لم يعد يخوض السباق إلا ثلاثة مدربين فقط .. أليكس فيرجسون وجوزيه مورينيو وبيب جوارديولا .. كل منهم يريد جائزة المدرب الأفضل لعام 2011 التي سيمنحها الفيفا لمن يفوز بهذا اللقب فى التاسع من شهر يناير المقبل فى احتفال ضخم بمدينة زيوريخ السويسرية .. وهو الاحتفال الذى سيتضمن أيضا منح الجوائز السنوية شديدة اللمعان والبريق للاعب الأفضل .. واللاعبة أيضا.

وأنا أعرف وأتوقع أن الكل سيذهب وراء اللاعبين الكبار وسيبقى خلفهم يتابعهم هم وأخبارهم وحكاياتهم ومبارياتهم انتظار لإعلان اسم اللاعب الفائز بجائزة الفيفا والفرانس فوتبول كأحسن لاعب فى العالم .. ولكننى أحببت الالتفات لسباق المدربين وليس اللاعبين .. فأنا بالتأكيد أحترم لاعبى العالم ونجوم الكرة بكل مواهبهم وإبداعاتهم .. لكننى أحترم أكثر هؤلاء الذين يقودون اللاعبين والنجوم من خارج الملعب ويصنعون بهم ولهم كل الانتصارات الجميلة والرائعة.

وبالتأكيد ألتمس العذر لكل الناس فى انشغالهم واهتمامهم وتعلقهم باللاعبين والنجوم .. فهم الذين يتصدرون المشهد الكروى طول الوقت وفى كل مباراة .. يحرزون الأهداف أو يقدمون العروض الساحرة والمبهرة ويستعرضون كل ما يقدرون عليه ويحركون مشاعر الجميع بأقدامهم .. أما المدربون .. فلا يستخدمون إلا عقولهم .. لا يظهرون أمامنا طول الوقت .. لا نشاهد أثناء أى مباراة إلا بعض انفعالاتهم ووقوفهم بجوار الخط يصرخون أو يقدمون نصائحهم أو يقومون بتغييراتهم سواء فى اللاعبين داخل الملعب أو خطط اللعب .. وأنا أحب هؤلاء الذين يقودون ويقومون بكل شىء دون حاجة للظهور الدائم على الشاشة .. أحب هؤلاء الذين فرضت عليهم الظروف أن يفوزوا أو يخسروا ولكن بأقدام الآخرين.

وقبل أى حديث عن هؤلاء المدربين الثلاثة .. يجب التوقف أولا عند بضع ملاحظات أساسية .. أهمها على الإطلاق أنهم فى العالم حولنا لا يبدلون أحكامهم وأراءهم بشأن أى مدرب نتيجة مكسب أو خسارة مباراة .. فى مصر كانت خسارة المنتخب الأوليمبي أمام المغرب كافية جدا لبعضنا لإهالة التراب على هانى رمزى لدرجة التشكيك فى أنه أصلا يصلح لوظيفة مدرب كرة قدم .. ثم كان فوز نفس المنتخب على السنغال والتأهل لدورة لندن الأوليمبية كافيا لأن تتغير الأحكام فى لحظة لدرجة أن يصبح هانى رمزى نفسه هو أمل الكرة المصرية.

بينما يخسر مانشستر يونايتد بقيادة أليكس فيرجسون بستة أهداف فى الدورى الإنجليزى ولكن يبقى للسير فيرجسون كل تقديره واحترامه .. ومؤخرا يقود جوزيه مورينيو ريال مدريد لخسارة مزعجة وقاسية أمام برشلونة على ملعبه وفى مدينته فلا يخرج أحد يتهم مورينيو بعدم الصلاحية أو استحقاق قيادة الفريق الملكى الكبير والشهير .. وقبل هذا الفوز الكبير والأخير لبرشلونة لم يتوقف أحد أمام تراجع مستوى برشلونة فى مباريات كثيرة بالدورى الإسبانى ليبدأ فى مصادرة شهادات التقدير والإشادة السابقة بالعظيم جوارديولا.

