لن أزعجك بأحاديث مكررة عن استفتاءات كرة القدم اعتدنا عليها فى هذا الوقت مع كل سنة جديدة عن الأفضل والأسوأ سواء كان لاعبا أو مدربا أو فريقا أو حكما .. وإنما سأتوقف فقط أمام بعض مظاهر تلك الاستفتاءات ودلالاتها قبل الحديث عن كرة القدم فى سنة جديدة بدأت تعيشها مصر.

فهى أولا استفتاءات مزورة لسببين .. لأنها استفتاءات لا تعتمد على البحث والتقليب فى أوراق سنة بكامل أيامها ووقائعها .. وإنما هى استفتاءات لحظة الاختيار والأيام القليلة التى سبقتها .. فنختار اللاعب الأحسن فى سنة لأنه كان رائعا فى آخر مباراة شاهدناها .. ونختار أى مدرب ونمنحه لقب الأسوأ فى سنة لأنه خسر المباراة الأخيرة وأخطأ فى قيادة فريقه .. وننسى دائما أننا نتحدث عن سنة بحالها وبكل مبارياتها.

ثم أن اختيارات معظمنا تحددها الألوان التى ننتمى إليها .. فيختار عشاق الأهلى أبو تريكة أو بركات حتى لو تراجع مستواهما أو غاب أحدهما مصابا .. وسيختارون أيضا بالتأكيد مانويل جوزيه .. ويختار عشاق الزمالك شيكابالا بصرف النظر عن أى شىء آخر .. وبالقطع سيختارون حسن شحاتة.

ومن المظاهر التى لا يتوقف أمامها أحد فى هذه الاستفتاءات السنوية .. مشهد جمهور الكرة حين يختار أى بطل حقيقي من لعبات أخرى ويمنحه لقب الرياضي الأفضل .. وتشعر أن هذا الجمهور يختار هذا الرياضي من باب المجاملة أو الخجل من اختيار لاعب كرة رغم أن هذا الجمهور نفسه مستحيل أن يجلس معظمه ليشاهد سباقا واحدا خاضته فريدة عثمان بطلة السباحة العالمية أو مباراة واحدة للكرة الطائرة يشارك فيها أحمد صلاح الفائز بلقب أحسن ضارب فى العالم .. أو لقاء يشارك فيه إسلام الشهابى بطل كأس العالم الأخيرة للجودو.

وهذا فى حد ذاته دليل جديد على أننا لا نزال نناقض أنفسنا .. لا نصارح أنفسنا بما نحبه أو نريده بالفعل .. ليس فى تلك الاستفتاءات فقط وإنما فى نواح وأمور كثيرة .. فى داخلنا نريد شيئا .. لكننا حين نتكلم أو نكتب .. نتحدث عن شىء آخر مختلف تماما.

وبعيدا عن تلك الاستفتاءات .. يبقى من الضرورى الحديث عن كرة القدم المصرية فى سنة جديدة .. ولا أقصد تلك التوقعات التى اعتدنا عليها أيضا فى مثل هذا الوقت فننشغل بتوقع من سيفوز بالدوري والنجوم القديمة التي ستبقى والنجوم الجدد التي ستلمع .. ولكن أقصد حال الكرة نفسها .. إلى أين ستأخذنا كرة القدم أو إلى أين سنسير نحن باللعبة التى نهواها ونحبها .. وأستند فى هذا التساؤل إلى الأحداث الكثيرة التى شاهدناها كلنا السنة الماضية .. الجمهور المتعصب الذى بات يريد أن يدير بنفسه كرة القدم رافضا أى سلطة أو قرار سواء للأمن أو اتحاد كرة القدم أو حتى إدارات الأندية نفسها التى ينتمى إليها هذا الجمهور.

وساعد الجمهور على ذلك حملات إعلامية نجحت تماما فى إزالة أى هيبة أو سلطة لأى رجل أمن بعدما جرى تصوير أى رجل أمن باعتباره سفاحا وقاتلا وعدوا لكل الناس .. وأيضا اتحاد للكرة فقد احترامه تماما فى أعين الجميع بعدما أصبح اتحادا محاصرا باتهامات وخطايا وبعدما تبين وتأكد ضعف هذا الاتحاد وقلة حيلته وانقساماته من داخله.

وتحولت الحروب الإعلامية المتعصبة سواء للأهلى والزمالك أو ضدهما إلى سلاح جديد أدى إلى انشغال الإدارة فى الناديين .. وفى الإسماعيلى والاتحاد والمصرى أيضا .. بالدفاع الدائم عن صورتها مما أدى إلى التقليل من قوتها وصلابتها .. وأسفر ذلك كله عن ساحة كروية مفتوحة ومستباحة لهذا الجمهور المتعصب ليمارس سلطة أبدا لم تكن له وإلى درجة أن يحدد هذا الجمهور المباريات التى تقام أو تؤجل.

