأخطاء التى ارتكبها كل مدرب سواء فى التشكيل أو خطة اللعب .. وكيف كان من الممكن تجنب هذه الأخطاء .. ويبدو على الشاشة كلام هذا المدرب ساحرا ومقنعا جدا .. لكن هذا الجمهور قد تفاجئه رؤية هذا المدرب فى اليوم التالى مباشرة وهو يقود فريقا يخسر نتيجة أخطاء .. ويبدأ الناس يتساءلون رغما عنهم .. أين ذهبت ولماذا اختفت تلك الحكمة الكروية التى كانت حاضرة على الشاشة يوم أمس .. أين ذهبت الأفكار الكروية الساخرة والحلول الواقعية الرائعة لأى نواقص أو أخطاء أو أزمات عابرة.

وللناس بالتأكيد ألف عذر فى ذلك لأن هؤلاء المدربين .. مع كامل التقدير والاحترام لهم .. هم الذين قبلوا وارتضوا ذلك .. وهم الذين خلقوا وسمحوا بمثل هذا التناقض الذى قد يكون هينا ومقبولا أحيانا .. وقد يكون صارخا وداعيا للسخرية والشفقة أحيانا أخرى .. كما أن الامر لا يسلم أيضا من معارك شخصية تنشب بين هؤلاء المدربين أنفسهم .. لأن المدرب الذى يعود لبيته من الملعب بعد انتهاء مباراته .. يسمع قطعا ويعرف ماذا قاله عنه زميله المدرب .. وعلى الارجح لن يتعامل مع هذا الكلام باعتباره مجرد تحليل كروى ورؤية فنية وإنما سيراه هجوما شخصيا وتجريحا متعمدا وهوى فى إظهار العيوب والأخطاء .. ولن يبقى هناك ما يمنع ظنون أى مدرب بأن هذا المدرب الآخر يريد إبعاده عن فريقه وإقناع إدارة نادية بان مدربهم الحالى لا يصلح ولا يناسب الفريق.