والملاحظة الأخرى هى أن المدربين الثلاثة الذين بقوا يخوضون سباق الأفضل .. يقودون أندية وليست منتخبات .. وتم استبعاد ثلاثة مدربين كانوا فى قائمة عشرة مرشحين للجائزة ويقودون منتخبات كروية .. فينسنت ديل بوسكى وإسبانيا .. يواكيم لوف وألمانيا .. أوسكار تاباريز وأوروجواي .. والثلاثة بالمناسبة يقودون منتخبات بلدانهم.

أما الملاحظة الثالثة .. فهى أن الكثيرين لن يتوقفوا ولن يهتموا بهذا السباق أصلا .. والدليل أن جمهور الكرة الذى يحفظ تاريخ الكرة وحاضرها وأسماء نجومها ونتائج مبارياتها .. يكاد لا يعرف معظمه أسماء مثل وليام سودال .. هيربيرت تشابمان .. فيشينيى فيولا .. هيلينو هيريرا .. إيمور موريرا .. ألف رامسى .. رينوس ميتشيلز .. ومن حقك الشعور بالدهشة والاستغراب وأنا أذكر الآن هذه الأسماء بكل هذا الاعتزاز والاهتمام والاحترام .. فسودال هو الذى ابتكر وطبق طريقة 2 ـ 3 ـ 5 واخترع الظهير المساعد واللاعب صانع اللعب .. وتشابمان هو الذى علم العالم طريقة توزيع المهاجمين على شكل حرف دبليو في اللغة الإنجليزية وتوزيع المدافعين على شكل حرف إم باللغة الإنجليزية .. وبقيت هذه الطريقة سائدة في العالم كله طيلة ربع قرن.

والبرازيلى فيولا هو الذى قدم للعالم طريقة لعب 4 ـ 2 ـ 4 النى فازت بها البرازيل بكأس العالم عام 1958 .. وكان هيريرا هو الذى اخترع الكماشة الإيطالية وابتكر وظيفة الليبرو فى ملاعب الكرة .. ونجح موريرا البرازيلى فى اختراع طريقة 4 ـ 3 ـ 3 وقاد البرازيل للفوز بكأس العالم عام 1962 .. أما الإنجليزى رامسى فكان أول مدرب يستغنى عن الأجنحة ويلعب بطريقة 4 ـ 4 ـ 2 وفازت بها إنجلترا بكأس العالم عام 1966.

وابتكر الهولندى رينوس ميتشلز شكلا جديدا للعب الكرة عرف بإسم الطاحونة الهولندية .. ومدربون آخرون غيرهم مثل جوستاف سيبيس الذى قاد المجر فى مونديال 1954 وأبهر العالم كله بطريقة جديدة فى اللعب هى 2 ـ 3 ـ 3 ـ 2 .. ومثل فابيو كابيللو صاحب مدرسة قطع الكرات وإفساد أى هجمة للفريق المنافس التى صنعت مجد نادى روما ويوفنتوس.

وأظن أن هؤلاء المدربين الكبار .. لم يكونوا مجرد مدربين يقودون فرق أو منتخبات .. وإنما كانوا أصحاب فكر وإبداع حقيقي تغير معه شكل كرة القدم فى العالم مرة بعد مرة حتى وإن لم يبق كثيرون فى نفس هذا العالم الكروى يحفظ أسماءهم أو يشعر نحوهم باى تقدير أو امتنان .. ولكننى لا أنوى القيام بذلك الآن وإنما سأتوقف أمام هؤلاء الثلاثة الذين سيختار منهم الفيفا المدرب الأفضل فى العالم.
 

وأتوقف فى البداية أمام العجوز القدير .. السير أليكس فيرجسون .. المدير الفنى لمانشستر يونايتد .. والذى احتفل مؤخرا بخمسة وعشرين سنة مضت وهو يقوم بهذه المهمة مع النادى الإنجليزي العريق .. عاش خلالها أزهى أوقات النصر والتألق وأقسى مرارات الخسارة والهزيمة .. لكنه دائما بقى واقفا على قدميه عاشقا لمهنته مدركا لقيمة كرة القادم قادرا على التعامل معها كامرأة جميلة ومجنونة تستحق أن يمنحها الإنسان عمره كله .. ولا يحتاج أليكس فيرجسون لهذه الجائزة ليثبت أنه أحد أفضل مدربى العالم وأشهرهم أيضا .. كما أنه لم يكن فى أى يوم مطالبا بالفوز بالدورى الإنجليزى ليبقى فى مكانه يدير مانشيستر يونايتد.