بل ويختار هذا الجمهور العقوبات التى تناسبه ويرضى عنها وبالتأكيد لن يرضى هذا الجمهور بأى عقوبة .. فالجماهير فى بلادنا .. لا تتصور أبدا أى خطأ لفريقها أو أنها تستحق الهزيمة أو العقوبة إنما دائما هم الآخرون ومؤامراتهم علينا وعلى النادى الذى ننتمى إليه .. والسؤال الأهم هنا هو هل سيقبل هذا الجمهور المتعصب فى السنة الجديدة العودة إلى مدرجاته تاركا السلطة المفاجئة التى استمتع بها فى السنة الماضية .. هل ستشهد الكرة المصرية فى السنة الجديدة ترتيب الأوراق كلها .. يمارس كل طرف دوره المحدد له .. أمن واتحاد وأندية وجمهور أيضا .. أم أن الجمهور سيبقى يريد أن يحكم إمبراطورية كرة القدم دون أى شريك متصورا أنه وحده الأحق بالحكم وليست هناك أى قوة أخرى فى مصر تستطيع الوقوف أمام الجمهور المتعصب والمتحمس والغاضب أيضا.

وبالتأكيد .. سيتوقف ذلك على الإعلام بكافة أشكاله وأنواعه وفصائله .. وإذا كان هناك كثيرون فى هذا الإعلام بدأوا محاولات حقيقية للعودة بكرة القدم إلى واقعيتها وطبيعتها وحدودها كلعبة وليست قضية حياة أو موت .. فهناك آخرون أيضا لا يزالون يلجأون للصخب والتهويل والصراخ أملا فى كسب مزيد من الشعبية والرواج والتواجد على ألسنة الناس وذاكرتهم .. ولا يدرك هؤلاء أنهم بذلك يساعدون على مزيد من التشويه والتخريب لكرة القدم وحاضرها ومستقبلها.

وعلى سبيل المثال هناك الآن زملاء يقومون بحرب دائمة على حكام كرة القدم .. يتهمونهم طول الوقت بعدم الأمانة وعدم العدل .. ويقومون بفرض ذلك بإلحاح على الناس التى ستتأثر ولم تعد فادرة على قبول أى قرار لأى حكم ليس فى مصلحة ناديهم .. فالحكام المهانون طول الوقت سيأتى يوم لن يحترمهم أى أحد .. والأغرب من ذلك هو محاولة تصوير هؤلاء الحكام بأنهم ضد الأهلى مثلا ويتآمرون ضده فى كل مباراة .. يقول هؤلاء ذلك بمنتهى الثقة والاقتناع وبصوت عال وزاعق دائما.

وأنا أتوقف أمام ذلك منزعجا ومندهشا أيضا .. فإذا كان الأهلى الذى يتحدثون عن مؤامرات ضده وعن حكام يضطهدون لاعبيه دائما .. ورغم ذلك يفوز بمعظم البطولات التى يشارك فيها .. فماذا كان سيجرى لو لم يكن الحكام ضد الأهلى .. هل كان سيفوز بالبطولات كلها .. أليس هناك منطق نحتكم إليه قبل أن نتكلم ونسارع بأحكامنا وتعليقاتنا.

فالنادى الذى يضطهده اتحاد الكرة ويظلمه الحكام فى كل مباراة لا يستطيع أبدا الفوز بالبطولة .. تماما مثل فريق آخر فى ذلك الإعلام أيضا باتت كل مهمته هو تشويه أى انجاز أو انتصار للأهلى ظنا منهم بأن ذلك سيفيد الزمالك .. ولا أعرف لماذا يتصور هؤلاء أن الزمالك لن يتألق ويفوز إلا بتحطيم الآخرين .. فهذا أولا ليس صحيحا على الإطلاق .. والزمالك ثانيا ناد كبير وعريق ولا يحتاج لذلك من أجل استرداد مكانته التى يستحقها .. ثم أنه ليس صحيحا أن الأهلى فاز ببطولاته وحقق انجازاته الكثيرة بطرق غير شرعية .. فهذا عبث واستخفاف بعقول الناس ومنطق الأشياء ووقائع الأيام.

وأنا كأحد عشاق الكرة المصرية .. أتمنى لها سنة جديدة تشهد تحديدا واضحا للمهام والواجبات وحدودا يلتزم بها الجميع كل حسيب دوره واختصاصه .. فيرجع اتحاد الكرة اتحادا بالفعل له سلطاته واحترامه وقوته وأمانته .. وتعود الأندية تمارس دورها المحدد ولا تتخطاه متخيلة أنها هى وحدها صاحبة اللعبة .. ويعرف الإعلام أنه ليس من مهامه أن يحكم اللعبة ويديرها وفق أهوائه وانتماءاته والحسابات الخاصة لمن يقودون هذا الإعلام .. ويدرك جمهور أى ناد أنه ليس السلطة الأعلى والأقوى من الجميع وانه ليس هو من يدير اللعبة وشئونها ومبارياتها.