وحين خرج النادى الإنجليزى العريق مؤخرا من الدورى الأوروبى .. تحدث كثيرون عن أخطاء فيرجسون ولاعبيه .. لكنهم تحدثوا عن أخطاء فى مباراة دون أن تتحول ملاحظاتهم إلى تقييم عام للرجل ورفعه للسماء أو إسقاطه على الأرض لمجرد هزيمة أو فوز .. ونفس الأمر بالنسبة لجوزيه مورينيو المدير الفنى لريال مدريد .. وعلى الرغم من أن مورينيو يقود الريال منذ عام ونصف فقط .. إلا ان مورينيو نجح فى تحقيق العديد من الأرقام القياسية .. فبعد فوز الريال الأخير على ليون الفرنسى .. عادل مورينيو الرقم القياسى لمدرب الريال القديم ميجيل مونوز فى الفوز رقم 56 خلال أول 75 مباراة يقود فيها الفريق كمدير فنى.

كما أن الريال بدأ مؤخرا يستعيد مع مورينيو بريقه القديم وتألقه المعتاد وباتت جماهير الريال سواء فى إسبانيا أو فى العالم كله تسترد ثقتها القديمة فى ناديها الملكى بعد سنوات خفت فيها صوت الريال امام سطوة برشلونة وانتصاراتها التى لم تغب أو تتوقف أبدا .. حتى وإن خسر مورينيو الكلاسيكو الأخير أمام برشلونة.

وبذلك يثبت مورينيو أنه ليس مجرد مدير فنى يعرفه العالم بصوته العالى وانفعالاته حين يثور ويغضب مهزوما او فائزا .. وإنما هو المدرب القدير والأغلى فى العالم كله حاليا .. والرجل الذى يتميز حاليا بالموازنة الدقيقة بين دفاع صلد وهجوم كاسح دون أن تختل الموازين فى يد مورينيو الذى لا ينزل إلى الملعب ويبقى واقفا بعيدا قادرا على التحكم فى كل شىء.

وقد اهتم كثيرون جدا بما قاله مؤخرا النجم الهولندى الكبير فيسلى شنايدر لاعب إنترناسيونالى الإيطالى عن جوزيه مورينيو .. فقد لعب شنايدر مع مورينيو فى إنتر ميلان .. وقال شنايدر أن كل لاعب قاده مورينيو ولو يوما واحدا .. يبقى يبحث فى أى مدرب أخر عن شىء من مورينيو .. فهو أكثر مدرب فى الدنيا قادر على التعامل مع لاعبيه وإخراج أفضل ما لديهم.

وعلى الناحية الأخرى فى إسبانيا .. نجد بيب جوارديولا .. المدير الفنى لبرشلونة .. والرجل الذى صنع كل هذه الانتصارات وجاء بكل هذه البطولات والفرحة للنادى الكتالونى وعشاقه فى العالم كله .. وقد احترمت جوارديولا جدا حين قال منذ أسابيع .. وبعد كل الانتصارات والبطولات التى حققها .. أنه لم يكن يتوقع أبدا أن يبقى مديرا فنيا لبرشلونة لأربعة أعوام متتالية .. وأنه لا يزال يذكر أول يوم له مع النادى الكتالونى واحساسه بالخجل والحيرة والارتباك وقد توقع أن يفشل فى قيادة كل هؤلاء النجوم .. لكنه نجح وقادهم كلهم إلى بطولة بعد أخرى وسط دهشة العالم وفرحته واعجابه وغيرته واحترامه.

وحتى اليوم .. لا يزال جوارديولا يؤكد أنه ليس سعيدا بالبطولات والانتصارات التى حققها كمدير فنى لبرشلونة .. وإنما سعيد أكثر بنجاحه وقدرته فى قيادة كل هؤلاء النجوم الكبار .. وبالتأكيد هذا من فرط تهذيب جوارديولا وتواضعه .. لأنه مدرب قدير بالفعل .. والبعض بدأ يصفه بأنه من سحرة كرة القدم القادرين على أن يحيلوها أحيانا من مجرد لعبة إلى سيمفونية أو أغنية أو فيلم سينمائي جميل ورائع.